[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
يشبه الحرقة... 
التاريخ:  القراءات:(2712) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : السعيد موفقي  

كانت تظنه يحمل إليها زجاجة عطر ، اعتقدت ذلك ، أصابها نزق الأطفال ...مرحت في بهو الغرفة ...دندنت ...ضحكت كطفل يعبث بلا نهاية ، كانت هدية يلفّها في جريدة ذابلة ، تشوه بداخلها أعمدة الشعر و نصوص أخرى أصابها الانكماش ، ومقطوعات تشبه الكتابة ، بلّلها غضب التجار و المارين و حملة القذارة ثمّ باعوها بلا ثمن و لم تعد صالحة للقراءة ، في أسفلها نقاط تبحث عن استمرار ، صفعتها ريح من زوايا المدينة ، تكسرت لفاتها المتآكلة ، فضحتها أعمدة مشوهة، تنتهي بأسماء مستعارة ماكرة ، خشيت التبهديل ... ، تناقلها فراغ الشقاوة ، امتنعت عن إقامة الأحلام التي اعتادت على ممارستها هناك ، و الصحبة يمارسون عادة الضحك ، اعتادوا على ذلك...كل ذات مغرب أسود ، لم تكن الحقيقة التي علمها منها ، كانت إقامتها في بيت قديم متشابه ، بابها من معدن الغفلة ، يصرخ من بعيد ، أدركت أنّه هو و لا يمكن أن يكون غيره لكثرة حضوره هذا الوقت المتأخر من الليل ، يحضن زجاجته و رائحة البول تفوح من تحته ، لابد أنّ الزجاجة التي يحملها قد فعلت فعلها ، جعلته يحلم كثيرا ، أسرعت إلى الباب ...كان بعيدا ...تركت الباب مترددة ...عادت إلى غرفتها تستر ما بقي من عورتها ...كان صوته يقترب من الباب ، يكرر أغنية مثقلة ، حروفها مفككة ...تصرخ...تقهقه ،

يقول بملء فيه : أشهد أنّي كسرت زجاجتي ، بعد أن بُلت فيها و أهديتك عطرها تكوني أنت حبيبتي ، قد لا تفهمين هذا الكلام يا حبيبتي ، وساوسك تراكمت هذا المساء و ستبقى كلّ مساء ، و الآن فهمتك ، فأنت تريدينك وحدك في هذا البيت الخرب و كلّ النّساء تعالمن و تعلّمن خبث نوار الدفلى ... ، و يتحدثن عنك خفية ، و لما يبصرنك إلا و أنت تهمسين في كل أذن وراء حائط دورة المياه !!! و يُهمس في أذنك التي لم تعد تسمع بوضوح ، و يطعن فيك بكل الأشياء التي أحببتها و لما تفهمي أنّها تلاشت مع أول نسمة عابرة هذا الصباح الجميل و اتجهت إلى مكان ...لا يمكنك أن تدركي نهايته ، حتى و إن وضعت نظارات العمق و الخبث ... و ستظل لعبة المراوغة التي تمارسينها تراوغك ، فتسقطي بين يدي ، و زجاجة العطر قد ساح ما بقي منها على صدرك المشوه و لم أعد أرغب فيه ، أصابه تجعد الحيزبون ، لن تعجبك صراحتي ، فأنت كهذا الركام النتن ستظل قراءتك لكتابي موجعة حتى يدركك الموت ، و يفصل بين رائحة الوجع و قهر الكبت ، ركام آخر من الجنون و العبث و الانهيار المفاجئ في شوارع المدينة ، قرأت كتابك مثلما قرأت كتاب النّساء ذات يوم و قال لي الشيخ الموقر : "كيد النسا كيدين و من كيد واحد جيت هارب ، يتحزمو بلفاع و يتكلمو بالعقارب..."*، و لا عجب أن أراك أفعى لعوبا أيضا ، تحسنين عزف صوتك المبحوح ، الذي تظنينه محبوبا !!! و يبكيك أحيانا مشهد العابرين في صمت و أنت تتألمين و لا تستألمين ، أصابني منك قلق ، و أنت تجوبين أزقة المدينة وحدك ، تختصمين مع ذاتك ، و في كل خطوة تنظرين إلى وجهك الذي أقلقك في المرآة ، و ظنّك العابرون تهمسين إلى حبيبك في هاتفك الذي لم يكن حبيبك الذي تنتظرين ، و اعتاد هؤلاء و أولئك منك هذا و غيره كثير ...تعلمت منك يا حبيبتي شيئا واحدا "أن أنظر إليك بشفقة و أنت تتهاوين "و حبال العصمة تتباعد بمد بصرك الذي لم يعد يبصر...

حبيبتي لم أعد أفهمك و أنت تشاطرينهم جميعا همومهم ..أدركت حينئذ أنّ النفاق لديك يشبه الحرقة و العشق و الهيام ، و التخلص منه ضرب من الموت...أنشدت قصائد موسومة بـ " أغنيات منافقة ".

حبيبتي ...ألم يتعبك هذا العناء و أنت تحصين النازلات و الصاعدات لتبلغي عنان الجبال و قد مزقتك استثناءات كثيرة ، ذات اليمين و ذات الشمال ، تجاوزتك صفوف كنتِ تظنينها على منأى منهم و على قرب منك ، لكنّ عطرك الفواح الذي ألفيته لم يعد صالحا ، غمرته عطور الحي و أبادته...و أغنيتك المملة تعفنت وإن حاولت إطراب كلّ الرجال و استرضاء كلّ النّساء...، لأنّ الحي لم يعد تطربه أغنيتك المبتذلة...و عروضك الماكرة و إن تظاهرت بالطيبة و الوداعة ، و هاتفك لا يشتغل إلا مع ما يشبهه أو يشبهك.


* المأثور لـ "عبد الرحمن المجذوب" شيخ حكيم من أصل مغربي

له كتاب يضم ماثورا عظيما في الحياة و تفاصيل المرأة و الرجل ،و الخير و الشر ، و الحق و الباطل.....

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007