[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حبل سري 
التاريخ:  القراءات:(4279) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
إن أحدا فى الحارة لا يعرفه. ولكن من المتوقع أن جيرانه رأوه ساكنا جديدا، يدخل بحقيبة سوداء ، و صحف كثيرة تحت إبطه و كيس فاكهة ، و باقة ورد صغيرة . من أجل أن يدركوا حجم الفاجعة كان عليهم أن يروه معتليا الكرسى الخيرزان ، و يده تمتد لتعلق الحبل الغليظ فى قطعة من الحديد . تماما فى منتصف الصالة. لقد أحكم وضع الحبل حول عنقه ، وبعد تردد قصير ركل الكرسى ، و راح يتأرجح ، مصدرا خرفشة عصيبة، و حشرجة قلقة من حلقه.

أخبرها فى رسالة قصيرة على الموبايل أنه يودعها، و سيتركها لحال سبيلها ، لعلها تعثر على حظ أفضل مع غيره. كانت متأكدة أنه لن يقدم على تنفيذ تهديده ؛ فمنذ عرفته هددها عشرات المرات. كان يختفى أياما ثم يعاود زيارتها ، و يتحول الخصام إلى صلح.

مدت يدها ، و دفعت الباب الموارب حيث صدمها المنظر. صدمها تماما ؛ فقد كانت عيناه جاحظتين ، ووجهه أزرق، وعروقه نافرة ، أما لسانه فهو يتدلى من فمه.

جاءت بالكرسى المقلوب ، و صعدت بصعوبة . فكت الحبل ، فارتطم الجسد بأرض الغرفة المليئة بأعقاب السجائر و أوراق الجرائد بدوى مكتوم .

امتدت يدها لتقيس النبض فلم يجبها غير الصمت . وضعت أذنها فوق صدره فأدركت أنها جاءت بعد فوات الأوان.

وضعت يدها تحت ذقنها ، وراحت تتأمل الموت الذى اخترم حبيبها الذى كان زعيما للطلبة فى هبات يناير السبعينية . أخبرته منذ أسبوع أنها قد سئمت جبنه ، ولو كانت لديه ذرة كرامة فعليه أن يتركها أو يموت. اختار الحل الأسهل برأيها .

اندفعت لحجرة المكتب ، و بحثت عن خطابات كانت ملفوفة بشريط ستان أخضر ، و بعقدة رومانسية.

يجدر بها أن تبكى . تجلس بجواره و تناشده أن يرجع للحياة. لكنها تعيش حقيقة أنه قد فارق الدنيا. هى أرادت ذلك ، وهو نفذ لها ما شاءت. لم تطفر دمعة من عينيها . لا تعرف سببا ذلك، لكن الجسد البارد جعلها تقتنع أن العيش فى الدنيا مجرد لعبة سمجة يستوى فيها الموت والحياة.

كان يمكن أن تكون فى نفس الموقف لو أنه عطل مشروع سفرها مع العريس الجاهز، ابن الحلال ، سليل عائلة الخربوطلى ، الثرية ، المحترمة.

مدت يدها مسدت شعره . كان عليه بقايا عرق غزير. كان قد أقرضها مائة جنيه عليها أن تردها له ، وهى الآن من حق الورثة . لو أنها تناست قرضها فلن يسألها أحد أن ترد ما أخذت ، هو نفسه كثيرا ما اقترض منها نقودا و كتبا وشرائط وأفلام وأسطوانات موسيقى ، و لم يردها.

ربتت على صدره الساكن ، قبلته بخشوع على جبينه كأم تحنو على طفلها. تناولت لفة الخطابات ، و دستها فى حقيبتها . بتردد أخرجت المائة جنيه من حقيبتها ، دستها بأصابع مرتجفة فى جيب بنطاله.

لم تنظر فى وجهه ، خافت أن تكون هناك بقايا نظرة عتاب . لم تحاول رؤية تفاصيل الموت . كانت المسألة بسيطة جدا. فالحياة قد تسربت من جسده مثلما تسرب الحب من قلبيهما فى توقيت متقارب لدرجة التطابق.

لم تكن قوية مثلما هى الآن . ضبطت نفسها تدير شريط اللقاء الأول ، و الجرى على شاطئ البحر، و ملاطفة أمواج الشاطئ الهادئة، و تيار السياسة اللعينة التى جعلته نزيل المعتقلات من أجل رفعة الوطن.

هو الآن ساكن و راقد فى حجرة رطبة وسط بيوت العاصمة التى داست طموحاته . فى حى فقير سكنه بعيدا عن كل من يعرفه من مخبرين و فضوليين أغبياء و تافهين من شلة المقهى.

كان يظن أنه سيبدأ من جديد. و لم يمنحها فرصة أن تبدأ هى الأخرى . تصورت أنها ستتجمد بجواره و لن تبرح المكان، لكن إرادة عنيدة جعلتها تنتفض في جلستها.

لن تفعل غير الهبوط على درجات السلم فى صمت، ولن يتبعها ساخطا كعادته . سيكتفى بسبها فى سره ، و سيدعى أنها السبب فى انتحاره . تعرف الآن أنه مات فى قلبها منذ زمن طويل . لن يكون مقبولا أن تحضر مراسم تشييع الجثمان لمثواه الأخير!

3/6 / 2010

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007