[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أجمل ابتسامة..ج2ـ الرسالة 
التاريخ:  القراءات:(1376) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : باسكال عسّاف  
عندما أخرج يده هذه المرة من جيبه، اصطدمت أنامله بأشواك ذكرى...

الكلمات القليلة التي ألقتها الفتاة متهكمة عن ماضيه، عن أوراق الشجر المتساقطة، كانت أكثر من مجرّد حقيقة. حقيقة ظنها بقيت هناك... في ذلك اليوم الذي أقسم فيه بأنه لن يكتب مرة أخرى... ولن يحب.

كلماتها الساخرة، حملته إلى ماض بعيد تفصله عن الوقت الراهن أكثر من عشرين سنة تغيرت خلالها حياته... وتغيّر هو إلى رجل ولد من دموع شاب أمطرت عينيه موتاً مالحاً...

يقترب منه شاب أنيق، يلاحقه وكأنه يريد أن يفضي إليه بسر دفين. يتلفت يمنة ويسرى، يتأكد من أن سائر التلامذة مشغولون بالركض في أرجاء الملعب، يسأله:

- "هل انتهيت؟"

"نعم" يقول بصوت مجرم يعترف بذنبه، تتحرك يده ببطء سلحفاة مسرعة إلى لون أخضر من بعيد. يستل من جيبه ورقة مطوية بأناقة، وكأنه خنجر مبلل بدماء ضحية قتلها، رغم ذلك، يودّ الاحتفاظ بدليل مبرقع بالندم. يناول الأنيق الورقة، ويترك ذراعه ممددة على انتظار لن يطول.

يأخذ الرسالة، يخفيها في طيات قميصه على عجلة، ويتلفت كثعلب أمام حديقة تلهو فيها خراف مطمئنة. يسأله "هل هي جيدة..؟" يكمل "كما في المرات الثلاث السابقة؟ "

بلهجة غاضبة يبادره وقد انتفخ وجهه بحقد مدقع :

- "أعطني المال."

قبل أن ينهي وعيده، كان الآخر قد وضع في يده ثمن الرسالة.

أدار الأنيق ظهره ومشى مبتعداً، تاركاً الشاب يسقط في جيبه ثمن قصيدته... يشيح بنظراته صوب الشجرة الوحيدة في ملعب المدرسة، يحصي سبع وريقات منتحرة، ويبكي.

هو، شاب، مجرد شاب، لم يدخل يوماً في معادلة الأصدقاء، يُترك دوماً وحيداً في ركن، كمستوحدٍ طعنته في كل أنحاء جسده المكتنز... شتى أنواع البشاعة..

الدموع المنهمرة على وجنتيه، لم تسامحه أبداً... هي الدموع نفسها يعيد إحياءها كلمات في قصصه القصيرة وذرفها سابقاً في روايته الأولى. يومها في الفصل الأخير، قرر أن يكفّر عن جرم ارتكبه منذ عشرين سنة، حقيقة أنه باع أشعاره لزميله ليرسلها هذا الأخير طعماً ماكراً يصطاد به الفتيات...

في الصفحات الأخيرة من روايته الأولى، ومن دون تصور سابق، قتل البطل .. قتل ذاته .. من دون رحمة، وبالخنجر نفسه... الكلمات التي أصبحت اليوم أقسى وأشرس، وتقتل من دون أي شعور بالذنب.

الآن، وبعد عقدين، تحمل هذه الفتاة الغريبة روايته الثانية، نقدت ثمنها لعاملة الصندوق. يستطيع أن يقرأ نظراتها المنهمرة صوبه كمطر تدفعه عاصفة من أسئلة. شعر بخوف يشبه الطيران لأول مرة، ضيق في الأنفاس رافقه تلعثم بالرؤية الواضحة. كاد أن يسقط، اتكأ على المنصة القريبة، يده التي لم تجد بعد أجمل ابتساماته، دفعت كتلة من كتبه، فتشظت كقنبلة مصدرة قرقعة لفتت أنظار كل الموجودين في المنصة.

أغمض عينيه كستارة في مسرحية وتمنى أن تنتهي تلك اللحظة، أن تضمحل مقتلعة الرعب من ثنايا ذاكرته المهشمة...

أسرعت الفتاة، حاضنة كتابه إليه. من الشق المفتوح في جفنه الأيمن، رأى امرأة أخرى تهرول من بعيد، تدفع الفتاة بعيداً، فيسقط الكتاب من تحت إبطها، لتصرخ:

-"حبيبي ... ما بك؟ "

فتح عينيه من جديد، بصعوبة من سقطت الستارة، وكل سقف المسرح على رأسه. جالت نظراته بين المرأتين، ومن ثم إلى عاملة الصندوق التي قفزت مسرعة هي الأخرى كقطار، حاملة وراءها عدداً من الأشخاص لنجدته...

في تلك اللحظة، كان يحصي الأشخاص كأوراق الشجر المتساقط

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007