[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
زنة سمران 
التاريخ:  القراءات:(5581) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : تركي الرويثي  
قرية تقع عند مفترق طرق , من يتخطاها جهة الشرق يرتقي هضبة نجد , ومن الغرب تحرسها الحرة الحجازية , ومن الشمال تلوح جبال آجا وسلمى كفنارة . أمتلك مكانها التميز لسنوات طوال , قبل أن يزاحمه الزمان الساكن طيلة مئات السنين , لتبدو من الشرق ملامح تغيير كبير طال البلاد والعباد. تسمى الحناكية , هكذا يقال عنها . يرجع كبار السن التسمية كما جرت العادة لأكثر من سبب , وإن أتفق غالبيتهم على أن بئر أبو هجرس يحمل عبء التسمية . فمنذ سنوات رحلت , كان البدو "يقودون" زملهم وأغنامهم قاصدين هذا البئر الوحيد , ولكثرة المواشي التي ترد عليه , يطغى صوت عطشها وطقطقة أحناكها على كل صوت . سميت البئر لهذا بالحناكية , بعد زيادة و تشذيب مارسته الألسن والأيام . أنتشر الاسم ليشمل المنطقة المحيطة , والآن غدت تلك البقعة التي يقسمها أحد فروع وادي الرمة العظيم هي الحناكية . استوطنتها القبائل القريبة , هربا من بطش الصحراء . قامت معارك كثيرة حول هذا البئر, يرعبهم العطش , يهربون من عطشهم إلى سيوفهم يجردونها . تروي الصحراء خوفهم , فيروون نهمها بدمائهم.
بمثل هذا كان يدور الحديث , أبو لافي يتوسط الجلسة , يحدثهم عن أيام ولت , أيام شهدها وأخرى سمع عنها , رسمت التسعين أخاديد بوجهه , ذقنه بيضاء كالحليب ترافقها حمرة الحناء الخفيفة . يعرف كيف يسلط انتباه السامعين له بصوته الجهوري وحركات جسمه , أبو لافي كبير قومه بعد رحيل صديق طفولته وأيام "الصميمة" , التي مات فيها معظم رجال القبيلة . أبو سمران توفي بعد أن لعب الخرف بعقله , أنمحى كل ما بذاكرته إلا خوفه , كانوا يستيقظون على صراخ يشق عباب السماء
- الأخوان صبحونا , الأخوان صبحونا , الأخوان صبحونا.
وحده أبو لافي من تألم لهذا الصراخ , كان يعلم جيدا سببه , حديث مع أهميته لا يستطيع البوح به لأحد , أبو سمران وحده الآن يستطيع التكلم , لم تكن الحادثة سرا مخفي عن الجميع , بل يعلمون بعض الفصول , يتناقلونها بالخفاء ,وهذا ما يؤلم أبو لافي , يود أن يتحدث بها, أن يقول كل التفاصيل الصغيرة كما هي عادته , أن يتوسط الجلسة كما يفعل الآن, حوله رجال القبيلة يسألونه يجيب ويفصل , يسرق انتباههم إلى أن يؤذن لصلاة المغرب فيصمت ويكمل ما تبقى بعد صلاة الفجر , فكل ما يقال في الخفاء سر لا يطاق , يريد لحديثه أن يكون واضحا كمثل ناموس الصحراء الأهم , لكن الزمان أتى بنواميس أخرى , سلب الصحراء قوانينها, وصب قوانين أخرى, ولم تعد الصحراء وأحاديثهم واضحة كما كانت.

لأول مرة يجذب انتباه القوم حدث غير حديث أبو لافي , كان الوقت عصرا حين سُرِقوا من أمامه, فوق "دكة" تتوسط بيوت الشعر, ترتفع بمقدار أربع من الحجر , أغرقت بتراب ناعم أملس , فرشت بزل عراقي مزج لونه الأحمر بسواد متعرج , صنعت من الصوف , جلبها حميد من المدينة المنورة قبل ثلاث سنوات, أشتراها بشاه "نجدية" . مر سمران من أمامهم يجره كائنا لا يعرفون له أسما ولا شكلا , لأول مرة يرون كائنا "يقود" راعيه , تبعه القوم بعيونهم ثم لحقوه بأجسادهم , أمطروه أساله كثيرة , وسمران يقاد من ذلك الكائن , تجمع الرجال أكثرهم يشد حزام من جلد خاصرته ويحاول "بالقديمي" مجاراة كبار القوم , وكبار القوم يلمع "الفشق" وسط صدورهم , انضمت النساء بأطفالها حولهما , فزع هذا الجمع الكائن قفز ثلاث مرات و أصدر أصوات مزعجة و متواصلة , فتح الصوت في الجدار البشري فتحة أخترقها الكائن ومشى يتبعه سمران الذي لا يعرف أن سوف يذهب به .
وحده أبو لافي من لم يتزحزح من مكانه , أبن صاحبه , "عقيد" القوم يجري له هذا , غير من قعدته , ضم ركبتيه ناحية صدره , لم تؤلمه ركبته هذه المرة , آلمته الحادثة , كأنه عرف السبب , لا يمكن أن يكون إلا هو , فسمران لا يفعل مثل هذا. سكبت عيناه دمعة , مسحها بطرف ثوبه حين أقبل القوم , عادوا لأماكنهم . بادرهم لافي بسؤال
- هذا وش يصير؟ وسمران يتبعه؟
قال كلمات أخرى غير مترابط , فهذه عادة لافي , حين تشتد المواقف , تختلط مخارج الحروف عنده , فيبدأ بالتمتمة , يحمر وجهه ويداه تلوحان كثيرا , وحين يصعب عليه القول يبدأ بالشتم , ويستعمل يديه بدل من لسانه .
لم تخرج إجابة من أحد, فهم أيضا لا يعرفون ما هذا , وما الذي يفعله سمران .
خرج سؤال من أبو لافي , بعد أن عاد لجلسته السابقة , مرر يده على لحيته البيضاء , كما تعودوا أن يفعل قبل حديثه.
- سمران وش قال.
قال القوم ما حدث , صوت الكائن لحق إجابتهم لأذن أبو لافي , التفتوا جهة بئر الحناكية , صوت متفجر حتى الهواء لم يعتاد على ثقله , سدوا أذانهم , قفز لافي واقفا وأطلق عدد من الشتائم , سقط عقاله وبانت يديه إلى مرفقيهما , قال أخيرا
- سكتوا اللي يزن لأذبحه.
حملت الجملة الأخيرة لقبا لهذا الكائن , سمي "الزن" لصراخه الحاد والمتواصل . زاد الهرج وغدت الحادثة حديث الكل في تلك العصرية , لم ينفض المجلس كما هي عادتهم عند آذان المغرب, اجتمعوا مرة أخرى , طلب أبو لافي أن يحضروا سمران الذي لم يصلي المغرب مع الجماعة , وصلهم سمران بوجهه البشوش , جلس بمكانه قرب أبو لافي بعد أن حيا القوم , مسك يد كبير قومه وضغط عليها , سرد لهم تفاصيل ما حدث , أخبرهم أسم الكائن و الطريقة التي وصل بها ومتى يرحل , قال لهم ما يطمئنهم , ويده تضغط على يد أبو لافي الصامت .
قبل أن يرفع حميد صوته مناديا لصلاة العشاء من بين حصيات , أمر أبو لافي الجماعة بالانصراف , ويده ممسكه بيد سمران .
غادر الكل الدكة , وهم يضحكون من أسم الزن الحقيقي و "الورطة" التي وقعت لسمران , أربع أيام "يرعى" الزن لهو أمر مضحك . ألتفت أبو لافي ليعرف من سمران حقيقة الوضع.
- العلم وش يا سمران.
- العلم ماهو طيب يا أبو لافي
قالها وقد تغيرت نبره صوته , خالطها خوف و ارتباك , قبل أن يكمل مسك أبو لافي يده وضغطها بقوة
- أدفنه بصدرك يا سمران
- أبشر يا أبو لافي , بس يدي لا تكسرها . قالها باسما
- أدفنه بصدرك يا سمران
**

أرخى الليل سدوله على قمر خجل من ضعفه , الطرقات خالية إلا من نباح الكلاب القادم من بعيد وبعض عواء , رجل يمشي أمامه حيوان سيره بين القفز والمشي , تخطى بيت أبو لافي "المروبع" بخطى سريعة , سحب الحيوان ليجاريه , وصل أمام بيت مثلوث , نادى صاحبه بصوت خفيض , لم يجب أحد , تقدم ناحية قسم الرجال , هز صاحب المنزل النائم , طلبه أن يهدأ و يخفض صوته . خرج سمران فزعا .
بادره الزائر
- أنت سمران
- الله الله, تفضل حياااك
وعيناه تراقب حيوان أسود يقف على قدميه , ربط من رقبته بقطعة من جلد فاخر .
- أنا الشيخ مفضي الدغم
كان للاسم وقع كالصاعقة على سمران, هلل ورحب بالضيف, وقبل أن يكمل ترحيبه , أمسك بيد سمران , ناوله الحيوان وهو يقول كأنه تخلص من حمل كالجبال
- وصلتك الأمانة .
- وش العلم يا شيخ.
- العلم .غيوم تلاطم وما أظن بها خير.
- حنا لها يا شيخ
- الرَجال ناويين نيه .
- فهمني يا شيخ , وهذا وش ينقاله
- هذا عذر يا سمران , يقولون له قرد , وصلني من الشيخ الأدهم الراوي و قبله عند الشيخ حسين سعد , وهذا هو عندك , لازم توصله للأمارة المدينة المنورة بعد خمسة أيام , حياته يعني حياتك يا سمران , هذا كلام حاكم حائل بن مسعود.
- يا شيخ أنا سمران عقيد قومي! , أرعى ذا.
- أختارونا الربع لنية بصدورهم. ولى زمن الكلام هذا يا سمران , الرجال يتوعد ويحلف , وصله والله يعينك , سلام عليكم.

**
خمسة أيام والزن يعبر الحناكية من أولها لأخرها , أحيانا يهرب من سمران , يقفز فوق المنازل يصفق بيديه يصرخ بصوته الحاد , تبعه سمران, لا يملك مع حركته السريعة حلا , "يحايله" إلى أن يمسك "الرسن" , يقوده معه إلى كل مكان يذهب إليه , غضب لافي من تصرفات سمران واستسلامه الغير معتاد , قاده الغيظ لمجلس والده .
- يابيي هذا ما يصير , سمران يتبع الزن , لقاه مع طرقي قلنا الشكوى لله بس يصير سمران راعي هذي ما تصيير. هو ناسي من يكون .
أشر أبو لافي الصامت منذ خمسة أيام , خمسة أيام لم يحدثهم بقصصه و"علومه" , عيناه تنظران إلى مكان بعيد , أبعد مما ترى أعينهم , صامت كأنه ينتظر شي ما قد تأخر كثيرا , وهم يلوكون بسيرة الزن وسمران , بعضهم أتهم سمران بقلة العقل , وآخرون قالوا أن هذا الزن ما هو إلا جني ألتصق بسمران ولن يفارقه أبد الدهر , وحده لافي من قرر يوقف هذه المهزلة.
أشر الشيخ الصمت لأبنه بالتوقف , كأن سيد الحديث نسي الحديث , خطفت الحروف من لسانه ولم يعد كما كان . غادر لافي الدكة غضبان آسف لحال أباه وسمران , سمعه القوم يهدد بقتل الزن فهو سبب كل المصائب .
في تلك اللحظة فر الزن من سمران , حين أنشغل "بالرشى" و سحبها , أنحلت العقدة و أنطلق الزن كأنه لا ينوي على العودة, ترك سمران كل شي خلفه , إبله والرشى والبئر وعيون تأكدت من مس أصاب عقيد قومهم , أعتلى الزن "رِجم" عيناه تتابع حركة صاحبه ويداه تصفقان كرسالة تحذير , حاول سمران التقدم ببطء , صرخ بأعلى صوته اتكأ على يديه , تراجع سمران للخلف قليلا , كان يخشى أن يطلق الزن ليديه وقدميه العنان عندها لن يستطيع أن يلحقه , لم يجد معه حيله إلا أن يحايله , أخرج بعض "النِقس"* وبدأ يرميه أمام الزن . رأى لافي بعض من هذا المشهد , جن جنونه حين نادى سمران الزن
- ياوليدي خذ .
قفز بمكانه , أخرج غضبه صرخة مدوية . أراد أن يقول كلاما كثيرا ولم يستطع , قاده غضبه للقديمي سلها, برق نصلها تحت شمس تحاول النوم
- سمران وخر عني بقتله
- لافي تعوذ من أبليس
- كل بلاوينا منه
- لافي اليوم آخر يوم , بكرا أوعدك ما تشوفه , من الفجر باخذه للمدينة وترتاح منه , يا لافي شيل شرك .
- تهددني يا سمران .
- ما أهددك بس روح , أوعدك بكرا ما تشوفه بس رجع القديمي وروح من هنا لا يجفل.
**
بدأت الشمس تطرد فلول الليل , صياح الديك ينادي اليوم المطل , سبق سمران كل هذا ناحية المدينة , مخترقا بيوت من الشعر متقابلة . رافق نداء الديك الأخير , صوت أرعب النائمين , صوت يذكرهم بصوت نسوه مع تلاحق الأيام و صروف الدهر عليهم , قادم من قرب الدكة
- الأخوان صبحونا , الأخوان صبحونا, الأخوان صبحونا

* النِقس : إقط

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007