[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
لمس أكتاف 
التاريخ:  القراءات:(4320) قراءة  التعليقات:(12) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
الكل يعرف أن ظهرى هذا لم يعرف الإنحناء لأحد من البشر، مهما كانت الظروف . عشت مرفوع الرأس . كنت فى شبابى رياضيا متمرسا ، حصلت على بطولة الجمهورية فى المصارعة وزن 66 كيلو جرام . عندى صورة معلقة فى صالون البيت، و أنا أحمل خصمى من خصره، و أرفعه لأعلى كى أطيح به على بساط المنازلة. أرهف أذنى لصوت الحكم ، وهو يعد بقوة و حسم و اتزان ، و ثقلى كله أضعه فوق الجزء العلوى من جسد خصمى لتحدث ملامسة الأكتاف.

لما تزوجت أم العيال كانت قد اعتزلت اللعبة، فترهل جسدى وإن انتفخت عضلاتى ، و برزت من وراء القميص المكوى النظيف. جاء أولادى للدنيا، فكنت عندما يسألوننى عن الصورة، أشرح لهم فنون اللعبة ، و كيف أن أباهم بطل قديم . أفتح حقيبة سوداء ، أخرج لهم الميداليات التى نقش عليها تواريخ المباريات و المركز الذى حققته.

يوم الواقعة كنت سائرا فى طريق إلى عملى كموظف فى الأرشيف. احتك بى ضابط أمن بدبابيره النحاسية اللامعة . تمتمت معتذرا . كل ما فعله أن نظر نحوى فى ضيق و تأفف. ما كان منى إلا أن أشرت إليه محتجا : " حاسب يا أخينا " !

كأن الدنيا هدت، و كرامته أهينت ؛ فقد تسمر فى مكانه حتى حاذيته. وضع يده على كتفى : بطاقتك؟

رددت عليه بانفعال : لم ؟

هز رأسه متأففا : سآخذك للتحرى . أشك أننى رأيت وجهك فى صورة مجرم هارب بالقسم.

قلت فى سرى : يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم.

و كأننى لم أسمعه ، وواصلت سيرى حتى شعرت به يلحق بى ، و يستوقفنى : تعال معى . لا تدعنى استعمل القوة معك.

حدثت نفسى : يالحظى التعس. طول عمرى أمشى بجانب الحائط . ماذا حدث لي ؟

أربد وجهه ، وهو يرانى أتمتم : يا ستار . استرها معنا.

رفع يده ليهوى بها على وجهى . فى هذه اللحظة استدعيت خبرتى السابقة فى فنون المصارعة. أمسكت بيده، و تحرك جسدى نصف دائرة فيما حملته و رأسه لأسفل. ما هى إلا برهة حتى هويت به على الأرض المتربة ؛ فالتم الناس ، و الغريب أننى انتظرت الصوت الذى يعد : 1، 2، 3.

فرحت اضغط مثبتا أكتافه على أسفلت الشارع ، و الناس يصنعون حلقة آخذة فى الضيق. و لما انتهى العد نفضت يدى منه ، و مضيت لعملى . تحامل على نفسه و نفض التراب من على ثيابه، واختفى.

قطعة الحشيش التى وجدوها فى درج مكتبى صباح اليوم التالى لا أعرف من دسها ؛ فأنا لا أضع السيجارة فى فمى ، فما بالكم بالصنف اللعين الذى يرفع الدماغ ؟

جرى الضبط والإحالة إلى النيابة بسرعة ، و تفنن المحامى الذى أسرعت زوجتى بإحضاره فى هدم أركان الدعوة، لكن الليالى التى قضيتها فى الحبس على ذمة القضية كانت أمرا صعبا، مؤلما .

فى كل ليلة يتجمع حولى أصحاب السوابق و المجرمين ليتحرشوا بى، مجاملة للضابط الذى أوصى بى خيرا. مرة يضربوننى و مرة أضربهم. كان المقصود أن أنحنى وأن أصرخ مستغيثا بالمأمور. لكننى لم أفعلها. كنت أتحمل الضربات الطائشة التى تأتينى من كل جانب و أصر على أسنانى حتى لا يصدر منى صوت متألم.

فى المحكمة ظهرت براءتى ، و أخلى سبيلى بعد ضياع مدخراتى كلها فى الإنفاق على القضية.

بعد عودتى من الحبس استغرقت فى تفكير عميق . دخلت حجرة الصالون ، و انتزعت الصورة التذكارية التى تذكرنى بسنوات البطولة. ركنتها فى زاوية بغرفتي خلف الدولاب. لا أعتقد أن بطلا قديما فى المصارعة يمكن أن ينال هذه اللكمات كلها.

أنا مواطن صالح لا شأن لى بأى قضية أو موضوع أو مشكلة. أنا موظف منضبط و إنسان مسالم. و سأفعل المستحيل لأنسى صوت العد المتصاعد 1،2، 3.

هذا زمن لا يحتمل ترتيب الأرقام بهذه الصورة . بطل المصارعة عليه أن ينسف ذاكرته نسفا ، و أن يسقط من حسابه كل الحركات التى تعلمها. لقد خلقت الحوائط ليمشى إلى جوارها الناس الصالحون مثلى بلا شوشرة أو إزعاج لمخلوق !

12/6/2010


سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007