[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عرض حكايا فرح مومّم عرض حكايا فرح مومّم
التاريخ:  القراءات:(6732) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

 

 

 

 

 

 

 

عرض حكايا فرح مُؤمَّم

       

                                                                              

  الصيفُ والأعراس خدّا عروسٍ مصقولان بالألوان ..من لا يعرف الأعراس فلينتظر الصيف، ومن لم ير القبائل فليحضر عرساً.

  ودخل معي العرسَ ابني  الصغيرُ .. وفكرتُ، أنا بهذا  أقرِّبه  من أجواء المَرجلة وحضور المحافل أم ينشاُ  بعيداًعن طرب الزير والطار مشدودا  نحو ما يطربني من  الدرجات العليا في كاوست وهارفارد وآخر فرص الابتعاثات الملكية!؟

 سمعتُ داخلي صوتاً يقول:" يمكن الجمع بينهما دون تناقض "

     في   مساء جنوبي، ليلة من الليالي التي يجود بها موسم الهجرة إلى الجنوب، محفل قَبَلي عصرا قبائلي مساء ، عشاق العرضة والشعر حاضرون ،كثيرون تداعوا باسم  الولاء المطلق.

   دخلنا، و راغ ولدي إلى زملاء عرفهم وأصدقاء جاد بهم الصيفُ فيما جاد.

واصلتُ شق طريقي بين الوجوه والبطون المنتظرة للعشاء وما بعد العشاء..بياض لا يرى إلا في الثياب ، رجولة  تتناثر بين الخطوات الرائحة والقادمة ، رجولةٌ صنعتْها الثيابُ وتخنقُها الخناجرُ والجنابي، وتروِّح عنها المسابحُ قليلاً، مكالمات بجوالات من أحدث طراز، كَشْخاتٌ اختصرتها الثيابُ المطرزة ،وجاء قَلْبُ اللسان من الجنوب إلى الوسط ختامها !

   خطواتي قادتني للدخول إلى الصالة الواسعة لقصر الفرح ، بدت المقاعدُ مدججةً بالوجوه ، سلّمت على القليل ممن عرفت ، واخترت مقعدا يجاورني فيه رجالٌ من قبائل أخرى.. لن يكلّف معتزِلٌ للمناسبات  مثلي نفسَه عناء السلام على العشرات المعشّرة والمئات المكدسة ، والوجوه  القادمة من كل المدن ، البعض مقيم بين أظهرنا ويسلّم سلاماً سريعاً يضع في الهواء قبلتين أو ثلاثاً  لتجفَّ قليلاً .

لا أضمر للجميع غير الود ، يعلم الله ، لكن رائحة القهوة والبخور المتضوِّع عكرتهما رائحةُ الأفكار المتعفنة منذ أمد، وسوالفُ مملة  من عهد عاد بن ثماد !.

    كما تخرج الضفادع فجأة بعد المطر، برزت وجوهٌ عديدةٌ هذا المساء، تحاشيتُ فضول النظر، ومن لا تسرُّ رؤيتُه،ومن يرمي  بحضوره بين الأقدام والوجوه بشكل يائس.

   " كيفك أستاذ ظافر ؟"  إنه اسم شائع هنا ! ليس  لي من هدف بإيراد  اسمي حتى لا أقطع على المحبين انسراب السرد ! حييته بمودة ، فهو تكنوقراطي كبير وأحدُ مفاخر القبيلة لمن لا يعرفه ، أعني  لمن يعرفه حقاً.

   عاودت اتخاذ مجلسي، تأملت متغيراتِ الزمن في بعض الوجوه القريبة، وجه      ( يفرد) وجهه بابتسامة مستعملة، هناك من يستصلحُ سحنتَه بشيء من فرح وابتهاج مصنوع.. اللثام ريبةُ من لا ريبة له  !

صعقني وجهٌ طالباني عائد من جوانتنامو . يا الله ، أهكذا تفعل كوبا بأعداء أمريكا ؟!

  عادت بي الذاكرة إلى العام الماضي ، وكيف ألغي حفل كبير  نتيجة وصول نبأ استشهاد شقيق العروس في يوم العرس ،شاب أخذته( الصحوة)  على صهوتها إلى بغداد، فقابلته (الصَّحْوات) بما لم يكن في الحسبان .

   شاب آخر ملحون القول..  معسول المعاني..  ذات صحوة ،أهداه شيخ من أهل الوسطى خيلاً وعروساً ،رآني فسلّم ،وابتسم ابتسامة أخاذة طالما جلبت ما جلبت من عمار ودمار !

   في رباط افتراضي ، وفي زمن الحروب عن بعد ، ظلت خيلُه ترعى مع خراف عمه على أطراف وادي رُديحة .. ثم اختفت فجأة قبل التاريخ الذي قسّم العالم إلى فسطاطين.

   بلغ من العمر الثامنة والثلاثين صيفاً يمتُّ بقرابة لعريس الليلة، حاضر للحضور. زار كل المدن والاستراحات، (متسبِّب) في كل شيء حتى في الخير! لم يزر الحائر، لكنه مستعد لمعاودة بيع وتجارة  الخيول في زمن (كروز) و(توماهوك) ، وسألته عن الخيل التي غاب رباطُها فرد بحذر " فرس، فرس  يا أبا علي " لم يكن عرف كنيتي بالضبط ، " عمُّك َأهداك جارية ً وفرساً.. يا لها من تجارة رابحة " اغتاظ من تلميحاتي،  مسّد لحيته بقبضة كفه، وختم بضيق:" في الخيول تجارة.." لم يقل "دنيوية" وأردف :" للحرب فرس وللعودة فرس أخرى "

  قُدّم العشاء، أوغلت الأيادي في سخونة اللحم الأحمر الوافر والحبات البيضاء الطويلة.. سُخّنت الدفوف، واجتذبتْ أصواتُها التجريبيةُ أعداداً كبيرة نحو الدائرة المسلط عليها كشافات عالية الإضاءة.. العرس جنوبي ، لا، إنه  جبلي تحديداً  ، مئات الوجوه تم تأميمها   فتشابهت الكلمات والحوقلات حتى الوجوه والأصوات تأمّمت الدَّمخةُ أو الدمغةُ( في نطق آخر)  بختم لا فكاك منه .

    كانت الأغاني  الطربية  تهزُّ سكون الليل من ناحية قاعة النساء، فيما العرضة تسيّرها الدفوف وقصائد الشعر.. اقترب وهمس في إذني شابٌ  مفتون بالصيد في الليل الماكر والضوء الفاتر  "لهنّ الفتوى الأخيرة، ولنا الفتوى القديمة..كان لازم فتوى الشيخين تنزل في وقت واحد..لكن .." وصمت قليلاً ليواصل بلامبالاة:" ما أبطا من جاء.."

     سلّم عليَّ زميلُ قديم ..تناثرت بعضُ الذكريات مع حركة كفينا بحرارة اللقاء، تذاكرنا شقاوات زمان، وحماقات المراهقة وضحكنا بعمق..وتوادعنا  وتواعدنا على ما لا يأتي من لقاء !

      جُلتُ جولةً بنظري المتشبِّع بالليل والأضواء وحركة الثياب ، وجلبة الأصوات .. وقع نظري عليه ..هذا البائس ، فقََد الكثيرَ من كبرياء الرأي ، وخانه استقلالُ التفكير، وقد رُمي به (إدارياً ) في المستودع لانتقاده علناَ النموذج القندهاري المعاد تصديره  إلى حيث لا تعارض بين الولاء والانتماء  .

   الفتى ذو الثلاثة وثلاثين حجة ، لم يغب عن الحدث ، خارجٌ للتو من محكومية غامضة تتعلق بابتزاز فتاة بصُورٍ حظُّها من الوضوح كحظِّ صاحبِنا من الحب . ما زال ملثّماً نفس اللثام الذي كان عليه غداة تنفيذ جرعات الجلد عند كلية البنات (المبتزات) دوما.. تجول قليلاً وحيداً ، ثم ابتاع خيزرانةً ملونةً ،واندمج في صفوف العرضة التي بدأت تتكامل ! وتمايل جذعُه  واهتزت العصا بيده كما لم تهتزّ وتهوي مثيلتُها من يد غليظة على ظهره المحتشد بالرغبات ..

     الفتى سيطارده الماضي، بينما البنت هناك ، تحرسها الثيابُ القصيرة من الذئاب الخطيرة التي تحوم حول الحظيرة.

    يا له من صيف ! يا لهم من أناس قبِلوا القبيلة ولم تقبل ما تطاير من ترهاتهم !

لا ترحم القبيلةُ أحداً زلت به القدم أو تاهت به أوهام ما قبل وما بعد الصحوة، حتى صراع النسب و خيالات الحب.. تعاقبُ القبيلةُ  البريء وتدعُ المذنب ليتسعَ الجُرمُ في تناسل غريب.. هاهم يتحاشون ذالك الرجلَ الوقورَ الذي أحبت ابنتُه فتى قالوا :"ليس كفأً " وتزوجته كُرها لترمي بأبيها مدحوراً منبوذاً يحضر أعراس القبيلة  ولا يحضر أحدٌ في أعراس أولاده وبقية بناته   ، لم يقفْ معه أحد في زواج ابنه في العام التالي لفعلة البنت  الشنعاء.

   لا أحدَ يبحثُ عن كل هذا التبكيت في ليل طرب وفرح، عليّ البحث مضطراً بين ( الشُّعاّر) عن صديق شاعر، أو شاعر صديق هجر الفصيح وامتهن العشق الجريح.. كان قريباً بعيداً من هيلمان الحفل، لكن قريحته تبدو وقد نضُبت.. اكتفى بالوقوف بين الصفوف يشير هنا  ويحمِّس هؤلاء في الجهة الأخرى ..ببقايا لا تكفي من كبرياء، كان يتجه متمايلاً  للصفوف الأمامية ممن يعدون أنفسهم علية القوم حتى ضاقت بهم مقدمةُ العرضة كما ضاقت عليهم، من قبل  ،المحازم وأوثقتهم الجنابي بشكل مأساوي ..

    صديقي الشاعر ، لِدَتي وابن قريتي  لم ينبِس الليلة  ببنت شفة ، لا ( قاف) ولا (شَقْر) اكتفى بدور (المزيِّف) الذي يعطي إشارة الضرب بقدم واحدة لجموع العرَّاضة ، قامته الطويلة يحرسها خباءُ مسدسٍ خالٍ تحت إبطه الأيسر على طريقة الأخوياء ,أو أصحاب الشاصات وجيوب الربع عشاق الرحلات البرية  .. نظر لي من بعيد، ناصبني قطيعة تتجدد عن بُعدٍ كل عام .. رثيتُ لحال رجل استبدلته الأيام ببقايا إنسان بينما كان يردد أنه ( مجموعة إنسان).

ألقيت نظرة وداع على المحفل الجنوبي الصيفي، المحفل الذي تم تجميعُ أبطالِه من أرجاء الوطن السعيد ومن وراء البحار ومن تحت قسوة الـأيام..

 أما بعد، فهناك زغاريد وضحكات مجلجلة وسعادة لا حدَّ لها لقلبين سيسعدان ويَسعد بهما من حولهما..

غادرتُ.. مودعاً بصرخات الحضور إعجاباً بملاسنات شعراء المحاورة .. كان ابني قد سبقني بخطوات..أغلقتُ شريط الحكايات ، بينما ما زال للصيف ما يقوله الليلةَ وفي الليالي القادمة ،ذلك لمن أراد حكايةً  أو أراد حضوراَ.

                                                                                       النماص7/2010م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007