[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حكايات فلسطينية 
التاريخ:  القراءات:(4428) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  



إهداء إلى الصديق العم المرحوم زكي العيلة




( ابن غزة القريبة من القلب واللصيقة بالروح) ..



بقلم : سمير الفيل



1ـ طيات



هناك مكان ما يحبه الفتى. لا يعرفه أحد سواه. طوى قطعة القماش ودسها في مكان قصي تحت أرفف الكتب . في مكان سري لا يعرفه سواه. ذهب إلى المدرسة ثم عاد إلى المخيم . ككل ليلة تسللت يده لتتحسس الملمس الناعم للقماش. شعر أن رطوبة ما قد أصابته. بعض البلل البسيط الذي لا يعرف سببا له . لم يعر الأمر انتباها.

بعد فترة انقطاع عاد ودس يده على استحياء. مس أنامله تقوس خفيف ، لشيء لم يدركه. ارتكز على ركبتيه ومال بجذعه. كانت بيضات عصفور . ترك كل شيء وقد تحولت المسألة إلى لغز لا يعرف كيف يجيب عليه:

كيف تسللت العصفورة الأم ، ووضعت بيضها ؟ غاب يومين ثم دخل الحجرة فسمع صوصوات واهنة. كان البيض قد فقس وصار بإمكانه أن يرى الزغب الخفيف في نعومته وخفائه . أطفأ النور وتمدد في الفراش مفكرا فيما حدث . يخشى أن يكتشف أحد مكان قطعة القماش .

ترك الشباك مفتوحا. مرقت العصفورة من الفتحة الواسعة ، رغم الظلمة اهتدت للمكان. في اليوم السابع اكتشف غياب العصافير الصغيرة ، وما تبقى هو ريش رمادي وحبوب دقيقة وبعض غبار يشبه ذرات الدقيق . مد يده وسحب قطعة القماش . شعر أن النسيج قد ضج بالحياة. إنها ألوان العلم التي عادت للنور. تنسم هواء مفعما بالنشوة : ياالله. ما أجمل حياة العصافير.



2ـ في البحر



أمام شاطيء البحر وقف متهيبا. هو الصبي ابن التاسعة . يحب البحر ويفضل أن يسبح وحيدا ، دون أن يراقبه أحد . مشكلته أن أمه قد تكتشف لهوه ، وتعاقبه بالحرمان من المصروف القليل. لا يعرف كيف تدرك أفعاله الجنونية كلما حمل حقيبته وعاد متظاهرا بالبراءة.

ـ انتظر. أنت اليوم نزلت البحر.

ـ لكن....

تتضح الكذبة قبل أن يكملها ، وتحرمه من البرتقالة التي تخصه ، وتدعك أذنه بقوة ليتألم ، بالسبابة والإبهام.

فكر أن طفلا في عمره يمكنه أن يغامر ويحاكي السمكة في نعومتها وانسيابها. لماذا حرم الإنسان من زعانف فضية ، توجهه شمالا ويمينا؟ ضحك للفكرة وهو يغطس ، ويعد عدا رتيبا ثم يصعد إلى السطح قبل أن تنقطع أنفاسه.

في لحظة أغمض عينيه وترك نفسه لخواطر شتى. ثم اصطدمت يده بشيء صلب . أدرك أنه لغم بحري مخيف . كان قد رآه في التلفاز. تسحب مبتعدا بأنفاس مضطربة . عاد يجري بأقصى سرعة. حين صار في مأمن رنا ببصره محددا المكان بدقة . كان عليه أن يخبر مكتب المسئول بالشيء المخيف الذي رآه.

ـ من فضلك تصرف بسرعة . ولا تخبر أمي بالموضوع.

هدأ الرجل خاطره ، وأحضر له كوب ليمون في كأس من الزجاج الشفاف.

ـ أشرب .

ـ لم تعدني بأنك لن تفشي السر.

مد الرجل يده ، ومسد شعره : ولكن أمك هي رئيسة المجموعة.



3ـ مركب الكلام.



فوق الهضبة الصخرية يجلس . من خلفه زوارق تصطف في وقت الراحة ، انتظارا لسروح جديد . لا تعيش هنا سوى أسراب النمل ، وبعض خنافس سوداء ، وثعابين صغيرة يخشاها رغم أنها لم تلدغه ولكنها لدغت ابن عمه ، فكادت تصيب ساقه بالشلل .

وراء الهضبة بيوت متباعدة صنعت من ألواح خشبية وقطع الصاج . الريح الباردة التي تهب عليه تكاد تقطع الشفاه وتثير الدمع في العيون.

لما انقضت الطائرة على بيتهم القديم صوبت القذائف على الحجرة البحرية ، فأصابت الشظايا أباه ، وقتلته على الفور. عرف معنى الموت حين نطق اسمه مرتعبا فلم يرد عليه. الموت هو الصمت . والبحر الذي يمتد أمامه يتكلم فهو حي . الليلة باردة وهو يرقب الأمواج تأتي لتغمر مساحة الرمال ثم تتراجع.

فكر أن والده قد ينطق بجملة أو جملتين. قد يقول له: " روح . هات علبة دخان " وهم ينقلون جسده إلى الصالة حيث طقوس الغسل. أبعدوه وجلس على الدرج مع أطفال في مثل عمره. لم يجري بينهم حديث ، فقط تحدثت العيون بكلام كثير هدأ نفسه .

الهضبة هي الأخرى لا تنطق ، لا ينبت عليها زهور، ولا تعشوشب تربتها رغم قربها من البحر. تذكر الطائرة التي ارتفعت أعلى السماء ثم انحرفت فجأة موجهة القذيفة بدقة لمكان الأب . لو أن تلك القذيفة انحرفت 40 سم لكانت قد سكنت صدره. كان يمكن أن يعيش الصمت وحالة الصخر وانعدام الكلام .

ـ آه . يا أبويا.

الصخور حادة كالسكاكين، وكقلوب الأعداء التي لا تعرف الرحمة . لا يحب الصخور ففيها عداء مميت .

في الكلام رحمة ونور ، وحيث يتطاير الشرر من ارتطام المعدن البارد بالسرير الذي كانت تكسوه قطيفة زرقاء يتولد الصمت .

لا أطيق الموت ، وأفرح بالحياة . البحر صديقي يتكلم موجه . ولي لغة أطوعها كمركب يصعد فوق الموج مهما كان عاتيا . المركب يغني يا أصدقاء .



4ـ كاميليا .



الحزن لا يأتي فجأة. كاميليا ترتدي فستانها الأسود ، وتشق طريقها بثبات باتجاه المدرسة. قبل خطوتين تضع الزي الرسمي على جسدها ، فلا يظهر الأسود سوى في الياقة والأكمام.

إن كاميليا تحب أن تجلس في الصفوف الخلفية ، ليس هربا من أسئلة المدرسين والمدرسات ، إنما لسبب لن تخبرنا به مهما حاورناها.

أنا صديقتها يمنى التي عرفت سرها بطريق الصدفة . ففي حصة الرسم طلب منا المعلم أن نرسم موضوعا عنوانه" يوم في الريف" . حينها رأيتها تتزحزح وتحدق في صف الأشجار الملاصق للنافذة ثم تمضى ترسم رسما جميلا. كانت أشجار كاميليا مليئة بعصافير محلقة ، وهداهد سعيدة، ويمام طيب. لونت الأشجار بالأخضر والعصافير بالأحمر على شكل مثلثات صغيرة ، ثم جاءت بأطفال يلهون فوق الأعشاب بملابس بيضاء . اختفى الأسود من المنظر نهائيا فلما سألتها كشفت عن ثوبها وقالت لي في همس : إنه في القلب وبخيوط فستاني يعيش .

من النافذة تختصر كاميليا الكون ، فهي تمنح الأشجار والطيور والمارة ألوان علمها الخبيء في ضميرها. وفي حصة التربية الرياضية لا تنكمش لتجلس على مقعد تحت المظلة بل تذهب لتقفز وتثب وتصيح وحين تنتهي الحصة تخلع " ملابس الألعاب" وأكون إلى جانبها فتعيد الأسود خبيئا تحت طيات زي المدرسة.

فسحة السماء بازرقاقها البديع تعيد الصفاء لنفسها . وكاميليا التي مات أبوها في قصف أصاب غزة كلها جعلتها تشعر بالحزن لأنها لا تعرف حتى الآن كيف تعيد الفرح لروح والدها الذي أحبته، ومات في لمحة بصر بفعل قصف إسرائيلي عنيف .

إنها الطائرات الورقية التي تصنعها بعد العودة إلى بيتها ثم تعلق في ذيلها المرفرف عبارة تحبها ، تكتبها ولا تنطقها : " فلسطين فوق" ، حينها يضحك قلبها.

كاميليا خاصمتني أمس لأنني أفشيت سرها لأمي ، ولما تصنعت البكاء ، رأت أن تسامحني بطريقتها ؛ فأحضرت طائرة ورقية ، وصعدت لسطح بيتنا ، وطيرتها. حين اشتدت الريح راحت تمسك الخيط القوي باستماتة. صرخت فيّ أن أساعدها حتى لا تفلت الطائرة.

تحاضنت أكفنا الصغيرة ، تمكننا بصعوبة من المحافظة على اتزان الطائرة المجنونة. لكنني وكاميليا لم نفلح قط في رؤية العبارة التي كتبتها ؛ فقد ذابت في السماء الفضية البعيدة.



5ـ الحاجز.



امتدت يد خشنة تمنعه. لقد أعد العدة كي يصلي في الجامع الكبير ، واليوم هو الجمعة ، وليس هناك سبب قوي للمنع. حتى لو تطلب الأمر أن يفتشوه فسيسمح لهم بذلك . لكن الجندي الواقف ببندقيته المائلة بتقاطع غريب على صدره منعه ثانية بدون كلام.

هناك سوف يطيل السجود ، ويدعو ربه أن ينقذه من الآلام التي تنشب في صدره كل ليلة. ذلك التنين الذي ينفث من فمه نارا حمراء صاخبة ، فتشب في جسده قشعريرة مهلكة ، ويشعر بالألم يضعضعه: دعني أمر .

للمرة الثالثة رفض الجندي عبوره للناحية الأخرى، وقال له بعبرية خالطتها كلمات بالعربية ما معناه : ممنوع العبور .

يسمح فقط بمرور الرجال ممن هم فوق الستين، والنساء فوق الخمسين. لساعة واحدة تمنى أن يقفز عمره مضاعفا ليلحق بالصلاة غير أنه طرد ذلك الخاطر من ذهنه ففي الحلم سوف يلحق به التنين ويبتلعه لو أنه في هذا العمر بفعل تيبس المفاصل وخشونة الركبتين .

قال لنفسه وهو يستعد للدوران عكس الطريق : هناك على مسيرة عدة كيلومترات حاجز خراساني بلا حراس ، يمكنني تسلقه.

راح يسير بسرعة ، وقد عقد العزم على المرور مهما كانت العواقب . جف ريقه وتقطعت أنفاسه تحت شمس حارقة لا ترحم ، حتى وصل إلى المكان البعيد الذي يعرفه .

ـ يا الله. لقد تغيرت الملامح واستجدت بعض العوائق الحديدية والأسلاك الشائكة .

فكر أن يتسلق الجدار الذي ازداد علوا بشكل كبير. بطرف عينيه نظر لنهاية الحاجز الخرساني وبانت مساحة مشغولة بالأسلاك الشائكة الملامسة للأرض . نظر حوله فلم يعثر على جنود في الناحية المقابلة. استعد للزحف ، وحين أفلت نصفه العلوي اشتبكت سترته بطرف ظاهر من السلك. نزع جسده وسمع صوت النسيج يتمزق. واصل الزحف وصار في الجهة المقابلة. توارى خلف نبات بري كانت له رائحة معطرة. فجأة سمع صوت طلقات مدفع رشاش ، انبطح كما تعلم في صغره . أحس بألم لا يطاق في فخذه. كان الدم ينزف ، والجامع هناك تعلو مئذنته بهلال مضيء .

تمكن من التغلب على ألمه ، وفي بيت مقابل وجد العم عرفات يخرج من بيته ليأخذه إلى الداخل كي يضمد جرحه بالشاش وصبغة يود.

ـ الحمد لله . الجرح بسيط.

استرخى جسده على كنبة خضراء ، وللحظة أغمض عينيه ؛ فهجم التنين فسدد الحربة في عنقه ، حيث أصابه في مقتل ، فز فرحا مما أفزع العم عرفات : أنتظر يا بني الجرح لم يضمد بعد.

حين أنهى العم عرفات إسعافاته الاولية ، تساند على كتفه ، وعرف فيه بائع الفحم في السوق الكبير.

ضحك في وجهه بمودة وهو يراه يتعافى : هيا نتوضأ من جديد. لم يبق سوى نصف ساعة على خطبة الجمعة .

سمع صوت دفعة أخرى من الرشاش ، وكان الصوت خافتا ، فقد ابتعدا بما فيه الكفاية. لكنه تعجب حين لمح التنين يجري بأقصى قوته ناحية الحاجز ، وفحيحه بلا نار ولا دخان .







دمياط في 7/5/2011

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007