[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
لا أحد يمنحك قلبه  لا أحد يمنحك قلبه
التاريخ:  القراءات:(6043) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
لا أحد يمنحك قلبه

--أ -

عندما أحتوى فنجان القهوة الساخنة بين راحتي ... يسري تيار راعش في خلايا جسدي المتناهية في الصغر . أحاول أن أركز نظراتي أكثر في قاع الفنجان ....ثم أشتتها على أطرافه . أشعر بالحرارة تسري حتى دماغي ... تنساب خلال أوردتي ...تلذع شرايين قلبي الراقدة.

عيناي تحدقان بالبخار المتصاعد في انتظام . .تضيعان ..تتشاغلان بأمور تافهة للغاية ... مثل تلك الفراشة الملونة الملتصقة بالجدار .... أفكر ... أفكر بك .. بنفسي .. أقرأ اللاشيء .. اللاعودة ... تهزني قسوة البعاد . يرفرف قلبي الصغير كطائر جريح .

أتطفل على الأيام القادمة ... أتعزى وأكذب ...أكذب ...!

وتبدو الأكاذيب كأجمل شيء ممكن في حياتي .

أعدو نافرة خلف المجهول ... أجمح كفرس برية خلف المبهم والغيب . أبدو كقارئة البخت المتسولة التي تتاجر بأحلام الآخرين تزيف لهم الغد الجميل المنتظر .. تبشرهم بأيام قادمة تطفح بالخير والعافية والأمل .

تخدعهم ...! ويبدو الخداع وكأنه الاحتمال الوحيد الصائب في عالم يضج بالزيف . انا نكدة .. هكذا قررت حقيقة متجذرة في أعماقي ..إنني منكوبة .. لم يحالفني الحظ مرة واحدة في عمري .

قطبت جبيني .. ارتشفت بعض القهوة دون وعي .. لذعت حرارتها اللاهبة طرف لساني .

استفقت من الهواجس .. سخطت على القهوة .. دفعت الفنجان بحركة غير إرادية .. إلى الجدار المقابل .. انكسر ثم اندلقت القهوة على الفراش .

- ب –

قمت ثم وقفت كالشبح خلف النافذة .... شددت الستارة القاتمة فانزاحت قليلا .... أطلقت نظرة متمعنة في الخارج .

تجلت المنازل الحديثة .....المشيدة من الاسمنت والصلب أمامي ..... تجاورها على استحياء بعض منازل الطين والحجر ....كأنه الماضي ....يقاوم الحاضر القوي .

تبدت تلك المنازل غارقة ....في عتمة الليل ..... صامتة كمرثية حزينة..... ساكنة سكون الجنائز .

هناك بعض الأنوار الخافتة .....تشع هنا وهناك .... وشعرت للحظات أن ذلك الجبل ...الممتد حول قريتنا .....وما سواها من قرى مجاورة ..... قريب مني للغاية .

خلف الجبل .... بعيدا عن العين ....عن الفؤاد ......أفكر بأنك هناك . نعم هناك .....يا للجهالة ...!

هناك ...! أين ...؟ لست أعلم .

بيننا تتشامخ حواجز صلدة ... حواجز من الأشياء ....من الأشخاص .... من مشاعر صدئت وماتت .

بيننا ....حتمية القوانين .....دورة الزمن القاهرة ..... أصالة العادة .....وقوة التقاليد .

بيننا الكذبة الجميلة المريرة ...في ذات الوقت ......الخديعة وسوء النية ....!!

أجلس وحيدة ....ثمة صوت يطاردني ....يهجس في صدري .... يطرد الهناء من حياتي .

تتعثر ابتسامتي الخجلى ... ثم تتوارى خلف ضحكة مجلجلة ساخرة ....تنفلت لحظة مجنونة من الزمن .... تنفك من قانونه الجائر .... ودورانه العنيف .

أراك من خلالها تقف عاليا .... معتمرا عمامة بيضاء .....شامخا فوق كل الصغائر ..... نبيلا كفرسان العصور القديمة .

تتعالى فوق قوانين العقل .... وعثرات القلب السليم ....تتحدى مبادئ السخط والرضا ....مبررات الحب والكره ....قيم الجمال والقبح .

-ج-

أفيق في الصباح ..... تنعشني زقزقة العصافير .... بالقرب من النافذة . أطالع ساعة يدي السويسرية ..... أغالب الوسن والخدر العالق في جفوني .

أتحقق مرة تلو مرة ....أنها ساعة الصحو الأخيرة .... وأنه لا مناص من النهوض ..... ومغادرة الفراش .

أقاوم الرغبة في النوم .....أتذكر تفاصيل حلم سخيف ....في ليلة شتائية باردة .

بدونك أيها الغادر ....! تأخذ الأشياء .... كل الأشياء موقفا عدائيا مني .....تتآمر ضدي .....تسخر وتهين .

وحيثما تكون ......في أي بقعة من هذا العالم .....وكيفما تشعر ....بالسخط أو الرضا .... تظل قريبا مني كأنفاسي .

قررت يوما .....في لحظة استعلاء زائف .....أن تبحر في الاتجاه المضاد .....تبحر بدوني شعرت بأنك ذلك الشخص الغريب....الذي لا أعرفه قط .

ثرت يوما .....ثرت على طيفك ...القابع في قطرات دمي ....وددت لو أرغمه على الانسحاب دون شروط .

ظللت ألعن المهزومين ....الضعفاء والمساكين .

أقسمت .... أقسمت أن أتحرر من سطوتك الجائرة .......على مشاعري ...فأنت يا للأسف مجرد عبد حقير لنزواته

يوما ما .... حيث الشمس لا زالت دافئة ....والقلب مبتهج بآماله .... والكذبة لا زالت حلوة . عانيت حالة احتضار ...احتضار مرير ....انتزعت روحي ... سقطت الشمس في قلب البحر ...وسجلت سريعا حالة وفاة .

لا شئ يقتلنا كالخيانة .

- د –

تشبع الجو بروائح متنافرة ...تزكم الأنف .... وتثير القرف . رائحة البخور العودة .... تتضوع في كل مكان .

تغالبها رائحة السمك المقلي ... والثوم المفصص ....القابع في أحد الصحون .

كم هي روائح متنافرة وبغيضة ؟

أمي تدور كالنحلة .... بيدها المبخرة المذهبة .....تطوف بها في أرجاء البيت . تبسمل وتحوقل ....تلح في الدعاء ....وتستجدي البركة من خالقها . تصدر الأوامر ...تمارس سلطات الأم المعتادة .

صوت فيروز يتعالى عبر المذياع .....يضج بالحنين .... يشعل حرائق الشوق .... يستلهم السحر والصفاء .

صوتها بتموجاته ... ينساب رقراقا ....يبعث الحنان الدافئ ....يضئ عتمة الفؤاد الحزين ....يطرد الوحشة والمشاعر المقفرة الخاوية .

" أنا ... عندي حنين ... مابعرف لمين ...."

ينسحق الفؤاد تحت ركام الذكريات ....يضيع الكبرياء ...

" أنا عندي حنين .....ما بعرف لمين .....ليلية بيخطفني .....من بين السهرانين .............انا

-ه -

استرخيت على ذلك الكرسي الكسور .....جذبت نفسا عميقا ......طفقت أهزهزه بشئ من الصفاقة والمرح .

أمي في ركن الغرفة ....ترتق إحدى العباءات العتيقة ........حدجتني بنظرة قاسية.....زوت حاجبيها غاضبة ....لكنني تجاهلت ذلك .....بل تبسمت في هزء ...ثم علت ضحكتي وملأت المكان .

تحدثت وهي تصر على أسنانها : لم تجلسين على هذا الكرسي المكسور ؟ أليس لدينا سواه ؟

أنا لا أفهم تصرفاتك هذه .......ثم ......

ثم ماذا يا أمي ؟

أرى أنك غير مستعدة ....للقاء زوجك .

بالعكس أنا على أتم الاستعداد ......سأصنع له الشاي الذي يحب ...الشاي بالنعناع ....!

هداك الله يا ابنتي .

أمي لا تعرفني بالقدر الكافي ....فأنا شغوفة بالأشياء ....التي تلازمني فترة طويلة .....إنها تحتل مساحة من وجداني .

تتحول بمرور الوقت ....إلى كائنات حية .... يجوز لها أن تحزن أو تفرح ...1

هذا الكرسي – مثلا – هو عتيق منذ أيام الدراسة .....لكنني أؤثره على أي كرسي جديد . هذا الكرسي العتيق يخصني ...يروقني دوما أن أجلس عليه ....أفكر ...أقرأ ....أتأمل .

إنه صديقي الحميم .....رفيقي في ليال السهد والوحدة والعذاب .

- و-

أغلقت باب غرفتي بإحكام ....كنت كمن ينسج خيوط مؤامرة .خطيرة ...! تهالكت على مكتبي ....ثم سحبت الدرج الأعلى منه ...باحثة عن أحد أقلامي .

انتزعت ورقة من دفتر مذكراتي اليومية .....شرعت أسطر رسالة .

صديقتي ...صديقتي غالية ....أين أنت أيتها الغالية ؟

أهكذا تكون الصداقة ؟

أنسيت -الفسحة - التي كنا نقتسمها سويا ؟ وتلك البالونات الملونة ....كنا نتسابق ...لنطيرها في الهواء ثم....نثقبها بالدبابيس .

آه يا غالية .....آه عندما لا نملك سوى الآه .....لا شك تدركين شفافية مشاعري ...تدركين كم يعذبني فراق الأصدقاء ؟

إن جزءا مني يرحل معهم .... إن روحي تنتزع لغيابهم .

آه .....كم يعذبني الهجر والنسيان ؟

غالية عزيزتي ..........!

ثم توقفت عن الكتابة .....صعقني تيار مفاجئ ...من الغضب والأسى .تشنجت أوصالي بقسوة ... ورغبت في التقيؤ .

مزقت الورقة .....ثم رميت المزق في سلة المهملات .

- ن -

إذا ترحلت عن قوم هم قدروا

ألا تفارقهم فالراحلون هم

غالية يا صديقة العمر .... أما زلت تحبين الشعر وتكتبينه على ورق ملون .... كأيام زمان ؟

الله..... ما أجمل أيام زمان !

فيروز تشدو ...تترنم بالعذابات واللهفة والحنين ...

ينسكب صوتها في داخلي كالفرحة الغامرة .....يترقرق كالماء العذب .... يمطر فوق الأعماق شجونا قديمة .....وأخرى جديدة .

يوما ما كنت مولعة بالشعر ....وأغزو بفرح ونهم .....مدينته الساحرة . لطالما هويت طلاسم الشعراء ... أسرار قصائدهم ....أشواقهم وعذاباتهم .

أواه يا غالية ....ما أروع الشعر ...؟

إن كان سركم ما قال حاسدنا

فما لجرح إذا أرضاكم ألم

كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم ويكره الله ما تأتون والكرم

فيروز لا زالت تغني ....بعض الشعراء في زماننا ينظمون شعرا هزيلا ....في سياراتهم الفاخرة .

هدى أختي لا زالت تصارع رائحة الثوم .....والبصل ...

أمي متذمرة ....فخالد لم يأت بعد .....والشاي قد برد .....!

غالية صديقة عمري .... لا زالت بعيدة .... ولم تذكرني برسالة قصيرة .

هذه القصة نشرت في عكاظ الثقافية وهي عنوان المجموعة الأولى المنشورة عام 2000

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007