[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الأستاذ بسطاوي 
التاريخ:الأحد 16 يناير 2011  القراءات:(4226) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
بسطاوي شخص ظريف ،خفيف ، لطيف ، عفيف . تلك والله صفاته بدون لف أو دوران ، فأنا أعرفه منذ كنا نجلس متجاورين في آخر الفصل ، نمد أيدينا فنقطف حبات النبق بينما الأستاذ بهنس مدرس النحو والصرف يدير لنا ظهره ليوضح لنا ما غمض عنا ، فاسم الفاعل غير اسم المفعول ، وأسلوب المدح غير الذم ، يقول الجملة مفيدة ، ويستدير ممسكا بالطباشير وينزل الخط ليشرب ماء ، ونحن ندفع أذرعنا خارج النافذة ، ونخطف الحبة المخددة باحمرار خجل ، ونقذفها في أفواهنا المفتوحة دوما للضحك:

قم يا بن العمدة ، إعرب " أكلت السمكة حتى رأسها ."

وأنا ألكزه في جنبه دون أن يلمحني الأستاذ بهنس بعصاه : قل له .. خلينا في البهائم . سمك أيه يا بسطاوي؟!

وتنزل العصا الرفيعة اللهلوبة على أصابعي لتلسوعها ، فأصرخ من شدة الألم : أه.. يا أيدي .. إصبعي طار.

يضج الفصل بالضحك ، وأجازى بعشر ضربات متتالية دون فاصل زمني للراحة فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ، ويضرب الجرس فيندفع الطلاب من الباب المفتوح ، ويصمم المدرس أن يكمل العدد الذي تطوع به ، دون أن أجسر على المساومة ، ولو فعلت لقال لأبي أنني طالب مشاغب، بليد،كسول ، ولو فعل يكون في ذلك حرماني من القرش الكامل الاستدارة أو التعريفة المثقوب ، والذي يربطه طلاب الثانوية المشاغبون بدوبارة من المنتصف تماما ، ويرمونه وراء صف البنات الخارجات يتهادين من مدرسة الثانوي المجاورة ، فينزل على كتف أو رأس إحداهن ، لو سمعوا صوتا متوجعا : آي .. تستمر المطاردة التي تنتهي غالبا بجلسة صلح وتصاف عند الجسر الصخري المقام فوق الرياح ، وتتماسك الأصابع المرتجفة لحظات من عمر الزمن الهارب ،ويعود صاحب الحظ السعيد لبيته وهو في نشوة وسعادة أن بنتا جميلة كلمته ، وتركت معه منديلها المطرز بوردة ، والمعطربرائحة " الياسمين "، وخصلة شعر من قصتها النازلة على الجبين كهلال.لكننا كنا أطفال أصغر منهم بكثير . نرى كل شيء ونراقب الأحداث بفضول غريب دون أن نشارك ، فدورنا هو أن نرى ونسمع ولا نتكلم .

كان هذا أيام زمان ، والذي يرجع لعشرين عاما مضت، فقد تلاعب الزمان بنا ، حيث فشلت في الحصول على شهادة جامعية فرضخت للأمر الواقع وعملت كاتب محامي ، أجهز الدوسيهات ، وأسجل القضايا في ملفات بخط منمق جميل هو كل ما أورثنيه الأستاذ بهنس ذي الحول الخفيف والعرج الطفيف .

بسطاوي الذي شق طريقه كالصاروخ دخل كلية المعلمين ، ونزل مصر العتيقة فسكن حي الأزهر وعاد بشهادة جامعية أعطته الحق أن يدرس في بلاد الصعيد ، وأغرب شيء أنه أختار نفس المادة التي كان لا يطيقها ويسخر منها ، ويراها كاللوغاريتمات. أصبح بسطاوي أفندي مدرس لغة عربية ، ولو كنت مكاني . هنا بالضبط جالسا في مكتب عبد الودود الصايغ محامي الجنائيات لرأيته قبل عشرة سنوات عائدا كل خميس بحقيبة سوداء ، ومن خلفه يهرول اثنان من بقايا العمودية التي ذهبت من أبيه إلى أخيه على الطنطاوي في حياة والده طويل العمر ، فأبقت لهم بعد العز وبقايا السمعة الحسنة الدوار الكبير والسور الحديد والأشجار الأثيثة .

قلت لكم ، وأقسم بالمولى عز وجل غير حانث أنه لا توجد في قلبي ضغينة ، وأنتم طلبتم فقط شهادتي عن الرجل ، والشهادة أمانة ، وكاتمها يصوب رأسه في النار عشرين حولا أو يزيد.

سأحكي لكم عن واقع الجرو ، نعم ، الجرو الأسود. فقد أولع بسطاوي ونحن في مقاعد الدرس بنهاية الصف السادس بالمدرسة الابتدائية ، حيث كان التعليم دسما ، والفصول متسعة ، واليوم مبروك يزيد عن الأربع والعشرين ساعة ، ساعة أخرى للبكور ، حدثني بسطاوي ولم يكن يخفي عني شيئا أنه قد أوصى الخفير بجرو ، والجرو كلب صغير ، غرير ،له ذنب صغير يبصبص به في حبور كلما فرح ، وجد فيه ضالته ، وقد أحضر له الرجل ما طلب ، وتناول في الخفاء عرقه، نصف جنيه كامل يكاد يغطي نصف هذه الطقطوقة التي أضع عليها صينية الشاي للزبون .

وفي طرف قصي من الدوار القديم للعمدة جهز مخبأ ، فيه أخفى الجرو الصغير ، وكان يحدب عليه ، يسقيه ، ويطعمه ، ويحسس على شعره الناعم ، وبيديه يحممه في وعاء كبير من الفخار الصيني جاء به من المطبخ قرب المغرب.

والولد إلى البندر طار ، كنت معه هذه المرة ، أقترح علي أن أشاركه في اختيار اللون ، فاخترت أن يكون الستان اللماع باللون الأحمر ، فاشتراه على الفور ، ومعه طوق من جلد الماعز الطري ، وسلسلة من المعدن الذي لا يصدأ ، وعاد ، وقد كنت معه ، أتبعه بهدوء إلى المخبأ ، وهناك جهز جروه حتى صار أجمل ما تقع عليه اعين إنسان إذا ما أراد رؤية حيوان أعجمي لا ينطق سوى : هو هو هو .

نباح خافت ضعيف ، وسره الصغير في بير ، ويبدو أن بسطاوي أفشى السر لغيري ، والله هذا عين ماحدث ، فأنا لم أكن يوما واشيا ولو وهبوني كنوز الدنيا ومال قارون ، فأخبر الولد مرسي جاد الله مدرس الدين أن بسطاوي ابن العمدة نجس ، لا يحق له لمس المصحف ، فلما سأله عن السبب ، صاح في الفصل بطريقة من يكشف جريمة لا قبل لأحد باحتمالها : عنده كلب ، يحمله بيديه ويقبله ، واسأل زيدان .

كان بسطاوي يجلس منكمشا بجواري ، فضيق الأستاذ عرفات ما بين حاجبيه ، وحرك سبابته فهب على الفور واقفا ، وأنا أدخلت يدي من النافذة المفتوحة بعد أن رميت حبتي نبق كنت قد نجحت في هبشهما: قل يا زيدان !

سارعت بالنفي كأي رجل شجاع يؤتمن على أسرار الأصدقاء : لم أر شيئا يا معلمي .

فضحك المدرس حتى بانت نواجذه وربت على كتفي برفق : طبعا . أنت أشجع طالب في الفصل ، تعال لتقسم على المصحف.هل عنده في البيت كلب؟

أرتج الأمر علىّ ، خرجت من فمي دون أن أدر : لا ، لا ، ليس كلبا والله . هو جرو . جرو صغير لا يعض إنسانا ، ولا يؤذي أحدا.

امتقع وجه بسطاوي فقد أوقعت به دون أن أتخير الكلام ، وارتفعت العصا والتهبت أيدينا ، واحمرت من شدة الضرب. صحيح أن العمدة الذي عرف بالمصيبة التي فعلها ابنه قد أمر أحد رجاله أن يلقي الجرو الآن وحالا في الرياح، بطوقه وشريط الستان ، وبالسلسلة المعدنية جزاء ما فعل المارق ، خاصة بعد أن عثر العمدة على أطباق من فخار ، وقطعة من الجوخ التي كان قد اشتراها ليجمل المجلس الأرضي داخل المخبأ ، إلا أنني شعرت بالعار يلاحقني ، وهو لم يعد ينظر في وجهي فيما تلى ذلك من أيام.

حزنت وملأني شعور بالأثم ، إذ أنني أردت أن أدافع عن بسطاوي ، فأدنته بكلماتي .

تسللت بعد المدرسة ، ووقفت وراء أشجار الكافور ، وهناك رأيت كل شيء. أمسك العمدة بالكلب ، وهمّ ليطوح به ، فبكي بسطاوي بدموع غزيرة غسلت وجهه، وطلب من أبيه أن يتركه لجروه خمس دقائق قبل أن يلقى حتفه، عندها تدخلت الأم ، وقالت للعمدة : دع رجالك يسربونه ، ولا تقتل روحا بريئة.

قلب العمدة الكلام في رأسه ، واقتنع بالفكرة ، فالأرواح ملك ربنا ، ولما رأى العينين قد احمرتا من شدة البكاء ، خفف حكم الإعدام بالنفي خارج نطاق القرية. حينها انكب بسطاوي على يدي أبيه ، وقبلهما ، وتوسل إليه في طلب أخير : اترك لي الطوق ، وشريط الستان والسلسلة المعدنية .

على مضض وافق الأب على طلب ابنه لكن بعد شرط واحد ، أن يقسم على المصحف الشريف أنه لن يفعلها طالما العمدة على قيد الحياة .

فحم البكاء بسطاوي وكنت بعيدا عنه لكنني ألمح صدره يعلو ويهبط ، شجعته الأم أن يقسم ، والخفر جاءوا بالمصحف المغلف برقائق جلد غزال: يالله يا بسطاوي . أقسم.

لم يرض العمدة أن يقسم الولد قبل أن يتوضأ ؛ ليكون طاهرا ، وما هي إلا دقائق حتى عاد الولد وأقسم وجسده يرتعش ، وحينها سلم العمدة الجرو لخفير أمين ، هو بالتأكيد الذي باع الكلب الصغير لصديقي بسطاوي فقد كنت أعرفه بوشم في صدغه ، كما أعرف علامات الجرو ، ومنها نقطتان حمراوتان فوق خطمه ، مع جرح صغير لا يكاد يرى خلف أذنيه الصغيرين بعد أن جرده من زينته ، ووضعها في يد الابن.

هل تسأل لماذا أحكي لك هذه الحكاية ، أنا نفسي لا أعرف ، لكنني سأكون صريحا معك أكثر وأقول لك أن المدرس العاقل الرزين الذي عاد من قلب الصعيد ليخطب أجمل فتيات القرية ، وينجب ولدا وابنتين ، قد ذهب عقله ، وإلا ففسر لي ما رأيته بأم عيني منذ أسبوع ، ومن يومها وأنا أعرف أن هناك شيئا غير صحيح يحدث في القرية .شيء هو بين الجنون واللوعة .

عمدة بلدنا الحاج مختار توفاه الله من حوالي ثلاثة أشهر ، كان نوارة البلد ، فيده سخية تعطي الجميع ، بكاه الأبناء كثيرا ، حين كنا أمام قبره غطى بكاء بسطاوي على صوت الملقن ، وجاء طنطاوي بثلاثة من المقرئين ليتولوا قراءة القرآن على روحه ، أما خضرة الأبنة الوحيدة فقد لبست الأسود ، وصاحت لحظة خروجه : فايتنا لمين يا ابويا؟!

ما علمته بعد ذلك أن بسطاوي باع نصف فدان ، وسافر إلى مكان لا يعرفه أحد ، وعاد بكلب " وولف" ، كلب حراسة قوي الجرم ، خطمه الرمادي ضارب إلى الزرقة ، له نباح مخيف ، وضعه في أقصى الدوار ، أكاد أقول أنه نفس مكان المخبأ القديم ، وقد سمعت الخبر فاستغربت جدا ، وحين أرسلني الأستاذ عبد الودود الصايغ المحامي صاحب المكتب لاستيفاء توقيعات الموكلين ، والحصول على جزء من أتعاب القضية وجدت نفسي أتسلل دون أن أعرف كيف حدث هذا ، إلى المخبأ الذي أودعنا فيه الجرو قديما . فوجئت بالوولف الجبار ، يزداد نباحه ، ومن قوته كاد يخلع السلسلة المثبتة بحلقة حديدية في جذع شجرة التوت العتيقة.

لمحني ، وعاد إليه هدوئه ، كأنه يعرفني ، أو لعله ظن أنني مررت به يوما ، كانت السلسلة المعدنية الصغيرة مشبوكة في طرف سلسلة أكبر وأطول كثيرا ، وكان الطوق القديم الذي اشتريته معه من البندر يتدلى من الطوق الجلدي الجديد المحكم ، أما شريط الستان اللماع ، فقد عرفته لأول وهلة ، وكيف لا وهو الذي طلب مني أن اختار اللون الذي يعجبني فاخترت الأحمر .

تقدمت خطوة ، وأنا أحكم قبضتي على الملفات ، الموجودة تحت إبطي .

جثوت أمامه تفصل بيننا مسافة بسيطة ليصل إليه همسي ، كانت شفتاي ترتجف ، وأنا أعترف بجرمي : والله ما قصدت أن أخون صاحبي ، ولا أن أكشف سره ، كل ما خطر في ذهني يومها أن الجرو صغير ، لطيف ، لا يؤذي إنسانا . فلت لساني قبل أن يفكر عقلي . إنني مثقل بذنب عظيم يسمم عليّ أيامي . أنت كلب والكلاب أمناء في نقل الكلام ، فقل له أنني لم أكن لأوقع به أبدا ، قل له بأي لغة تختارها. نعم هو أمر قديم ، لعله نسيه تماما ، لكنني لم أنس ، كان مجرد جرو . جرو صغير مسالم . فكيف غضب الأستاذ عرفات . من يومها خاصمني دون أن يتفوه بكلمة . نظرة حزن ولوم تسكن عينيه. حتى انه امتنع تماما عن قطف حبات النبق ، حين مددت له يدي مرة بحبة لذيذة ، قال بأسى : صارت الحبات ممررة . أرجوك يا " وولف " . قل له أنني أخطأت . لكنه خطأ لم يكن مقصودا . والله يعلم حسن نيتي . قل له يا وولف!

في اللحظة التي تهيأت فيها لتصفية حساب قديم مع نفسي ، وحين انتهيت من اعترافي ، سمعت وقع أقدام تقترب ، كان بسطاوي بشحمه ولحمه ، لم يبد أي استغراب أن رآني في هذا المكان القصي . لقد اقترب مني بعد أن رآني أجثو لأعترف للكلب بخطيئتي ، قال والدموع تترقرق في عينين حزينتين: لا عليك يا زيدان . لقد سامحتك.

وقبل أن أتفوه بكلمة ، تقدم مني وابتسم رغم الدمع الذي انسال على وجنتيه : لم يكن بمقدورك أن تفعل غير هذا . صدقني لقد سامحتك ، وسامحت أبي .

وبيده خلص الكلب الضخم من سلسلته ، ومسح على شعره الأسود الغزير كأنه ليل: هذا صديقي . تشممه ، لترحب به كلما جاء إلى هنا .

كنت أطوي عشرين عاما من الألم ، من عمري الذي غمرته آثام الخطيئة ، وأنا أعود لمقعد الدرس ، أقف في وجه الأستاذ عرفات ، وأحاول أن أقنعه: لا ، لا ، ليس كلبا والله . هو جرو . جرو صغير لا يعض إنسانا ، ولا يؤذي أحدا.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007