[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
المرحوم  المرحوم
التاريخ:  القراءات:(5734) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
-1-

طارت فراشاتها وحلقت بعيدا ، وانقضت السنوات ، وتساقطت مثل أوراق الأشجار في فصل الخريف

وهي امرأة مستوحشة , تنتظر فرج النهاية ، نهاية بسلام دون صخب أو ضجيج أو عذاب

هي تنتظر ، وهو كذلك . ترقبه في الصباح وفي العشية ، ممددا على فراشه ، كجثة هامدة . أنينه الخافت أو حشرجته العميقة يكسران الصمت في المكان .

أحيانا يشير بيده أو برموش عينيه عندما يحتاج لأمر ما ، مثل شربة ماء . تنظر أحيانا من النافذة , تراقب الطيور وهي ترفرف , ثم تحط على الأغصان أو جدران الفناء العالية , ترقب المارة من أولاد

أو رجال أو نساء . تبتهج عندما تزهر الورود , وتتفتح في الأحواض وتزدهر تلك النباتات المتسلقة على جدران الفناء ، لا تستطيع مغادرة البيت ، إنها تبقى بجواره ، من أجل العناية به , كما كان يحدث في السنوات الماضية .

آه لو أن الإنسان كان يعي أنه سينتهي إلى اللاشيء ، إلى عجز ومرض وهوان ، لفكر مليا قبل أن يغتر بدنياه .

تتفكر ، تعذبها الأفكار والذكريات . هناك أمور لا تمحى من الذاكرة ، مهما كبرنا , بل تلح علينا عندما نشيخ , ونصبح عاجزين حتى عن العناية القليلة بأنفسنا .

تتفكر ، كم كان هذا الرجل الممدد دون حول ولا قوة ,ينتظر من يطعمه ، كم كان قويا وباطشا لا يردعه شيء .

كيف ينتهي الحال برجل عاش كسلطان قوي إلى عجز وهوان .

عجيب أمر الإنسان ، بل عجيب أمر هذه الدنيا نعود كما بدأنا , ضعفاء بل حول أو قوة . وفي غمرة الأفكار ، بدا لها وكأنها تسمع أنينا خافتا أو نهنهات عميقة . هي لا تدري قامت بتثاقل فمفاصلها تؤلمها كثيرا , لكنها تحمد الله كثيرا , لأنها لازالت تتحرك بمفردها دون عون من أحد

اقتربت لتتفقد المريض المسجى في السرير . تحسست جبينه ، عيناه ساكنتان ، مسبلتان وصدره يعلو ويهبط في رتابة وثقل .

لا تدري، أهو نائم أو غارق في غيبوبة كعادته ؟ لا تدري متى يفيق ؟ وهل سوف يفيق ؟

-2-

دخلت ابنتها الكبرى ، هرعت إلى سرير أبيها ثم لثمت جبينه ويديه بحنان ورقة .

وترقرقت عيناها بالدموع.ضحكت العجوز وقالت : لماذا تبكين كلما جئت ؟ وما الحاجة أو الفائدة من ذلك ؟! لا أحب البكاء ولا الدموع . تعالي , إجلسي بجواري واشربي معي فنجان قهوة .

وأخبريني عن أحوالك أنت وأبنائك , جلست إلى جوارها على مضض وتنهدت وهي تقول هل أفاق أبي اليوم أم لا ؟

كلا , لم يفق بعد , ولكنه بخير .

مسكين أبي !

من كان يصدق أن أبي القوي الذي كانت الأرض تهتز لوقع خطاه ، سينتهي إلى هذا الحال . دنيا ؟ دنيا دنيه وغرور , لا يدوم لها حال أو يقر لها قرار .

هيا . اشربي الفنجان و كفاك تفجعا , عاش أبوك عمرا مديدا , لكنه سينتهي حتما , وأنا كذلك وأنت بعد عمر طويل , كلنا سوف ننتهي ونموت .

لن نخلد في هذه الدنيا . أمي لماذا تبدين غير حزينة على حال أبي , ألا زلت تشعرين نحوه بالمرارة من أجل الماضي ؟!

ضحكت العجوز بتهكم وهي تقول : ولماذا أحزن عليه , أو حتى على نفسي ؟! الأمر لا يستحق الحزن ، لكنني أحيانا أشعر بوحشة ووحدة

ثم ماذا تقصدين بالمرارة ؟ عندما تزوجت أباك , كنت طفلة في الثانية عشرة من عمري , كنت بمثابة ابنته فهو يكبرني بسنوات عديدة .

كان يقسو علي كثيرا , ويتصرف بجلافة وغلظة لا تحتملها فتاة صغيرة مثلي , القسوة هي أسلوبه في الحياة .

عانيت كثيرا عندما كنت شابة ، تمردت , وبكيت وهجرت البيت لسنوات ، لكنني في كل مرة كنت أعود إليه وأنجب طفلا جديدا .

كانت جدتي التي تولت تربيتي تقول : لا يليق بالمرأة أن تترك بيت زوجها ، مهما حدث . كوني عاقلة وصبور. وبعد الصبر سيكون الفرج . وكما ترين يا ابنتي لا زلت صابرة على أبيك حتى اليوم , وراضية بما قدر الله لي

استغفري الله يا ابنتي وادعي الله لوالدك بحسن الختام ولي كذلك وبالرحمة والمغفرة .

-3-

طائر الأمل يغني في قلبها , لم ينكسر جناحاه بعد . هي امرأة عجوز ، مريضة ولكنها في سلام واستسلام للمرض و الشيخوخة . لا تريد أن تعود الأيام السالفة ’ ليست آسفة على أيام الصبا و العافية والمرح لقد عاشت حياتها كلها , بما فيها من مسرات وآلام . تزوجت, وأنجبت وربت أولادها . تعاركت مع زوجها , كان قاسيا حقا , ولكنها كانت عنيدة لم تستسلم أو

تتنازل عن حقوقها

تتذكر بسخرية كم كانت تبكي في بداية زواجها كانت دموعها تجري كالنهر , لا تنتهي أبدا ولكنها كبرت , وتجلدت , وخالطت النساء وتعلمت منهن الحيل والمكر والعناد .

فصارت تواجه الرجل القوي ، وتعصاه وتستمتع بذلك . فعندما يجيء من الشمال تسافر إلى الجنوب . فيجن وتشعر بالقوة ولذة الانتصار .

وهكذا عاشا في عراك وعناد وتحد , ولكن كانت حياتها معه كريمة فقد كان غنيا وعندما كبر أبناؤها تلاشى شعورها بالحقد أو المرارة .

-4-

جاء علي ، ويداه مثقلتان بأكياس الفاكهة ، تهللت أساريرها ونهضت لتستقبل ابنها البكر ، سندها وحضنها الحنون .

قبل جبينها وخدها ويداها , وهرع ليقبل يدي والده المريض , الساكن في فراشه ، كطفل يحلم في مهده .

كيف حالك يا أمي الغالية ؟ وكيف أبي هذا اليوم ؟

نحن بخير ، مادمت بخير يا بني , تطل علينا وترعانا وتبر بنا يا ولدي الغالي . لا شيء يسعدني في هذه الدنيا ، إلا أن أراك وأولادك تنعم بالصحة والسعادة حفظك الله يا بني , وحفظ أبناءك ومتعك بالصحة والعافية والرزق الطيب الحلال .

ثم ترقرقت عيناها بالدموع , امتدت أصابعه لتمسح دموعها برقة . وعاتبها بلطف : لماذا تبكين يا أمي ؟!

هل يحزنك شيء ؟ هل قصرنا في واجبنا نحوك أو نحو أبي ؟

وسالت الدموع على خدها ثانية , وخنقتها عبراتها وقالت وفي صوتها حشرجة البكاء . أنا أبكي لأنني سعيدة ، سعيدة بابني البار الذي يبحث دائما عن رضاي وسعادتي الحمد لله ، لم يذهب العمر هدرا ، إنني فخورة بك يا علي فأنت ولدي البكر الغالي .

حاول أن يهدئ خواطرها بكلام لطيف . ثم قال : كيف والدي اليوم ؟

الحمد لله ، هو على حاله ، تناول القليل من الشربة فقط .

تأمل والده في شفقه وقال : ليتني أستطيع أن أفعل له أي شيء . حماك الله يا بني . أبوك على وشك النهاية . أدع له بالرحمة والمغفرة , وحسن الختام .

-5-

لا تدري ، متى تخلع ذلك الثوب الضيق ، الذي ترتديه ؟

متى تخرج من ضيق الحياة , إلى فضاء الموت ؟ متى تستريح من المرض والشيخوخة والوحشة ؟ سئمت من الانتظار كل ليلة , تسخر من نفسها وأيامها وآمالها .

تنظر إلى الرجل المسجى في الفراش ، كانت تفكر بأن النهاية قد اقتربت كثيرا , تشعر أحيانا بملك الموت يراقبها في الغرفة أو ينتظر عند الباب . تملأها الدهشة والحيرة والسخرية , هي تنتظر أن يموت , وتستريح

وكذلك كل أفراد العائلة . ينتظرون موته شفقة به ، فهو ميت على قيد الحياة .

ربما تموت قبله, من يدري؟ هي مريضة وكبيرة في السن . ورددت قوله تعالى :" وما تدري نفس بأي أرض تموت " !

ترى ؟ بأي أرض ، سوف تموتين يا نفسي ؟! هل ستموتين في هذه الغرفة ؟ بين الأبناء ولأحفاد أم في المشفى على سرير المرض .

بأي أرض سوف أموت ....؟

وكيف هو حالي عند الموت ....؟

فزعت ، تمتمت : " لا إله إلا الله " , الموت حق علينا ارحمنا وأحسن خاتمتنا يا رب .

تفكر , وتفزعها الأفكار والوساوس . تلوذ إلى صلواتها . تبتهل وتدعو وتتضرع إلى خالقها .

لا تنفك تقول :" كل نفس ذائقة الموت " لماذا نخشى الموت ونتشبث بالحياة ؟ ربما لأننا لا نعرف حقيقة الموت . أما الحياة فقد عشناها بكل صورها وآمالها وآلامها .

كيف تختفي الابتسامات والنبضات , والأنفاس في لحظة ما . كيف يصبح الجسد خامدا هامدا بلا حياة .

لا تنفك تقول في اعتبار " كل نفس ذائقة الموت "

فاطمة منسي

20-10-1425هـ

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007