[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
المريول الرمادي  المريول الرمادي
التاريخ:  القراءات:(6421) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
المريول الرمادي

-1-

عندما رأيت ابنتي في " مريولها " الرمادي غمرني شعور عميق بالاغتباط , والسرور وامتزجت صورتها وهي تقف أمامي بصورتي قبل سنوات عديدة، شعرت كأن الزمان يعيد نفسه , إنها دورة الحياة بدأت ثم انتهيت ,فبدأت ابنتي وهكذا . فمنذ ثلاثين عاما ارتديت المريول ذاته , ومن العجيب حقا أن اللون ذاته لم يتغير , وكنت مثل ابنتي تماما ، فقد غمرني الفرح والسرور , وشعرت بسحر ذلك اليوم ,بل ظل محفورا في أعماق ذاكرتي . اندفعت ابنتي التي كانت نحيلة الجسد .نحوي في مرح قالت : ما رأيك يا ماما بالمريول ؟

ضحكت ثم قلت :إنه رائع لأنك ترتدينه يا حبيبتي . احتضنت ابنتي وقبلت خديها ,كانت عيناها تلمعان ببريق غريب ، وأنفاسها تلتهب على وجهي , بل خيل إلي أن قلبها الصغير يدق بجنون .قلت لها: هل أنت سعيدة لأنك ستذهبين إلى المدرسة ,أومأت برأسها ,ثم ابتسمت برقة وهي تقول: جدا يا ماما, أنا أيضا كنت سعيدة , عندما ارتديت المريول الرمادي لأول مرة ، وفي اليوم الأول من المدرسة , امتزجت سعادتي بالخوف والقلق عندما رأيت المعلمات , يفتشن حقائب التلميذات .

زمت ابنتي شفتيها النحيلتين , وسألتني في اهتمام : لماذا خفت يا ماما , فالمدرسة جميلة ، والمعلمات طيبات . نعم المدرسة جميلة يا ابنتي , لكنني خفت لأنني بلا حقيبة . تملصت ابنتي من أحضاني ، فقد كنت أحدثها تارة وأقبلها تارة , ودارت على عقبيها كفراشة صغيرة ، تحوم حول ضوء المصباح وأخذت تغني أغنية عن المدرسة .

وملأت البيت بالصخب , والضجيج وظلت ترتدي المريول الرمادي , حتى هبط الليل وخلعته بعد محاولات عديدة .

-2-

عندما بزغ الفجر ، استيقظنا مبكرا لنصلي الفجر ثم نبدأ أعمالنا المعتادة

أيقظت ابنتي الصغيرة , فغسلت لها وجهها , وسرحت لها شعرها الناعم القصير , ثم زينت شعرها بمشابك شعر رقيقة وزاهية , وكانت تتحدث بصورة متصلة فقلت لها :" كفاية " ألم تتعبي من كل هذا الحديث ؟ وأمرت الخادمة , بأن تعد لها إفطارها المعتاد ، من حبوب الذرة والحليب الساخن ، وعادت الصورة القديمة . عندما كانت أمي , تفرك وجهي وتدعكه دعكا حتى أنها آلمتني ، ثم قامت بمساعدتي على ارتداء ملابسي ، وسرحت شعري الناعم ، وزينته بشرائط ملونة .

وبالطبع لم تكن لديها خادمة ، وكان لدي عدة أخوة ، لكنهم أصغر مني ، فهذا يبكي , وذلك يريد الطعام ، لكنها خصتني بالعناية في ذلك اليوم ، رغم مشاغلها الكثيرة .

-3-

مع السلامة يا ماما . قالت ذلك وهي تمسك يد والدها , ثم تركته فجأة واندفعت نحوي فاحتضنتها وقبلتها وقلت لها : ليحفظك الله يا حبيبتي ، شعرت بقلبي يرتجف في صدري , من السرور والخوف , وحبست دمعة ظلت عالقة بعيني , كنت سعيدة وخائفة , وهلت الذكريات على عقلي , كالمطر الغزير .

فلا زلت أتذكر الباص الأحمر , الذي كان يقلني مع فتيات كثيرات إلى المدرسة ،التي كانت في قرية مجاورة لنا ، وأتذكر أنني بكيت بحرقة وحرارة , عندما تأخرت في إحدى الأيام , ولم ألحق به , بل رأيته في نهاية الطريق , صورة ذلك الباص الأحمر الصغير , ذي الطراز القديم , وتلك الطفلة التي تحمل حقيبة كبيرة , تكاد تقصم ظهرها الصغير.وصورة الفتاة الحزينة , التي بكت بحرارة , لأنها ستضطر للتغيب عن مدرستها ذلك اليوم . تلك الصورة لا زالت تلو ح في ذاكرتي أحيانا .

-4-

" أحبها كثيرا " هذه الجملة التي كانت ابنتي ترددها على الدوام ، لتعبر عن عاطفتها الصادقة نحو المعلمة ، إنها طيبة تعطينا الحلوى والألعاب , وتنشد معنا أناشيد رائعة .

أمي هل كنت تحبين معلمتك في الصف الأول ؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة ثم تحولت ابتسامتي إلى ضحكة عالية , فقلت : كل التلاميذ يحبون المعلم في الصف الأول .

" لازم " ردت ابنتي بجدية وصدق لم يساعداني على مجاراتها ، فقلت : نعم ينبغي أنا تحب التلميذة المعلمة في الصف الأول لأنها تعلمها الحروف والأرقام والقرآن . انبسطت أساريرها بابتسامة نقية وقالت برقة وحنان "طبعا" أنا أحب المعلمة منى جدا جدا .........!

-5-

كل يوم تجئ ابنتي الصغيرة من المدرسة , لتقص الكثير من القصص حول المعلمة ’ والتلميذات والمدرسة ، وتبدو مندهشة وصادقة ، تقص الأخبار ببراءة , وتضفي عليه الكثير من الرقة والمرح . " أبله " منى اليوم كانت تعطس كثيرا ، مسكينة يا ماما ، فهي مريضة . هكذا أخبرتني بحزن صادق عن مرض معلمتها , ثم قالت : هل كانت معلمتك حلوة وطيبة مثل أبله " منى " ؟

قلت : نعم وفي الحقيقة ، كانت معلمة الصف الأول ، طيبة القلب ، ولكن معلمة الصف الثالث و اسمها لمياء كانت قاسية ، وتقضي الحصص ، في الثرثرة مع تلميذات كبيرات في السن ، ذلك لأن المدرسة عندما فتحت لأول مرة ، كانت هناك فتيات أكبر بكثير من سن المدرسة وكانت تجمع التلميذات الصغيرات إلى خلف الصف ، وتضحك مع التلميذات الكبيرات ، اللاتي كان ينبغي ، أن يكن في المرحلة المتوسطة.

ورغم كوني صغيرة فكنت دائما أقارن بين المعلمات فإحداهن طيبة وأخرى قاسية , وهناك معلمات مخيفات لا يصلحن أبدا لتعليم الأطفال وهكذا ....

ولا شك أن ابنتي تجري المقارنة نفسها ، فتحب المعلمة الطيبة ، وتخاف القاسية التي تعاملهن بجفاء .

-6-

اغتبطت لأن ابنتي سعدت بالأوقات التي كانت تقضيها في المدرسة، وتبدي التقدم والاستعداد للتعلم المستمر ، فعندما تتعلم الآيات والأناشيد ، فإنها تظل ترددها طوال النهار وتنظر إلى المعلمة بإجلال وتقدير يصل إلى حد التقديس , فكلماتها صادقة ولا تكذب أبدا ، وتقول الحقيقة , فكل ما تقوله صحيح ، ولا يمكننا أن نصحح أخطاء المعلمة , فحتى الأخطاء تحيطها ابنتي بجلال ، ينبع من شعورها العميق ، بأن المعلمة فتحت أمامها الصندوق السحري , صندوق الكلمات والأرقام والأناشيد والآيات ، وإذا حاولت أن أدرسها بطريقة مختلفة تلومني وتقول لا , الأبلة علمتنا هكذا ، لا أريد طريقة غير طريقتها يا ماما أرجوك ......؟ كانت ابنتي تنظر إلى معلمتها وكأنها ملاك رائع , أرسلها الله من السماء ، ليأخذ بيدها الصغيرة نحو حياة جديدة .

-7-

بالطبع فأنا كنت مثل ابنتي فأنا أحب المعلمة الصادقة والمثابرة التي تعلمنا

بإخلاص وتتفانى في عملها .

وتكون مثلا رائعا نقتدي به , وعندما كبرت قليلا , خلعت المريول الرمادي وارتديت مريولا أخر

تغيرت نظرتي كثيرا وتمردت على كل ما أشعر نحوه بالاحترام ولم أصدق كل ما تقوله المعلمة , تمزقت تلك الغلالة الشفافة من الجلال والقداسة التي كانت تحيط بمقام المعلمة ، سقطت المعلمة الموقرة من المقام العالي , على أرض الواقع , فرأيت معلماتي كما خلقهن الله , ضعيفات ، متناقضات ، تنقصهن الكثير من الآداب , والأخلاق أحيانا . بل كنت أنظر إلى بعضهن بشك وانتقد الطريقة والأسلوب , وأعلم أن بإمكاني أن أحتل مكانها المقدس , وأشرح الدرس بكل لباقة وأميز كثيرا بين معلمة صادقة ومخلصة ، وأخرى تتفانى في ارتداء أجمل الملابس , وتبدو جاهلة ومتكبرة ، مثل وباء ينبغي القضاء عليه أو الهروب منه .

فاطمة منسي

27-12 - 1429هـ

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007