[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بقالة كبيرة  بقالة كبيرة
التاريخ:  القراءات:(5312) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
بقالة كبيرة

قصة قصيرة

" العواطف الإنسانية ، والمشاعر النبيلة ، كالحب والإخلاص والوفاء ، ماهي إلا أدوات .

أدوات يستغلها الإنسان، ليقضي بها حاجة ما . وعندما ينتهي من حاجاته ، يلقي بها بعيدا عنه " .

كان يقرأ هذه الكلمات ، في ملحق ثقافي ، بإحدى الجرائد اليومية ، عن المسرحي العالمي بيكيت .

عقد حاجبيه الكثيفين مندهشا ، وفي فمه المفتوح أسئلة شتى . هل هو على حق ؟

صرخ ثم رمى الجريدة ، وكرر سؤاله بحدة أكثر .

هل فيما قال نسبة ولو بسيطة من الصحة ؟

حسنا ، كيف يمكن أن تكون المشاعر ، مجرد وسائل لبلوغ الحاجات ؟!

أليست مشاعرنا فوق حاجاتنا ؟ أو ينبغي أن تكون كذلك . كيف ؟ كيف يحدث هذا ؟

حك ذقنه الصغير ، ثم حدق في الجريدة عابسا ثم ....ثم شقها نصفين .

أي هراء ؟

تذكر وربما لأول مرة ، أنه لم يزر والده العجوز المريض ، منذ شهر ، بل اكتفى بمخابرة قصيرة .

ولم يسأل قط عن أصدقائه القدامى ، بل لم يتبادل حديثا وديا مع أحد الجيران .

بدا وكأنه يحيا في جزيرة نائية . إنه قليل الاهتمام بالموجودات حوله ، ويفتقد التواصل مع الكائنات الحية المحيطة به .

إنه يشعر بأن مشاعره تتجلد ، رويدا رويدا .

مرق السؤال في ذهنه ، كبرق خاطف ، صعقه كتيار كهربائي ، هل بيكيت محق ، فيما ذهب إليه ؟!

اختطف سيجارة من العلبة الساكنة في جيبه ، ثم أشعلها بطريقة عصبية .

جذب نفسا عميقا ، من السيجارة ، ثم طرد الدخان من خياشيمه ، وأطراف فمه .

تجمعت الأبخرة الرمادية ، فوق رأسه ، انتابته حالة من السعال المتواصل . سعل حتى كادت ضلوعه أن تتحطم ، ثم انتزع السيجارة ، وسحقها في المنفضة .

ظلت الكلمات ، تدور في عقله المفكر ، تجئ وتذهب ، يناقشها في صمت عنيف ، مع ذاته .

إن بيكيت من عالم آخر ، شديد الاختلاف ، من حيث المعتقدات والأفكار وأسلوب الحياة .

بيكيت ليس من عالمنا ، ولا يمت إلينا بصلة ، لكنه إنسان ، وهناك أشياء كثيرة ، توحد الناس ، رغم اختلافاتهم ، في كل زمان ومكان

بيكيت متشائم ، سوداوي المزاج ، يعتقد أن الحياة عبث مجرد عبث ، ونحن لا نرى ما يراه .

لا يمكن أن تتحول المشاعر النابعة من الروح ، والتي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات ، إلى مجرد آلات بلهاء .

لم كل هذا التشاؤم ؟

ما جدوى هذه الاحباطات المستمرة ، التي تصدمنا في كل ناحية ؟

نهض مسرعا ، ولدى الباب اعترضه طفله الصغير ذو الخمس سنوات . تشبث بطرف ثوبه " بابا " متى تشتري لي القطار ؟

تبسم ثم رفع طفله الصغير ، وظل يرقصه في الهواء ، ويمطره بالقبلات السخية .

قطار ! أي قطار يا حبيبي ؟

قطب الطفل جبينه الغض ، وتقلصت ملامحه الجميلة تحت سحابة ،من الحزن المفاجئ ، ثم قال مغالبا دموعه : لعبة القطار ، التي وعدتني بها .

تحسس طرف شنبه الخفيف ، ثم ضحك : آه تذكرت، سوف أحضرها لك . أعدك بذلك ، ثم قبله ثانية .

تفقد معدات السيارة ، ثم فتح بابها . استقر في المقعد ، خلف المقود .

نشق هواء باردا ، ثم أدار المحرك . عبثت أصابعه بالمذياع ، كان يبحث عن إذاعة لندن .

تداخلت الموجات ، وامتلأت أذناه بوشوشة مزعجة ، وأخيرا استطاع أن يميز صوت المذيع المتألق رشاد رمضان .

دقت ساعة بيغ بن ، دقاتها المعهودة ، التي تميز إذاعة لندن ، عن غيرها .

حسنا ، هذا رائع ، الآن سوف استمع إلى الأخبار .

نشرة غنية جدا لكنها تكاد تكون محفوظة ، لا تختلف كثيرا عن سابقاتها .

النشرة تتحدث عن الشرق الأوسط ، ولبنان الغارق في المشاكل ، والقذائف والطوائف التي مزقته شر ممزق .

ثم عرجت على فلسطين ، وأخبار الانتفاضة ، وتدابير الاسرائيليين للقضاء عليها .

أغلق المذياع ، كانت ملامحه التي تجمدت فجأة ، تنبئ عن ابتسامة ساخرة ، لوى شفتيه متأففا ، لا جدوى .

نفس الأخبار تطرق مسامعنا منذ سنوات ، لا جديد حقا ، قضية الشرق الأوسط ، قضية القضايا .

الزيارات ، الحروب ، الاتفاقات ، ومعاهدات السلام كلها من أجل الشرق الأوسط .

لكنها تظل قضية أبدية ، معلقة بلا حل جذري . في الحقيقة ، إن العالم لن يكون إذا لم تكن هناك قضية تقلقه ! ولا بد من محاولات حلها ، تحت أية اعتبارات ، ولكن أبعاد القضية معروفة ، كما ان الأعداء معروفون ، وكذلك الأصدقاء .

كم نحتاج من الوقت ، لندرك أن العدو لا يمكن أن يكون صديقا ؟

لسنا أغبياء ، كي ننجرف خلف هذه الأفكار ، التي استهلكت عن الحرب والسلام ، والقضية الأبدية . لا شك أن هناك الكثيرين ، يحملون القناعات ذاتها . هل يمكن أن نصدق هذه النظرية الغريبة ، معاهدة سلام بين الذئب والحملان ؟ !

إنها حقا نظرية غريبة ، تشبه في الحقيقة ، دعابة سمجة

تناول منديلا ليبصق فيه ، و قذفه من النافذة . ثم غمغم عالم غريب ! هزأ بنفسه لماذا قذفت المنديل من النافذة ؟ رغم التوصيات والتحذيرات ، من قبل أمي ، عندما كنت صغيرا .

ألا ينبغي أن أكون أكثر وعيا ؟

لم لا أحافظ عل نظافة الشارع ، كما أهتم بغرف منزلي ؟

ربما لأن الشارع لا يخصني ، بل يخص الجميع .

ترجل من السيارة ، ثم سوى طرفي عمامته الحمراء . وقف يتأمل بباب أحد الدكاكين الصغيرة ، كانت هناك لعب كثيرة ، معلقة في واجهة الدكان .

رحب به البائع ، أمسك بقطار كهربائي صغير ، ثم تفحصه قليلا .

بكم هذا ؟

بسبعين ريالا .

فغر فاه دهشا ، سبعون ريالا ، من أجل هذه اللعبة الصغيرة !

ثم قبض عل القطار بكلتا يديه " لو ضغطت قليلا لحطمته "

أرجوك يا أخي ، قالها البائع في ضيق ، إنه بسبعين ، اشتره أو اتركه .

طأطأ رأسه وهو يزمجر ، قلب شفتيه بامتعاض ، ثم قال : حسنا سوف أشتريه ، لأنني وعدت ولدي بذلك .

بحث في جيوبه عن النقود ، ثم سلمها للبائع .

كل شيء ، يزيد ثمنه ، إلا الإنسان ، فقد صار سلعة رخيصة للغاية .

ترى ، كم تساوي حياة الإنسان في هذا العالم ، الذي يشبه بقالة كبيرة ؟

عالم تطحنه الصراعات ، وتعصف به الفتن والحروب والمصالح المتباينة .

لم يتدافع الناس في الطريق ؟

لم يمشون بسرعة ، وكأنهم في سباق محموم ؟

لم تبدو ملامحهم عابسة ، كئيبة ؟

لم الجري والتجهم والزحام ؟ من أجل ماذا ؟

حقا لا أحد ينعم بالراحة ، لأن الدنيا تعب ، والإنسان مخلوق لمكابدتها .

كم تساوي حياتنا في هذه البقالة ؟

ربما الكثير ، وربما لا شئ !

ملاحظة : نشرت القصة في عكاظ الثقافية 4 -4 -1415

ملاحظة نشرت هذه القصة في عكاظ الثقافية عام 1415هجري

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007