[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ماذا يعني أن تكون كاتباً؟ 
التاريخ:  القراءات:(2119) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : باسكال عسّاف  
تستيقظ صباحاً وتتناول دفترك الصغير عن الطاولة، تقلب الأوراق، تحصيها على عجل. تقرأ ما خطت أصابع ناعسة بين حلم وحلم من عبارات متقطعة، تتحسس ألم قصائد مبتورة ولدت في لحظات يقظة سرقتها من خاصرة النوم. تبتسم مرّات غبطة مما كتبت، وأحياناً تمتص الأسف كحبة دواء، لأن سطورك كانت نحيلة تشبه الشعيرات التي سقطت عن رأسك المتقلب على الوسادة.

أمام المرآة تغسل وجهاً يرتدي أقنعة تشبه أبطال قصصك المنشورة، وتلك غير المكتملة. تتأمل انعكاس محيّا أضناه انتظار شهرة تمسح بأناملها خطوط الزمن.

تطل من النافذة كوردة تفتحت وريقاتها عندما كان شهر شباط قد جفّ حلقه. تلمح الشمس عند الزاوية البعيدة من مشهد يومي، ترتب أشعتها بحنان كمن يمشط شعر مراهقة، تتنشق دفأها، مرة واثنان وثلاثاً، تتأكد أن تعابير وجهها لا تزال كما كانت البارحة، ولن يسبقك أحد للكتابة عن تغير في حالتها مهما كان بسيطاً.

ترمق بنظرة عطف الأزهار في الحوض الكائن عند شرفة مقابلة، تسأل عن عطشها، وهل نسيت خادمة البيت المجاور أن تطعم العصفور الأبكم في القفص الملوّن. تنتظر إجابة، وتتلهى بالنظر إلى السماء ربما ترك الليل خلفه على غفلة نجمة تائهة لتقطفها. تحت الأريكة الخشبية الطويلة وفوق أربعة مقاعد بيضاء، تفتّش عن فتات رغبة سالت من ثنايا ثياب مثيرة في آخر مرة جلست فيها الجارة منتظرة حبيبها. تلتقط عن الأرض أفكارها، نظرات جافة، وأشلاء حديث تأخر.

تترك النافذة مفتوحة على مصراعيها، مساءً عندما تعود، تغربل الضوء في وعاء، تضع جانباً الألوان الباهتة، تنتقي على حدة ما ينفع زاداً في رحلة الكتابة. تشتاق كل صباح إلى رائحة القهوة، ترتشف طعمها المر وتتذكر ابتسامة والدتك الغائبة.

تتنقل بين الوجوه العابرة دروبك، كفراشة تبحث عن أي ضوء لتحترق عليه. تنتزع ابتسامة من هنا، تقشر نظرة ذابلة هناك، وتصغي إلى أطراف حديث تناهى إلى مسمعك عنوة. كمخبر تنقل المشاهد كلمات على مفكرة، تفكّر بأنانية "قد أكتبها قصة قصيرة".

بين أوراق صحيفة تبحث عن مقال أجمل ما فيه اسمك. هستيريا تتملكك وعينان تبحثان عن طريدة غافلة، قد تحوّلها إلى بطل في رواية، أو دمعة ملونة في مقلة قصيدة حزينة. غريق في بحر من الأشخاص المتدافعة، تستغيث بأبطال محتملة تعبر صفحات رواية لم تكتب. تتعلق بأهداب مغيب أتى باكراً، ولم يتبقّ من النهار أكثر من لحظات تمضيها على الشاطئ، ترتّب الخيبة في علب الوقت.

ستعبر الطريق إلى بيتك ألف مرة، تراقب أقدامك على الرصيف بملل المطر المتساقط ألف مرة، وتتلو كلمات صلاة، كمن يفرط سبحة على طاولة ليسمع رنين حريتها. تنادي الله، تقارعه، تذكره بوجودك وتسكب عليه إيماناً تعيره إياه في لحظات الخطر. تسأله عن ملائكة هائمة في أصقاع الأرض الرحيبة، لماذا عندما كبر هو، ومن دون وداع هجروا كتفيه.

تقبّل غريبة، تقارن شعورك بطعم القبلة الأولى. تتحسس برودة جدار في غرفة مكتبك الضيق، وتنتظر انطفاء شعلة لفافة بين أصابعك فقط لتكتب عن الوجع، الوحدة، وبعض من الغباء. كل الأشياء التي تمر صدفةً أو تكراراً أمام ناظريك، تمددها على طاولة منصوبة في ذاكرتك، تلتقط المبضع، تبحث عن سبب موتها في اللحظة السابقة. تعيد إحياء عبرة، تنفض عن جسدها هجراناً ارتداها سهواً. تسرق من الأشخاص جزءاً من حياتهم وتعيده إليهم - بتصرّف - على صفحات كتاب في خطيئة لا تسأم تكرارها.

تنتظر امرأة، ليس لأنك هاوي جمع حبيبات العرق المتصبب على ما بان من جسدها... تريدها كما هي، بإغرائها البريء حيناً والشيطاني حيناً آخر، تحررها من ملكية صديق، عشيق أو زوج، تعتقها من عبودية العيش مغمورة في حياتها القصيرة، لتعلنها بطلة من ورق. لا تريدها ملكاً لأصابع تتدحرج بين تفاصيل جسمها كالأطفال، بل خمرة طيّبة المذاق لمخيّلة قراء عطشة...

فجأة تستيقظ اللعنة في صدرك، تسكب على الرؤى عبارات، تتمتمها ذاكرتك كي لا تنساها، تتحول إلى ورقة والحدث إلى قلم... تتعلم أن تنظر إلى البشاعة أينما كانت، تتحسس بعيونك كل جسد سحرته، تلمس بشرتها لتنقّب عن جمال يعيش في ثناياها. تخترع لكل وجه حكاية، تنثر على ماضي الأشخاص جراحاً لم تلتئم وأملاً يعيش كالجرذ في دواخلهم، تزرع بذور مرض تحت جلدهم وتسقيه من غدر الزمن. تتمنى لو توقفهم عن جريهم، لتذكّرهم: انتبهوا، خلفكم أوقعتم الوقت هدراً من دون أن تلتفتوا.

تستجدي نظرة إعجاب في وجوههم، عن لحظات شهرة تعتبر أنك تستحقها. فأنت مهما كبرت، تبقى مجرّد أجير صغير تعمل في مخازن ذكرياتهم. تدافع عن الظلم، تفتش عمن خطف العدالة، تحارب عنهم بكل ضعفك... أجرك ابتسامة وتهافت ضئيل على كتبك ومقالات مبعثرة بين الصحف.

تكره غباء الفراشات، عبودية النحل، وبلادة النمل، رغم ذلك تكتب عن الألوان، والأزهار، والطموح. قد تتهم قلمك بالكذب، ولكنك في صميم ذعرك، تعرف بأنك ملعون، كُتب عليك أن ترى الأشياء بطريقة مغايرة، مختلفة، وشاذة.

تقف أمام الزحمة، تتسوّل حكمة. تضحك على لؤم الوقت لتكتب للآخرين عن حاضرهم وندم الغد. عندما تمرض، تحارب شبح الموت بأحلام القراء، تطلعهم على الوجع المسافر بين الأرواح ليحضّروا على مهل مائدة العشاء الأخير.

تجلس مع العمر على طاولة، تتشاجران من منكما سيدفع في النهاية ثمن القهوة وتتلهيان بانجازاتكما. يخبرك عن سنين اقتطعها من حياتك، ترد عليه بكومة الأشعار التي كتبتها وما استطعت من نشر كتب، وقد تكذب في إحصاء عدد معجبيك. تنبش التراب عن حلمك، تخبره بأن شهرتك ستفوق وطناً أصغر من كلمة. وبأنه يحق لك أن تصبح من أصدقاء جبران، ونيتشه، وكونديرا. سيضحك هو قائلاً : "لن تتأكد من حقيقة الخلود إلا بعد موتك."

ستتصنع التواضع بعد التوقيع على كتابك الأول... والأخير. وعندما تدخل مساءً إلى غرفتك، تطفئ الأنوار، تغلق النافذة، تمنع الضوء من اختراق عزلتك، تغمض عينيك وتبتسم بنرجسية، فقد ربحت جولة في مبارزة شريفة مع النسيان.

وفي كل مرة يسألك أحدهم "ماذا يعني أن تكون كاتباً؟" ستحزن، تسكت، وتتهرب، لأنه - وبكل بساطة - لا تعرف ماذا يعني أن تكون ملعوناً... بحب الآخرين وكرههم في الوقت ذاته.

جريدة الأخبار عدد الثلثاء 20 تموز 2010

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007