[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
في وداع هانييا  في وداع هانييا
التاريخ:  القراءات:(5446) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
في وداع هانييا

دنت ساعة الرحيل ، غص قلبها الفتي بحزن الفراق , بعد سويعات سوف تغادر إلى بلادها البعيدة . كان الصباح الندي حزينا مثلها ، وقف عصفور على طرف النافذة فغرد ، فسرى تغريده مثل أغنية حزينة ، هيجت أشجانها الدفينة .

وانثال سيل الحزن على قلبها ، فتذكرت والدتها التي ماتت وهي في العاشرة .

وتوالت عليها المشاعر الحزينة البائسة ، لأنها كانت كذلك . تأملت جدران المنزل ، بدت لها حزينة تبكي لفراقها ، أو ربما تخيلت ذلك .

كان ينبغي أن تكون سعيدة ، لأنها سوف تعود إلى بلدها وعائلتها ، وتتزوج ، لكن مشاعرها . كانت على النقيض .

استيقظت مبكرة كالعادة ، قامت بكل أعمال التنظيف . طافت بكل شبر في المنزل ، كانت تودع المكان فيه . وقفت طويلا عند سرير الطفل الصغير كانت أنفاسه تتردد في هدوء ، فانحنت وقبلته بحرارة . فتململ قليلا ، فخافت أن يستيقظ ، ويزيدها حزنا على حزن .

تنهدت بأسى ، لأنها على يقين بأن وقت الرحيل قد أزف ، وربما لن تراهم ثانية .

كانت تفكر مليا في سيدة الدار ، تود أن تودعها بكل الحب ، وتشكرها بامتنان ، على كل شيء ، ولكن السيدة لا تزال نائمة ، انتظرت طويلا دون جدوى ، أعدت لنفسها كوبا من القهوة ، ثم تجرعته بهدوء ، فكرت أن تطرق الباب ، فانتابها الشعور بالحرج والخجل . تقدمت قليلا نحو باب الغرفة ، ثم تراجعت ، ثم عادت ، طرقت الباب بأصابع مرتجفة ، بضع طرقات لا تكاد تسمع .

لحسن الحظ أن السيدة قد استيقظت ، ثم فتحت الباب بهدوء ، ابتسمت برقة ثم قالت بدهشة : هانييا ............... !

هرعت الخادم لتقبل جبين سيدتها ،التي دهشت لسلوكها فضحكت وقالت لها بلطف كبير : انتبهي لنفسك ، واعتني بزوجك وعائلتك . عديني بذلك .

ابتسمت هانييا ابتسامة مزيجها الأسف والألم ، ثم انحنت بسرعة لتقبل يد سيدتها ،فسحبتها برفق ، لا أحب أن تقبل يدي ، ثم أشاحت بوجهها لفرط التأثر .

ظلت السيدة واقفة في المكان ، تغالب الدموع التي طفرت من عينيها . مع السلامة يا هانييا ، كانت السيدة تقول ذلك بصوت خافت وحزين ، كأنها تحدث نفسها ، إنها لا تطيق الوداع ، وهي تشعر بالشفقة نحو هذه الخادم .

عجبت السيدة من نفسها ، فقد تمنت أن تتصرف بعفوية ، فتحتضن هذه الفتاة الغريبة ، لتعبر لها حقا عن مشاعر الإشفاق والمحبة والحنان .

لكن شيئا ما حال دون ذلك ، بقيت واقفة في محلها تتفرج عليها ، تتمتم بكلمات مبهمة ، وتصارع خواطرها الغريبة .

-2-

لا زالت تتذكر اليوم الأول ، لتلك الفتاة التي اسمها هانييا ، كانت ترتدي بنطالا من الجينز المقلد الرخيص ، وسترة مقلمة ، باهتة الألوان ، وتلف شعرها بخمار أصفر اللون ، ولديها حقيبة صغيرة للغاية .

نادتها السيدة , وذلك أمام الخادم السابقة ,التي وصفتها للسيدة بكل تعاطف فقالت : هذي مسكين مرة يا ماما ......!!

وقفت هانييا منكسة الجبين ,متذللة , خاشعة الطرف , لا تجرؤ على النظر إلى السيدة ,بل كانت تخفض بصرها وبدت في ثيابها البالية ونظرتها الذليلة ونحافتها وجسدها الضئيل مثيرة للشفقة , وتدعو للرثاء .

شعرت السيدة نحوها بتعاطف وأسف لأنها كانت صغيرة السن في السابعة عشرة من عمرها .

-3-

تأقلمت الفتاة الصغيرة مع أهل المنزل ، بسرعة كبيرة ، وقامت على خدمتهم أحسن قيام ، وكانت تبذل كل جهدها ، وتشعر بالألفة و الاحترام ، نحو أهل البيت .

وقد عبرت الفتاة عن امتنانها العميق نحو السيدة ، وكل أفراد عائلتها بإخلاصها وتفانيها في العمل .

وكذلك اعتنت بالطفل الصغير عناية فائقة ، فكانت تحرص على مأكله ومشربه وملبسه ، وتقضي جل وقتها في ملاعبته وتدليله ، وكأنه ابنها أو أخوها الصغير .

لقد كانت علاقتها بأصغر الأبناء رائعة وعميقة ، ومليئة بالمحبة والصدق .وقد أحبها الابن الصغير ، وشغف بها فؤاده . فهو لا يفتأ يسأل عنها ، لماذا سافرت ، ومتى سوف تعود .

- 4-

لا تزال تتذكر هانييا ، أيامها الأولى في المنزل ، فقد شعرت بالدهشة والإعجاب ، وهي تتجول في غرف المنزل الواسعة ، وتتأمل الأثاث والرياش ، وكل أنواع الزينة التي حفلت بها أركان المنزل .

تذكرت بأسى كوخها الصغير ، الذي كانت تعيش فيه ، على ضفاف النهر ، في ديارها البعيدة .

كم هو فرق شاسع ؟!

يبدو الأمر لديها أحيانا ، وكأنها في حلم ، انتقلت فجأة من كوخ إلى قصر ،وكذلك سكان القصر، إنهم لطفاء للغاية .

إن السيدة تعاملها برقة ولطف ، بينما كانت زوجة والدها غليظة ، قاسية ، دفعتها للهروب من المنزل.

لقد ابتسم لها الحظ ، وسوف تبقى لدى هذه العائلة إلى ما شاء الله .

- 5-

دأبت السيدة عل رعاية الخادم ، فهي منذ البدء تناقشها حول أمور الطهارة والصلاة ، وتتعرف على مستوى فهمها لفرائض الدين ، وهذا أمر شديد الأهمية ، بالنسبة إليها ، فالخادم تؤثر بفكرها وسلوكها ، في أفراد المنزل .

وعندما سألتها وجدتها شديدة الجهل بالصلاة ، وكذلك أمور الطهارة ، فهي لا تحسن الوضوء ، ولا تعرف التحيات ، وغير ذلك ، فبدأت تعلمها رويدا رويدا ، وتراقبها عن كثب .

وكانت الفتاة تتعطش للمزيد من المعرفة والعلم ، لأنها صغيرة السن ، لا تحمل أية أفكار غريبة أو منحرفة . إنها فقط لم تنل الحظ الكافي من التعليم والتربية .

ولكنها تبدو مثل خامة أصيلة ، يمكن أن يصنع منها الإنسان .

واعترفت هانييا بأنها لم تكن تحافظ على الصلاة ، لكنها مسلمة ، كما كانت تلاحظ السيدة اهتمامها بالأزياء، والملابس القصيرة ، والحلي الغريبة ، مثل كل الفتيات في سنها .

وكانت السيدة تسمح لها بمرافقتها إلى الأسواق للتنزه أو التبضع ، لكنها تلفت نظرها إلى الملابس اللائقة ، بالفتاة المسلمة . وهي تدرك أنها فتاة صغيرة ، لا زالت في طور المراهقة . تداعب الأحلام قلبها ، ويموج عقلها بالأفكار ، وهي مفتونة بكل جديد وغريب ، مما تحمله رياح العولمة كل يوم . وليس لديها أساس متين ، من الدين والخلق ، إلا أنها تتحلى بصفات إنسانية حميدة ، ظهرت بجلاء ، عندما عوملت باحترام وثقة ومحبة .

- 6-

جلست سيدة الدار بعد العصر ، مع جارة لها . أمرت الخادم بإحضار القهوة، فقدمت الخادم على عجل ، والابتسامة الواسعة ، تملأ وجهها ، وقالت بلكنة أجنبية : السلام عليكم ، بل مدت يدها لمصافحة الجارة ، التي لوت شفتيها بتكبر ، وأنفت من مصافحتها .

اصطبغ وجه هانييا ، بحمرة الخجل ، وشعرت بالاحتقار ، كونها مجرد خادم .

شكرا ياهانييا . لقد أحسنت صنعا ، هكذا ردت السيدة ، بينما تراجعت هانييا ، وهي تشعر بالأسف والحنق .

عاتبت السيدة جارتها برفق ، فقالت: لماذا لم تمدي يدك لمصافحتها ؟

إنها حقا خادم ، لكنها مسلمة ، فهي أخت لنا ، وقبل ذلك هي إنسان مثلي ومثلك ، لها حق الكرامة والاحترام .

ألا تعلمين أن أنس بن مالك ، قد خدم رسول الله ما يقرب من عشر سنوات ، ولم يقل له عليه الصلاة والسلام أف قط . لماذا لا نتحلى بأخلاق النبي العظيم ؟

أحرجت الجارة ، وتلعثمت لأنها لم تجد الرد المناسب ، فقالت : إنها تخاف من الخادمات ، وتجاربها معهن سيئة للغاية .

ألا ترين هذه الخادم ، إنها أنيقة وجميلة ، ألا تخافين منها على زوجك ؟

ضحكت السيدة ، ثم قالت : كلا ، لأن هذه الخادم تتحلى بالأخلاق الحميدة ، وهناك حدود وآداب ، يقف الجميع عندها . كما أنني أمنحها الثقة والاحترام .

يؤسفني حقا ، أنني أخالفك الرأي ، هكذا ردت الجارة ، إنهن فاسدات الأخلاق ، لا هم لهن سوى مطاردة الرجال ، وهن غير أمينات بالمرة .

ضحكت السيدة بدهشة ، ثم قالت : لا يمكن الحكم على جميع الناس الحكم ذاته ، ولا شك أن هناك من تعاني بعض الانحراف والفساد ، فينبغي علينا رعايتها وإصلاحها ، لأننا نحتاج إليهن ، على كل حال .

- 7-

لقد أثمرت الجهود المخلصة ، التي كانت تبذلها السيدة مع خادمتها ، لتعلمها أصول الدين وفرائضه . بل كانت الخادم تتعطش للمزيد من المعرفة ، وعندما رأتها تطيل الصلاة في ليلة من ليالي رمضان ، سألتها عن صلاتها تلك ما هي . فشرحت لها السيدة الأمر قائلة : إن هذه الصلاة هي صلاة التراويح ، وتسمى أيضا صلاة القيام ، ولها فضل وأجر عظيم .

وقد عجبت من أمرها ، فقد داومت على صلاة الوتر منذ ذلك الوقت .

لقد سعدت السيدة ، لأنها ترى هذه الفتاة ، تتعلم وتتطور يوما بعد يوم . بل التزمت بالحجاب .

كانت الخادم ، قد خطبت في بلدها ، وكانت خالتها التي قامت بتربيتها، بعد وفاة أمها، تلح عليها في العودة والزواج . لأنها تخاف عليها ، ومعها حق ،فهي صغيرة ومليحة الوجه . والخادمات قد يتعرضن أحيانا لاستغلال سيء من المخدومين .

لقد كانت القوانين السارية في منزل السيدة صارمة للغاية . قوانين يعرفها الجميع ، لأنها تنظم الحياة اليومية ، وخاصة فيما يتعلق بالخدم والسائقين .

فليس من حق أحد إهانة الخادم أوالسائق . وعلى الجميع معاملتهم بالرأفة والإحسان ، اقتداء بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام . وينبغي التخفيف عنهم ومساعدتهم عند الحاجة . وعند حدوث الخطأ، وهو أمر وارد ، تتم معالجته برفق ، ولفت نظر الخادم أو السائق إلى الخطأ ومعالجته دون تجريح أو إهانة .

- 8 –

لقد سافرت الخادم إلى بلدها ، وبدأ عهد جديد ، مع وجه جديد .لقد تألمت السيدة لفراق تلك الخادم المخلصة ، وكانت مشفقة عليها أيما إشفاق ، وتتعاطف معها، لأنها غريبة وفقيرة ، وصغيرة السن ، وربما تتعرض للاستغلال في مكان آخر ، من هذا العالم الذي لا يرحم الفقراء .

وفي يومها الأخير ، كانت هانييا ، ترتدي العباءة السوداء ، وتلف الخمار حول شعرها بإحكام . وقد وعدت السيدة ، بأنها لن تخلع حجابها عندما تعود إلى بلدها .

وسرعان ما تذكرت السيدة ، يومها الأول في بنطالها الجينز ، وخمارها الأصفر .

وقد قال كل شيء ، وداعا هانييا .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007