[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
رجل عجوز  رجل عجوز
التاريخ:  القراءات:(5927) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
رجل عجوز

- 1 -

أخذني بيدي ثم جلسنا سويا في باحة خضراء ، في الناحية الخلفية من فناء البيت . افترش العشب الأخضر ، ثم أسند ظهره إلى الحائط ، مد إحدى رجليه وأمسك بيده اليمنى ، عصاه المعقوفة من الرأس ، ثم أشار إلى شجرة المشمش ، وقال : هذه الشجرة زرعتها عندما ولدت ، ورعيتها كما رعيتك ، وهي الآن في مثل عمرك ، شابة قوية تفيض بالعافية ،ثم تبسم تلك الابتسامة الصافية الحنون .

تمالكت نفسي المزعزعة ، وسكت مصغية إلى تأملاته ، وكنت حينذاك ، على خلاف شديد مع زوجي .

سردت عليه تلك المواقف العديدة ، التي ثارت بيننا ، في شيء من التأثر والضيق والعصبية . حتى أنني توقفت طويلا ، عند بعضها ، لأمنع نفسي من البكاء .

أصغى إلي بكل جوارحه ، ومنحني فرصة عظيمة للتنفيس ، والتخلص من تلك الانفعالات الشديدة ، التي وترت أعصابي ، والشكوى بكل صراحة .

ظل ينصت إلي دون مقاطعة أو تعليق ، وعندما انتهيت فاضت ملامحه بالبشر ، وتبسم بدهشة ، رافعا حاجبيه الكثيفين ، ملوحا بعصاه في الهواء .

هز رأسه قائلا : أهذا فقط ما يزعجك من أبي أحمد ؟

يا ابنتي ألا تثقين بحسن اختياري ؟

فأنا الذي اخترته لك ، ولست جاهلا بأصناف الرجال . إنه من أفضل الرجال دينا وخلقا ، ولهذا فقد زوجته لك .

لماذا تبنين من المواقف الصغيرة الغاضبة ، حواجز صلدة بينكما ؟

كان ينبغي أن تفكري بالروابط العظيمة بينكما ، في العشرة الحسنة ، ولحظات الهناء ، والأولاد ، وذلك لتجدي له بعض العذر .

يا بنيتي إن المرأة التي تغفر لزوجها ، وتتسامح معه في بعض الأمور ، تكسبه مدى الحياة .

تطلعت إليه بشيء من العتب ، بل غضبت من كلماته الهادئة ، وقلت له بأسف بالغ : جئت لأشكوه إليك ، فوجدتك أفضل من يناصره .

يا ابنتي ، ليست القضية أن أدافع أو أناصر أحدا ضد أحد ، ولكن ينبغي علي أن أقول لك ما اعتقد أنه صحيح ، بحكم سني وخبرتي الطويلة في الحياة ، ومعاشرتي لأناس من مشارب متنوعة .

عليك أن ترتفعي فوق المواقف الصغيرة ، والخلافات الظاهرية ، والمشادات الكلامية ، لتتمتعي بحياة سعيدة .

-2-

أفكر بكل تلك الأمور ، واستعيد تلك الكلمات الجميلة ، وأنا أعيش حياة هانئة ، بفضل نصيحة جدي ، وقد تصرفت كما نصحني تماما ، التمست لزوجي العذر ، كلما صدر منه ما يغضبني ، وحملت أقواله وأفعاله على المحمل الحسن ، وهو شاكر لي ما أصنع ، وسعيد للغاية بهذا التغيير في سلوكي .

شددت ستارة النافذة في الصباح ، لتجديد الهواء في الغرفة . كان الصباح جميلا والشمس مشرقة . عندما أطللت من النافذة إلى الخارج، لمحت جدي يسير ببطء بخطوات واهنة ، ثقيلة ، ثم يستريح قليلا على جانب الطريق وقد خمنت أنه ربما يكون قادما إلي .

أهكذا يصنع بمن هو مثله ؟

أين الأبناء الذين أفنى عمره من أجلهم ؟

لم...لم يتكرم أحدهم فيوصله بالسيارة ؟

أهكذا يصنع برجل مثله ؟

وظللت أرقبه ، حتى انحرف قليلا ، عن الطريق الذي ، يؤدي إلى بيتي ، إلى طريق آخر يتفرع منه إلى المسجد .

نعم إنه ذاهب إلى المسجد ولكن لماذا ؟ فالوقت مبكر على صلاة الظهر . ربما خاف ألا يصل بسرعة , وتفوته صلاة الجماعة . بدا جدي بظهره المنحني قليلا , والشعيرات البيضاء التي تملأ رأسه ولحيته ، بهي الطلعة ,جليل المنظر,كبير المقام,ذا هيبة ووقار .

إنني لم أرى رجلا يزداد قوة ونفوذا وجلالا كلما أوغل في الشيخوخة مثل جدي , ذلك لأنه نوع نادر من الرجال

- 3 -

في يوم العيد ، أردت أن أتم أعمالي المعتادة بسرعة ، حتى أسبق جدي العزيز، فأذهب لمعايدته ، قبل أن يأتي إلينا، لكنني فوجئت به على الباب ، يلوح بعصاه ضاحكا .

وينحني ليضم أولادي إليه ويقبلهم .

قدم لي العيدية ,دسها في راحتي وهو يرتعش .

جزعت وتألمت ، وأنا أرى الطود الشامخ ، يرتعد بل يكاد أن يتهاوى ، وأخذني ألم حاد ، ومزق فؤادي ، فانحنيت أقبل كفه المعروقة . وأشكره وأدعو له بالعمر المديد .

وحاولت جاهدة أن أخفي الدموع التي انهمرت بالرغم مني . ما أروع تلك اليد المعروقة المتغضنة ...!

ما أروعها وهي تصافحنا , تحنو علينا , تغرس المحبة في راحاتنا ...!

إنها يد الخير والبركة والحنان .

-4-

إن الناس عموما يتمايزون ، كل منهم نسيج وحده ، لا يكاد يتفق مع سواه ، إلا في أمور صغيرة . كان هناك اختلاف كبير بين والدي وجدي . كانا مختلفين في التفكير والسلوك ، وأسلوب الحياة .

اتسم والدي بشيء من العصبية ، والتعجل ، وسوء التصرف في بعض الأحيان . كما أنه قليل الثقة بالعلاقات الإنسانية ، متهالك على مباهج الحياة . يغتنم كل فرصة تسنح له للعب من متعها حتى الثمالة .

أما جدي فقد كان على النقيض تماما ، كان رجلا غنيا بعواطفه الإنسانية ، نبيلا في التفكير والسلوك . وكنت الصغرى بين إخوتي ، فحظيت بمحبة الرجل العجوز ، بل تولى تربيتي وتعليمي ورعايتي .

والآن أشعر بالغربة ، عندما أقابل والدي ، في المناسبات ، وكنت ألمس مدى فظاظة قلبه ، وقسوة مشاعره ، فتباعدت عنه كثيرا .

لاحظت منذ الصغر تلك المجادلات الطويلة ، والخلافات العديدة ، التي نشأت بينهما ، حول الأرض والعقار .

حاول أبي دائما أن يستولي على أملاك الرجل العجوز ، أو يستأثر بالجزء الأكبر منها .

عندما كبرت قليلا ، وتسنى لي أن أفهم الأمور جيدا ، انتقدت هذا السلوك من قبل والدي ، وخجلت من أطماعه ، وما سببه لجدي من آلام .

-5-

احتدمت الخلافات بين أفراد العائلة الكريمة ، وطغت المطامع فوق السطح ، فكلهم يتودد إلى الرجل العجوز ، الذي اشتد عليه المرض ، فلزم البيت .

وبدا الأمر للجميع وكأن ذلك الرجل ، يضع رجلا على الأرض ، ورجله الأخرى في القبر .

وانتظر الجميع الخلاص منه بفارغ الصبر ، لتتاح لهم فرصة التمتع بما لديه من مال . ومرة أخرى ألفيت نفسي أعاني مشكلة كبيرة ، أصارع الأطماع والأحقاد ، وتكالب الأهل على مباهج الحياة ، وعدم اهتمامهم ، بمشاعر ذلك الشيخ الكبير

لقد عاش كالدوحة العظيمة ، منحهم الأصل والسمعة والحب والرعاية . وهو الآن مريض على فراش الموت فهو بأمس الحاجة إلى الحب والتعاطف ورد الجميل ، ونبذ الخلافات والأطماع .

لكم كنت أشعر بالأسف لما يحدث له ،ولما اتصف به من نبل ورفعة ووقار . ذلك الرجل الذي عانى الجوع والحرمان ، وصارع الحياة ،وكافح طويلا ليرعى عائلة كبيرة ، ويمنحها من عمره وقوته وصحته ، لتحظى بالمكانة العالية والسمعة الرفيعة .

وهو الآن وحيد ، ضعيف ، مريض على أعتاب الموت .

تؤلمه ولا شك قسوة الأبناء ، وفظاظتهم وجحودهم ، لم يحفل أحدهم بمعاناته ، لم يأبه فرد منهم بمشاعره . كانوا جميعا ينتظرون الخلاص منه .ويدبرون المؤامرات الحقيرة ، لنيل أكبر قدر مما ترك .

إنهم يقولون ، في نفوسهم المريضة المسمومة : لقد عاش طويلا ، وينبغي أن يموت فلم تعد له أهمية .

- 6-

للموت وحشة عميقة ، وسطوة جائرة على مشاعر الإنسان ، ولا ندرك حقا مدى تفاهة وضيق الحياة التي نعيشها ، ونتقاتل من أجلها ، ونسقط في متاهاتها إلا عندما نواجه الموت ، بحقيقته المرعبة ، الصادقة .

تأملت الجميع ، إنهم يجلسون واجمين ، وعلى ملامحهم حزن ثقيل مصطنع ، يثير الضحك والأسف .

وعجبت أكثر من المشاعر الباكية ، التي أداها البعض في غاية الاتقان ، إنهم حزانى .......حزانى !! يا للعجب

يأسفون على رجل تآمروا عليه ، وعجلوا بموته ، واحتفلوا في أعماقهم بالخلاص منه . دفعت الباب ثم توقفت قليلا ، لأسيطر على نفسي ، كانت الغرفة ساكنة ، حزينة ، تسبح في بياض الكفن ، تصارع وحشة الموت وظلمته الشديدة .

صوت ما يملأ الغرفة ، يتسرب إلى أعماق الوجدان ، ينصب في داخل الوجدان أسيفا هادئا .

إنه صوت ذلك الرجل الذي مات مكسور القلب ، وجدت نفسي أقف أمام الجثة الهامدة ، متصلبة مهزوزة ، مفجوعة خائرة القوى .

شعرت بالقرف من أولئك الناس الذين يتخلون عن آدميتهم ، من أجل رغباتهم ، وأطماعهم الحقيرة . فيتحولون بمرور الوقت ، إلى كائنات شوهاء .

هالني منظره ، وهو ملفوف بالكفن الأبيض ، من رأسه حتى أخمص قدميه ، ممددا على سريره . شعرت

وكأنه الحقيقة الساطعة ، مثل شمعة تنير في الظلام ، بينما كل ما حوله زيف وكذب وأباطيل .

بدا كمن يغط في نومة أبدية ، وتملكني شعور غريب ، وأنا أمعن النظر إليه ، وهو مسجى على بعد خطوات مني . اقتربت رغم الحزن ، الذي فتت قلبي والخوف المسيطر علي ، ثم تأملت وجهه الغارق في السكون ، ودهشت لذلك الهدوء العميق الذي نطقت به ملامحه ، عيناه المغمضتان ، أنفه الدقيق ، المستقيم ، وجنتاه . بدا لي كمن تعب طويلا ثم استراح .

وتبدل الشعور المرير بالضياع والحيرة والجزع إلى طمأنينة وهدوء وثبات .

لقد استراح من الأطماع ، والمؤامرات ، والمسئوليات الثقيلة ، وأسلم روحه الطاهرة ، إلى رب رحيم .

تحدرت دمعتي الأخيرة على الرجل الوحيد ، الذي أكبرته وأحببته من صميم قلبي .

ملت قليلا برأسي ، لأشبع منه نظرتي ، واحتفظ له بصورة جيدة ، مليئة بالمشاعر والتفاصيل .

قبلته في جبينه ، مودعة قبلتي تلك ، كل شعوري بالمحبة ،والعرفان بالجميل ، والامتنان العظيم ، لكل ما فعله من أجلي . قال قلبي الذي انفطر من الألم : رحمك الله يا ابتاه ، وجعل الجنة مأواك .

ملاحظة : هذه القصة من مجموعة (لا أحد يمنحك قلبه ) نشرت عـــام 2000 مـيلادي

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007