[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
رائحة الموت رائحة الموت
التاريخ:  القراءات:(5367) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
- 1-

سعلت ....سعلت على نحو موصول يفجع القلب .....غابت عن الوعي بضع لحظات ثم .....ثم أفاقت .

عاودتها نوبة السعال ثانية .....حاولت أن تجلس على السرير أخذت تتقيأ ثم بصقت في المنديل دما .

دم ! تمتمت في نبرات مرتعبة .....يائسة .

دم ! شهقت وأنفاسها تلهث " أنا ..... أنا ميتة لا محالة ...كلا .....كلا ....بل أنا على عتبة الباب الذي يؤدي بنا ....إلى وحشة الموت .

حسنا يا قلبي الشقي .....ما جدوى البقاء في هذه الغرفة الضيقة .....التي تفوح برائحة الدواء ؟

بل ما جدوى الدواء وتمنيات الشفاء الكاذب ؟

سعلت ثانية ....تمزق صدرها ....والتهب حد الاحتراق . وتحطمت أضلاعها الواهنة ....تحت مطارق السعال الشديد .

انتفض قلبها وفرفر ....كطائر مذبوح .....تمنت أن تنشق هواء نقيا ....يبعث الحياة في رئتيها وكل جسدها .

لعقت شفتيها الناحلتين ....بطرف لسانها .....ابتلعت قطرات الريق القليلة بصعوبة .

شعرت بصخرة هائلة تتدحرج فوق صدرها .....المحتقن بالدم .

رغبت بشدة في قطرات من الماء البارد .....ترطب حلقها وشفتيها .

أيها الموت ....أعرف أنك الآن تسكن معي ....أبسط كفيك وانتزع روحي .

أيها الموت كن رفيقا بامرأة ....تعذبت كثيرا ....في هذه الحياة .

لا ...لست مرعوبة ....ولم أعد أحتمل نوبات المرض ومرارة الدواء .

أيها الموت ....أنت الآن خلاصي الوحيد . كن شفوقا بي ....ارحمني وهبني السلام الأبدي .

امتدت يدها إلى الجرس ....حاولت أن تقرعه المرة تلو المرة ......ولكن لا مجيب .

قرعت الجرس ثانية ... وبعد قليل ....ظهرت أمامها فتاة في مقتبل العمر ...ترتدي القميص الأبيض الطويل .

ثم توقفت قرب السرير ....تطلعت إليها ...بنظرة غائمة .

رفعت الفتاة حاجبيها ....في شيء من التذمر والتشامخ ....وأجالت بصرها في الغرفة .

سألت ويدها عل خدها : ماذا تريدين ؟!

كانت لهجتها تنضح بالجفوة ....والبرودة وفراغ الصبر .

أيتها الممرضة .....أرجوك لا تغضبي مني ....تحمليني قليلا ..... فأنا مجرد امرأة ميتة .

زمت الفتاة شفتيها المرسومتين بدقة ....والمصبوغتين بلون فاقع ....وكررت السؤال بلهجة أقل برودة .

ماذا تحتاجين .....فلدينا مرضى سواك ..؟

زفرت بعمق ...وكأنها تهوي في حفرة .....وعلا صدرها المحترق ....ثم هبط في حركة رتيبة .

وتوسلت : أخبريني ...ألم يتصل أحد بي . ؟

كلا .....لم يتصل أحد بك .....ثم ....ثم أنك تسألين كل يوم . !

لا أحد يتصل ....وأعتقد أنك بلا أقرباء .

أومأت برأسها ....واحتجت قائلة : لا ....بل لدي أقرباء . نعم لدي إخوة ....وعائلة ....وطفل جميل ...اسمه عمر .

هزت الممرضة منكبيها ...ووضعت يدها في جيبها ....ولم تقل أي شيء .

حسنا ....هل تحتاجين إلى شيء آخر ؟

بعض الماء البارد ....فأنا عطشى ....وحولت وجهها إلى الناحية الأخرى .

- 2-

أين أنتم ؟ يا لأفئدتكم ! كم هي قاسية وجاحدة ؟ أين أنتم ؟

هكذا تتركوني احتضر لوحدي ....دون عزاء أو مواساة .

آه يا لقلوبكم .....إنها أشد قسوة من الحجارة .

أيها الموت.... لم أنت صامت بلا حراك ؟

انتزع هذه الروح المعذبة ....اعتقها من قيود الطين الحقيرة . حلق بها من عالم الظلمة ....إلى فضاء النور .

أيها الموت هيا ....مد كفيك لتحتضن صدري الملتهب ....الغارق في الدماء .

هيا ...اجمع ضلوعي الممزقة .

ما أقسى أن تموت وحيدا كالمنبوذ ....تموت دون عزاء ..؟

أيها الموت ....مد يدك إلى يدي .....فلا يد تواسيني .....أو تحضن يدي .

-3-

هل تذكر ....كم كنت تتباهى قائلا : فزت بأجمل النساء وأرقهن ؟

كنت ترفعني بالكلمات الحلوة ....إلى عنان السماء .

وأقسمت لي في لحظة صفاء لا تنسى ....أنه لا توجد تلك المرأة التي يمكنها أن تضاهيني أو .....أو تحل مكاني .

ثم ....ثم هأنذا أقع فريسة لمرض عضال . لم تعد ذلك الرجل المحب ....المتلهف .....الحريص على مشاعري .

أجل ....لا زلت أذكر تلك الكلمات ....التي همست بها لأختك : ماذا أفعل ؟ وكيف أعيش معها ؟

كيف أحيا مع امرأة لا أمل في شفائها ....امرأة مسلولة ؟

برمت بمرضي ....قسوت في حكمك علي.... أشد ما تكون القسوة .....لم ترحمني !

لم أعد أجمل النساء .....عيناي غارتا وخبا البريق فيهما . وجنتاي ذبلتا .....وشفتاي جافتان .....طافحتان بمرارة المرض .

لم أعد أجمل النساء ....هاهو جسدي الجميل ....يتمدد هزيلا ....واهنا ... . تفوح منه رائحة الدواء والموت .

أصبحت جثة ....كيف تنظر إلى جثة ؟

كيف تأنس إلى جوار الموت ..؟

أنت ...أنت العاشق لملذات الحياة ....ومسراتها ....الملهوف على مباهجها .

- 4-

يوما ما ....تخليت عن شعورك بالضيق والتأفف ....وجئت إلي زائرا .

عندما رأيتك ....شعرت بالسرور والعافية . وسألتك أين ولدي ؟

تصنعت الأسف .....وقلت برقة غير معهودة : لا أحب أن يراك الولد وأنت في هذه الحال .

إنك شديدة الضعف ...وقد تغيرت ملامحك كثيرا ....وشحبت . وأنا لا أريد أن يتألم عمر ...عندما يراك هكذا .

إنه صغير على الأحزان ....ثم مددت يدك إلى جيبك .....وأعطيتني صورة كبيرة له ....ووضعتها على المنضدة ....قرب سريري .

قلت لي : ألا تكفي هذه الصورة ؟

-5 –

نادت الممرضة في نبرات مشروخة .....مسكونة بالإعياء والتوسل .

أيتها الممرضة ....أيتها المرضة .

هرعت إليها شابة صغيرة ....متوسطة القامة ....وطفح وجهها المستدير بالقلق والخوف .

ماذا هناك ؟ ما بك يا أم عمر ؟

أرجوك.....أرجوك .... اتصلي بزوجي .

قطبت الفتاة جبينها في دهش : زوجك ...!

أرجوك أريد أن أراه في الحال .

- 6-

لم تجرأ الممرضة أن تخبرها بالحقيقة ....فقد اتصلت مرة تلو مرة ....ولم يهتم زوجها ....كان يتهرب من المجيء .

ادعى أنه مشغول ....ولا يستطيع الحضور .

لم تسألها ....شعرت بذلك في قرارة نفسها . كان في نظرة الممرضة إليها ....أعمق جواب .

-7 -

ألا ترغبين في إسداء معروف لامرأة مريضة ....في لحظاتها الأخيرة ؟

تبسمت الممرضة في رقة ....وقالت بتودد وعطف : يسعدني ذلك .

حسنا ...اجلبي ورقة بيضاء وقلما ...أكتبي ما أمليه عليك بدقة .

هيا ....فلنبدأ يا أم عمر .

بارك الله فيك ...فأنت طيبة القلب .

أكتبي ...أحبتي ....إخوتي ....زوجي العزيز .

أكتب إليكم بمداد من بياض قلبي ....وأنا في اللحظات الأخيرة ...أقاوم الموت ....الزاحف إلي .

أكتب إليكم بقبس من نور روحي ...رغم اشتداد الظلمة ...المحدقة بي

أكتب لأقول لكم بصدق : كم كنت أحبكم ....وأتوسم فيكم الخير والنبل .

وهأنذا أموت وحيدة ....لم يتفضل أحدكم بزيارتي ...أو مخابرتي بالهاتف .

نبذتموني دون سبب أو جرم .

لقد سقطتم في بئر الحياة ....وامتزجتم بنجسها وقذاراتها ....ورذائلها .

آه يا أحبتي ....لكم آسف لكم .

أموت وحيدة ....تمنيت في شدة الظلمة أن تدفئني نظرة حانية .......مواسية ....أراها في أعينكم .

تمنيت لو تمتد أكفكم ....لتحضن يدي الباردتين .

لهثت قليلا ...وتوقفت والعرق الغزير ....يتصبب من جبينها .

نظرت إليها الممرضة قائلة : هل انتهيت ؟

أومأت برأسها علامة النفي .

ثم قالت بنبرات مرتعدة : أكتبي ....أنا لم أعد أبغضكم ... لقد فقدتم إنسانيتكم في بئر الحياة .

قتلتكم المطامع والمطامح ....والأنانية .

فلم تعد لكم صلة بعالم الإنسان .

أوصيكم ....وبدأت نبراتها ترتعد بشدة .....وتخفت قليلا ....قليلا .

أوصيكم بأنفسكم خيرا ....أوصيكم أن ترفعوا رؤوسكم قليلا ....أن تفيقوا من سكرة الحياة .

أوصيكم بولدي ....ولدي الحبيب عمر ثم ......ثم حشرجت وخنقتها العبرة .

ولدي عمر ....ثم سكتت .

انتظرت الممرضة .... بضع لحظات .... ثم التفتت إليها .

لمست كفها ..... فألفتها باردة .....هامدة .

نهضت ثم شهقت مذعورة .

رنت إلى جسدها الذي تمدد بلا حراك .....كانت عيناها شاخصتين

محدقتين في اللاشيء ....وشفتاها مطبقتين في قسوة .

24 – 11 -1415

نشرت هذه القصة في عكاظ الثقافية وحظيت بقراءة نقدية من قبل الدكتور حسن النعمي

14 -3 – 1418

الحزن الدافئ

قصة قصيرة

- 1 -

الحياة فصول أربعة .... ولكن ....لكن حياتي فصل واحد ....شتاء مستمر ....لاهث الأنفاس .

أيام مطيرة وأجواء غائمة . الضباب الكثيف يحتضن كل شيء .

برد قارس ....كآبة ....سكون رتيب ....رطوبة ولا شيء آخر .

لا شيء سوى العفونة ....العفونة التي تمتد إلى كل شيء ....حتى إلى مشاعرنا وأنفاسنا ..

إحساسنا بالأشياء من حولنا .....يتضاءل تدريجيا .

يتساقط كما تتساقط أوراق الأشجار في الخريف و ....ويموت . أحيانا تتملكنا الرغبة في التحرر من الزمان والمكان وكل شيء .

يخيل إلينا أننا نغوص ونغوص في بحيرة من الصمت والفراغ الهائل . نكاد لا نشعر بصخب الحياة من حولنا .

البرد يهزني ...تلفحت بشال ثقيل من الصوف .....وتكومت على نفسي في زاوية الغرفة ...

غرقت في إحساس بليد بالتعاسة .

أف ...أف ما هذا القرف ؟

ساعة الحائط تدق ....تدق وتسخر من كلينا . أنا تغمرني الكآبة ....وهو يلملم أشياءه ....ويرمي بها في الحقيبة .

يبدو عصبيا وقلقا ....وبين الحين والآخر يسلط نظراته المتفحصة على وجهي ...كأضواء كاشفة .

إنه يسجل أو ....أو يراقب إحساسي في هذه اللحظة ...وأنا أبدو كشريحة صغيرة تحت عدسة مجهر دقيق .

أتساءل بمرارة : ترى هل يفهم إحساسي في هذه اللحظة .

- 2-

تصطخب أعماقي ....تجتمع الأحاسيس المتضاربة ....في داخلي ... وتعقد مؤتمرا صغيرا ...تتفاعل ....الحرارة تشتد ...تشتد أكثر ....فتنطلق الشرارة ....شرارة الغضب ...شرارة الثورة .

وأنا ...أنا أحاول السيطرة على هذه الثورة . أتوسل بما تبقى لدي من قدرة على الحزم .

رائحة الموت تتصاعد من أنفاسي المحترقة . العفونة ثانية ...العفونة تخنقني وهو ....هو ما زال يرتب الحقيبة أو يتظاهر بذلك .

هو مازال عصبيا ....شددت الشال حول جسدي ....شددته بقوة .

الخوف من شيء ....شيء مجهول يدب في أوصالي . !

اللعنة ....أية قذارة ؟

تلك الساعة تستنزف هدوئي ....ما زالت تدق . عقاربها تدور ...تذكرني بمرور الزمن ....الزمن يدوسنا ويمضي سريعا .

يمضي بغرور ...الصراصير اللعينة تضاعف من شعوري بالضيق والكآبة .

انتهى من ترتيب حقيبته وسار نحوي ... سار بخطوات هادئة ثم وقف أمامي وتأملني في صمت كانت شفتاي مقفلتين بقسوة وملامحي صارمة ...جادة كخطوط مستقيمة .

انفرجت شفتاه قليلا ثم قال بتلعثم : أنا مسافر ..ألا تقومين لوداعي؟

-3-

تتصاعد رائحة الموت في داخلي .. تصل إلى فمي ...تضطرب أعماقي كبحر هائج ...تزداد الشرارة اشتعالا .... تتضاعف الثورة ... تزحف كالوحش ... أحاول الضغط على نفسي .

أحاول الوقوف في وجه العاصفة .

يا إلهي ..! ما زال يلح ..أنا مسافر ... مسافر ... تطلعت إليه بملل وبرود .

زممت شفتي وهززت رأسي ....أنت ....أنت مسافر .

ههههه ...ها ..مسافر ....الكلمة تجلدني كالسوط ....تغوص في قلبي كالخنجر ....تحرق أعصابي .

ما زال يلح ....أنا مسافر ألا تقومين لوداعي ؟

يا لهذا الرجل يبدو كالحائط الأصم.....ألا يحس ؟

إلحاحه المتواصل يستنفذ مقاومتي ....يضاعف من غضبي .

لم أتمالك نفسي ....انفجرت في وجهه ....كعبوة ناسفة .

صرخت دون وعي : مسافر ....أنت دائما مسافر ....دائما !

اللعنة على السفر ....وتلك الحقيبة التي لا أكاد أفرغها ....حتى أملأها ثانية

اللعنة على كل شيء

تعبت ...تعبت من الوحدة القاتلة ....من ملامح الوداع الكالحة ....التي تطالعني في كل يوم جمعة ...من كل أسبوع .

أووه .....تعبت !

مللت من هذه الحياة ....مللت وأنا أعيش التوسلات . أتوسل إلى عقارب الساعة لتسير بسرعة ....إلى اللحظات والدقائق لتمر ....إلى الهاتف لكي يرن ....لعله أنت من سوف يتصل ....مللت .

- 4 -

حسنا لا جدوى من الحزم والضغط والصمت ....لا جدوى . لقد انهارت مقاومتي أخيرا ....فانفجرت ثم تحولت إلى شظايا حارقة .

لا ...لا أريد أبدا أن تحرقه الشظايا . لا أريد أن يتألم ....أريد فقط أن يقدر إحساسي ....أن يتدبر أمره ....فيبقى إلى جانبي .

تعلقت ثانية بأذيال الصمت ....وتعجبت من هدوئه الشديد . جلس إلى جواري ....وتبسم قائلا : انا أقدر هذه المشاعر ....ويؤلمني أن تعيشي حياة كهذه ...ولكن ماذا أفعل ؟

أنت تعلمين أنني أعمل في المدينة . لا يمكن أن أشتري بيتا أو حتى أستأجر شقة ....لأنني لا أملك مالا كافيا . وبالطبع لا يمكنني ترك عملي ...والبقاء إلى جوارك في القرية .

ثم ....ثم لماذا أنت وحيدة ؟

إنك تعيشين بين الأهل والأصدقاء !

قاطعته بحدة : لكنني لست بحاجة إلى الأهل والأصدقاء ....أنا بحاجة إليك أنت .

بحاجة إلى أن نتحدث ...نضحك ...نتشاجر ....نحلم ونخطط لحياتنا سويا .

أنا بحاجة إليك أنت ...هل تفهم ؟

تنفس الصعداء ثم قال : ما جدوى هذا الحوار ؟

أعني أنه حوار بيزنطي ...!

سكت على مضض ....ظللت أتأمله ....يا له من بحار مسكين !

تكسرت كل مجاديفه ....وارتطم قاربه الصغير بصخور اليأس . كنت أشفق عليه .....وهو ينقل نظرات حيرى بيني وبين ساعة يده . لا شك أنه كان يتمنى أن يجدني فجأة ألوح له بيدي وأقول : في أمان الله ....لكنني خيبت كل آماله .

رائحة الموت

قصة قصيرة

- 1-

سعلت ....سعلت على نحو موصول يفجع القلب .....غابت عن الوعي بضع لحظات ثم .....ثم أفاقت .

عاودتها نوبة السعال ثانية .....حاولت أن تجلس على السرير أخذت تتقيأ ثم بصقت في المنديل دما .

دم ! تمتمت في نبرات مرتعبة .....يائسة .

دم ! شهقت وأنفاسها تلهث " أنا ..... أنا ميتة لا محالة ...كلا .....كلا ....بل أنا على عتبة الباب الذي يؤدي بنا ....إلى وحشة الموت .

حسنا يا قلبي الشقي .....ما جدوى البقاء في هذه الغرفة الضيقة .....التي تفوح برائحة الدواء ؟

بل ما جدوى الدواء وتمنيات الشفاء الكاذب ؟

سعلت ثانية ....تمزق صدرها ....والتهب حد الاحتراق . وتحطمت أضلاعها الواهنة ....تحت مطارق السعال الشديد .

انتفض قلبها وفرفر ....كطائر مذبوح .....تمنت أن تنشق هواء نقيا ....يبعث الحياة في رئتيها وكل جسدها .

لعقت شفتيها الناحلتين ....بطرف لسانها .....ابتلعت قطرات الريق القليلة بصعوبة .

شعرت بصخرة هائلة تتدحرج فوق صدرها .....المحتقن بالدم .

رغبت بشدة في قطرات من الماء البارد .....ترطب حلقها وشفتيها .

أيها الموت ....أعرف أنك الآن تسكن معي ....أبسط كفيك وانتزع روحي .

أيها الموت كن رفيقا بامرأة ....تعذبت كثيرا ....في هذه الحياة .

لا ...لست مرعوبة ....ولم أعد أحتمل نوبات المرض ومرارة الدواء .

أيها الموت ....أنت الآن خلاصي الوحيد . كن شفوقا بي ....ارحمني وهبني السلام الأبدي .

امتدت يدها إلى الجرس ....حاولت أن تقرعه المرة تلو المرة ......ولكن لا مجيب .

قرعت الجرس ثانية ... وبعد قليل ....ظهرت أمامها فتاة في مقتبل العمر ...ترتدي القميص الأبيض الطويل .

ثم توقفت قرب السرير ....تطلعت إليها ...بنظرة غائمة .

رفعت الفتاة حاجبيها ....في شيء من التذمر والتشامخ ....وأجالت بصرها في الغرفة .

سألت ويدها عل خدها : ماذا تريدين ؟!

كانت لهجتها تنضح بالجفوة ....والبرودة وفراغ الصبر .

أيتها الممرضة .....أرجوك لا تغضبي مني ....تحمليني قليلا ..... فأنا مجرد امرأة ميتة .

زمت الفتاة شفتيها المرسومتين بدقة ....والمصبوغتين بلون فاقع ....وكررت السؤال بلهجة أقل برودة .

ماذا تحتاجين .....فلدينا مرضى سواك ..؟

زفرت بعمق ...وكأنها تهوي في حفرة .....وعلا صدرها المحترق ....ثم هبط في حركة رتيبة .

وتوسلت : أخبريني ...ألم يتصل أحد بي . ؟

كلا .....لم يتصل أحد بك .....ثم ....ثم أنك تسألين كل يوم . !

لا أحد يتصل ....وأعتقد أنك بلا أقرباء .

أومأت برأسها ....واحتجت قائلة : لا ....بل لدي أقرباء . نعم لدي إخوة ....وعائلة ....وطفل جميل ...اسمه عمر .

هزت الممرضة منكبيها ...ووضعت يدها في جيبها ....ولم تقل أي شيء .

حسنا ....هل تحتاجين إلى شيء آخر ؟

بعض الماء البارد ....فأنا عطشى ....وحولت وجهها إلى الناحية الأخرى .

- 2-

أين أنتم ؟ يا لأفئدتكم ! كم هي قاسية وجاحدة ؟ أين أنتم ؟

هكذا تتركوني احتضر لوحدي ....دون عزاء أو مواساة .

آه يا لقلوبكم .....إنها أشد قسوة من الحجارة .

أيها الموت.... لم أنت صامت بلا حراك ؟

انتزع هذه الروح المعذبة ....اعتقها من قيود الطين الحقيرة . حلق بها من عالم الظلمة ....إلى فضاء النور .

أيها الموت هيا ....مد كفيك لتحتضن صدري الملتهب ....الغارق في الدماء .

هيا ...اجمع ضلوعي الممزقة .

ما أقسى أن تموت وحيدا كالمنبوذ ....تموت دون عزاء ..؟

أيها الموت ....مد يدك إلى يدي .....فلا يد تواسيني .....أو تحضن يدي .

-3-

هل تذكر ....كم كنت تتباهى قائلا : فزت بأجمل النساء وأرقهن ؟

كنت ترفعني بالكلمات الحلوة ....إلى عنان السماء .

وأقسمت لي في لحظة صفاء لا تنسى ....أنه لا توجد تلك المرأة التي يمكنها أن تضاهيني أو .....أو تحل مكاني .

ثم ....ثم هأنذا أقع فريسة لمرض عضال . لم تعد ذلك الرجل المحب ....المتلهف .....الحريص على مشاعري .

أجل ....لا زلت أذكر تلك الكلمات ....التي همست بها لأختك : ماذا أفعل ؟ وكيف أعيش معها ؟

كيف أحيا مع امرأة لا أمل في شفائها ....امرأة مسلولة ؟

برمت بمرضي ....قسوت في حكمك علي.... أشد ما تكون القسوة .....لم ترحمني !

لم أعد أجمل النساء .....عيناي غارتا وخبا البريق فيهما . وجنتاي ذبلتا .....وشفتاي جافتان .....طافحتان بمرارة المرض .

لم أعد أجمل النساء ....هاهو جسدي الجميل ....يتمدد هزيلا ....واهنا ... . تفوح منه رائحة الدواء والموت .

أصبحت جثة ....كيف تنظر إلى جثة ؟

كيف تأنس إلى جوار الموت ..؟

أنت ...أنت العاشق لملذات الحياة ....ومسراتها ....الملهوف على مباهجها .

- 4-

يوما ما ....تخليت عن شعورك بالضيق والتأفف ....وجئت إلي زائرا .

عندما رأيتك ....شعرت بالسرور والعافية . وسألتك أين ولدي ؟

تصنعت الأسف .....وقلت برقة غير معهودة : لا أحب أن يراك الولد وأنت في هذه الحال .

إنك شديدة الضعف ...وقد تغيرت ملامحك كثيرا ....وشحبت . وأنا لا أريد أن يتألم عمر ...عندما يراك هكذا .

إنه صغير على الأحزان ....ثم مددت يدك إلى جيبك .....وأعطيتني صورة كبيرة له ....ووضعتها على المنضدة ....قرب سريري .

قلت لي : ألا تكفي هذه الصورة ؟

-5 –

نادت الممرضة في نبرات مشروخة .....مسكونة بالإعياء والتوسل .

أيتها الممرضة ....أيتها المرضة .

هرعت إليها شابة صغيرة ....متوسطة القامة ....وطفح وجهها المستدير بالقلق والخوف .

ماذا هناك ؟ ما بك يا أم عمر ؟

أرجوك.....أرجوك .... اتصلي بزوجي .

قطبت الفتاة جبينها في دهش : زوجك ...!

أرجوك أريد أن أراه في الحال .

- 6-

لم تجرأ الممرضة أن تخبرها بالحقيقة ....فقد اتصلت مرة تلو مرة ....ولم يهتم زوجها ....كان يتهرب من المجيء .

ادعى أنه مشغول ....ولا يستطيع الحضور .

لم تسألها ....شعرت بذلك في قرارة نفسها . كان في نظرة الممرضة إليها ....أعمق جواب .

-7 -

ألا ترغبين في إسداء معروف لامرأة مريضة ....في لحظاتها الأخيرة ؟

تبسمت الممرضة في رقة ....وقالت بتودد وعطف : يسعدني ذلك .

حسنا ...اجلبي ورقة بيضاء وقلما ...أكتبي ما أمليه عليك بدقة .

هيا ....فلنبدأ يا أم عمر .

بارك الله فيك ...فأنت طيبة القلب .

أكتبي ...أحبتي ....إخوتي ....زوجي العزيز .

أكتب إليكم بمداد من بياض قلبي ....وأنا في اللحظات الأخيرة ...أقاوم الموت ....الزاحف إلي .

أكتب إليكم بقبس من نور روحي ...رغم اشتداد الظلمة ...المحدقة بي

أكتب لأقول لكم بصدق : كم كنت أحبكم ....وأتوسم فيكم الخير والنبل .

وهأنذا أموت وحيدة ....لم يتفضل أحدكم بزيارتي ...أو مخابرتي بالهاتف .

نبذتموني دون سبب أو جرم .

لقد سقطتم في بئر الحياة ....وامتزجتم بنجسها وقذاراتها ....ورذائلها .

آه يا أحبتي ....لكم آسف لكم .

أموت وحيدة ....تمنيت في شدة الظلمة أن تدفئني نظرة حانية .......مواسية ....أراها في أعينكم .

تمنيت لو تمتد أكفكم ....لتحضن يدي الباردتين .

لهثت قليلا ...وتوقفت والعرق الغزير ....يتصبب من جبينها .

نظرت إليها الممرضة قائلة : هل انتهيت ؟

أومأت برأسها علامة النفي .

ثم قالت بنبرات مرتعدة : أكتبي ....أنا لم أعد أبغضكم ... لقد فقدتم إنسانيتكم في بئر الحياة .

قتلتكم المطامع والمطامح ....والأنانية .

فلم تعد لكم صلة بعالم الإنسان .

أوصيكم ....وبدأت نبراتها ترتعد بشدة .....وتخفت قليلا ....قليلا .

أوصيكم بأنفسكم خيرا ....أوصيكم أن ترفعوا رؤوسكم قليلا ....أن تفيقوا من سكرة الحياة .

أوصيكم بولدي ....ولدي الحبيب عمر ثم ......ثم حشرجت وخنقتها العبرة .

ولدي عمر ....ثم سكتت .

انتظرت الممرضة .... بضع لحظات .... ثم التفتت إليها .

لمست كفها ..... فألفتها باردة .....هامدة .

نهضت ثم شهقت مذعورة .

رنت إلى جسدها الذي تمدد بلا حراك .....كانت عيناها شاخصتين

محدقتين في اللاشيء ....وشفتاها مطبقتين في قسوة .

24 – 11 -1415

نشرت هذه القصة في عكاظ الثقافية وحظيت بقراءة نقدية من قبل الدكتور حسن النعمي

14 -3 – 1418

الحزن الدافئ

قصة قصيرة

- 1 -

الحياة فصول أربعة .... ولكن ....لكن حياتي فصل واحد ....شتاء مستمر ....لاهث الأنفاس .

أيام مطيرة وأجواء غائمة . الضباب الكثيف يحتضن كل شيء .

برد قارس ....كآبة ....سكون رتيب ....رطوبة ولا شيء آخر .

لا شيء سوى العفونة ....العفونة التي تمتد إلى كل شيء ....حتى إلى مشاعرنا وأنفاسنا ..

إحساسنا بالأشياء من حولنا .....يتضاءل تدريجيا .

يتساقط كما تتساقط أوراق الأشجار في الخريف و ....ويموت . أحيانا تتملكنا الرغبة في التحرر من الزمان والمكان وكل شيء .

يخيل إلينا أننا نغوص ونغوص في بحيرة من الصمت والفراغ الهائل . نكاد لا نشعر بصخب الحياة من حولنا .

البرد يهزني ...تلفحت بشال ثقيل من الصوف .....وتكومت على نفسي في زاوية الغرفة ...

غرقت في إحساس بليد بالتعاسة .

أف ...أف ما هذا القرف ؟

ساعة الحائط تدق ....تدق وتسخر من كلينا . أنا تغمرني الكآبة ....وهو يلملم أشياءه ....ويرمي بها في الحقيبة .

يبدو عصبيا وقلقا ....وبين الحين والآخر يسلط نظراته المتفحصة على وجهي ...كأضواء كاشفة .

إنه يسجل أو ....أو يراقب إحساسي في هذه اللحظة ...وأنا أبدو كشريحة صغيرة تحت عدسة مجهر دقيق .

أتساءل بمرارة : ترى هل يفهم إحساسي في هذه اللحظة .

- 2-

تصطخب أعماقي ....تجتمع الأحاسيس المتضاربة ....في داخلي ... وتعقد مؤتمرا صغيرا ...تتفاعل ....الحرارة تشتد ...تشتد أكثر ....فتنطلق الشرارة ....شرارة الغضب ...شرارة الثورة .

وأنا ...أنا أحاول السيطرة على هذه الثورة . أتوسل بما تبقى لدي من قدرة على الحزم .

رائحة الموت تتصاعد من أنفاسي المحترقة . العفونة ثانية ...العفونة تخنقني وهو ....هو ما زال يرتب الحقيبة أو يتظاهر بذلك .

هو مازال عصبيا ....شددت الشال حول جسدي ....شددته بقوة .

الخوف من شيء ....شيء مجهول يدب في أوصالي . !

اللعنة ....أية قذارة ؟

تلك الساعة تستنزف هدوئي ....ما زالت تدق . عقاربها تدور ...تذكرني بمرور الزمن ....الزمن يدوسنا ويمضي سريعا .

يمضي بغرور ...الصراصير اللعينة تضاعف من شعوري بالضيق والكآبة .

انتهى من ترتيب حقيبته وسار نحوي ... سار بخطوات هادئة ثم وقف أمامي وتأملني في صمت كانت شفتاي مقفلتين بقسوة وملامحي صارمة ...جادة كخطوط مستقيمة .

انفرجت شفتاه قليلا ثم قال بتلعثم : أنا مسافر ..ألا تقومين لوداعي؟

-3-

تتصاعد رائحة الموت في داخلي .. تصل إلى فمي ...تضطرب أعماقي كبحر هائج ...تزداد الشرارة اشتعالا .... تتضاعف الثورة ... تزحف كالوحش ... أحاول الضغط على نفسي .

أحاول الوقوف في وجه العاصفة .

يا إلهي ..! ما زال يلح ..أنا مسافر ... مسافر ... تطلعت إليه بملل وبرود .

زممت شفتي وهززت رأسي ....أنت ....أنت مسافر .

ههههه ...ها ..مسافر ....الكلمة تجلدني كالسوط ....تغوص في قلبي كالخنجر ....تحرق أعصابي .

ما زال يلح ....أنا مسافر ألا تقومين لوداعي ؟

يا لهذا الرجل يبدو كالحائط الأصم.....ألا يحس ؟

إلحاحه المتواصل يستنفذ مقاومتي ....يضاعف من غضبي .

لم أتمالك نفسي ....انفجرت في وجهه ....كعبوة ناسفة .

صرخت دون وعي : مسافر ....أنت دائما مسافر ....دائما !

اللعنة على السفر ....وتلك الحقيبة التي لا أكاد أفرغها ....حتى أملأها ثانية

اللعنة على كل شيء

تعبت ...تعبت من الوحدة القاتلة ....من ملامح الوداع الكالحة ....التي تطالعني في كل يوم جمعة ...من كل أسبوع .

أووه .....تعبت !

مللت من هذه الحياة ....مللت وأنا أعيش التوسلات . أتوسل إلى عقارب الساعة لتسير بسرعة ....إلى اللحظات والدقائق لتمر ....إلى الهاتف لكي يرن ....لعله أنت من سوف يتصل ....مللت .

- 4 -

حسنا لا جدوى من الحزم والضغط والصمت ....لا جدوى . لقد انهارت مقاومتي أخيرا ....فانفجرت ثم تحولت إلى شظايا حارقة .

لا ...لا أريد أبدا أن تحرقه الشظايا . لا أريد أن يتألم ....أريد فقط أن يقدر إحساسي ....أن يتدبر أمره ....فيبقى إلى جانبي .

تعلقت ثانية بأذيال الصمت ....وتعجبت من هدوئه الشديد . جلس إلى جواري ....وتبسم قائلا : انا أقدر هذه المشاعر ....ويؤلمني أن تعيشي حياة كهذه ...ولكن ماذا أفعل ؟

أنت تعلمين أنني أعمل في المدينة . لا يمكن أن أشتري بيتا أو حتى أستأجر شقة ....لأنني لا أملك مالا كافيا . وبالطبع لا يمكنني ترك عملي ...والبقاء إلى جوارك في القرية .

ثم ....ثم لماذا أنت وحيدة ؟

إنك تعيشين بين الأهل والأصدقاء !

قاطعته بحدة : لكنني لست بحاجة إلى الأهل والأصدقاء ....أنا بحاجة إليك أنت .

بحاجة إلى أن نتحدث ...نضحك ...نتشاجر ....نحلم ونخطط لحياتنا سويا .

أنا بحاجة إليك أنت ...هل تفهم ؟

تنفس الصعداء ثم قال : ما جدوى هذا الحوار ؟

أعني أنه حوار بيزنطي ...!

سكت على مضض ....ظللت أتأمله ....يا له من بحار مسكين !

تكسرت كل مجاديفه ....وارتطم قاربه الصغير بصخور اليأس . كنت أشفق عليه .....وهو ينقل نظرات حيرى بيني وبين ساعة يده . لا شك أنه كان يتمنى أن يجدني فجأة ألوح له بيدي وأقول : في أمان الله ....لكنني خيبت كل آماله .

رائحة الموت

قصة قصيرة

- 1-

سعلت ....سعلت على نحو موصول يفجع القلب .....غابت عن الوعي بضع لحظات ثم .....ثم أفاقت .

عاودتها نوبة السعال ثانية .....حاولت أن تجلس على السرير أخذت تتقيأ ثم بصقت في المنديل دما .

دم ! تمتمت في نبرات مرتعبة .....يائسة .

دم ! شهقت وأنفاسها تلهث " أنا ..... أنا ميتة لا محالة ...كلا .....كلا ....بل أنا على عتبة الباب الذي يؤدي بنا ....إلى وحشة الموت .

حسنا يا قلبي الشقي .....ما جدوى البقاء في هذه الغرفة الضيقة .....التي تفوح برائحة الدواء ؟

بل ما جدوى الدواء وتمنيات الشفاء الكاذب ؟

سعلت ثانية ....تمزق صدرها ....والتهب حد الاحتراق . وتحطمت أضلاعها الواهنة ....تحت مطارق السعال الشديد .

انتفض قلبها وفرفر ....كطائر مذبوح .....تمنت أن تنشق هواء نقيا ....يبعث الحياة في رئتيها وكل جسدها .

لعقت شفتيها الناحلتين ....بطرف لسانها .....ابتلعت قطرات الريق القليلة بصعوبة .

شعرت بصخرة هائلة تتدحرج فوق صدرها .....المحتقن بالدم .

رغبت بشدة في قطرات من الماء البارد .....ترطب حلقها وشفتيها .

أيها الموت ....أعرف أنك الآن تسكن معي ....أبسط كفيك وانتزع روحي .

أيها الموت كن رفيقا بامرأة ....تعذبت كثيرا ....في هذه الحياة .

لا ...لست مرعوبة ....ولم أعد أحتمل نوبات المرض ومرارة الدواء .

أيها الموت ....أنت الآن خلاصي الوحيد . كن شفوقا بي ....ارحمني وهبني السلام الأبدي .

امتدت يدها إلى الجرس ....حاولت أن تقرعه المرة تلو المرة ......ولكن لا مجيب .

قرعت الجرس ثانية ... وبعد قليل ....ظهرت أمامها فتاة في مقتبل العمر ...ترتدي القميص الأبيض الطويل .

ثم توقفت قرب السرير ....تطلعت إليها ...بنظرة غائمة .

رفعت الفتاة حاجبيها ....في شيء من التذمر والتشامخ ....وأجالت بصرها في الغرفة .

سألت ويدها عل خدها : ماذا تريدين ؟!

كانت لهجتها تنضح بالجفوة ....والبرودة وفراغ الصبر .

أيتها الممرضة .....أرجوك لا تغضبي مني ....تحمليني قليلا ..... فأنا مجرد امرأة ميتة .

زمت الفتاة شفتيها المرسومتين بدقة ....والمصبوغتين بلون فاقع ....وكررت السؤال بلهجة أقل برودة .

ماذا تحتاجين .....فلدينا مرضى سواك ..؟

زفرت بعمق ...وكأنها تهوي في حفرة .....وعلا صدرها المحترق ....ثم هبط في حركة رتيبة .

وتوسلت : أخبريني ...ألم يتصل أحد بي . ؟

كلا .....لم يتصل أحد بك .....ثم ....ثم أنك تسألين كل يوم . !

لا أحد يتصل ....وأعتقد أنك بلا أقرباء .

أومأت برأسها ....واحتجت قائلة : لا ....بل لدي أقرباء . نعم لدي إخوة ....وعائلة ....وطفل جميل ...اسمه عمر .

هزت الممرضة منكبيها ...ووضعت يدها في جيبها ....ولم تقل أي شيء .

حسنا ....هل تحتاجين إلى شيء آخر ؟

بعض الماء البارد ....فأنا عطشى ....وحولت وجهها إلى الناحية الأخرى .

- 2-

أين أنتم ؟ يا لأفئدتكم ! كم هي قاسية وجاحدة ؟ أين أنتم ؟

هكذا تتركوني احتضر لوحدي ....دون عزاء أو مواساة .

آه يا لقلوبكم .....إنها أشد قسوة من الحجارة .

أيها الموت.... لم أنت صامت بلا حراك ؟

انتزع هذه الروح المعذبة ....اعتقها من قيود الطين الحقيرة . حلق بها من عالم الظلمة ....إلى فضاء النور .

أيها الموت هيا ....مد كفيك لتحتضن صدري الملتهب ....الغارق في الدماء .

هيا ...اجمع ضلوعي الممزقة .

ما أقسى أن تموت وحيدا كالمنبوذ ....تموت دون عزاء ..؟

أيها الموت ....مد يدك إلى يدي .....فلا يد تواسيني .....أو تحضن يدي .

-3-

هل تذكر ....كم كنت تتباهى قائلا : فزت بأجمل النساء وأرقهن ؟

كنت ترفعني بالكلمات الحلوة ....إلى عنان السماء .

وأقسمت لي في لحظة صفاء لا تنسى ....أنه لا توجد تلك المرأة التي يمكنها أن تضاهيني أو .....أو تحل مكاني .

ثم ....ثم هأنذا أقع فريسة لمرض عضال . لم تعد ذلك الرجل المحب ....المتلهف .....الحريص على مشاعري .

أجل ....لا زلت أذكر تلك الكلمات ....التي همست بها لأختك : ماذا أفعل ؟ وكيف أعيش معها ؟

كيف أحيا مع امرأة لا أمل في شفائها ....امرأة مسلولة ؟

برمت بمرضي ....قسوت في حكمك علي.... أشد ما تكون القسوة .....لم ترحمني !

لم أعد أجمل النساء .....عيناي غارتا وخبا البريق فيهما . وجنتاي ذبلتا .....وشفتاي جافتان .....طافحتان بمرارة المرض .

لم أعد أجمل النساء ....هاهو جسدي الجميل ....يتمدد هزيلا ....واهنا ... . تفوح منه رائحة الدواء والموت .

أصبحت جثة ....كيف تنظر إلى جثة ؟

كيف تأنس إلى جوار الموت ..؟

أنت ...أنت العاشق لملذات الحياة ....ومسراتها ....الملهوف على مباهجها .

- 4-

يوما ما ....تخليت عن شعورك بالضيق والتأفف ....وجئت إلي زائرا .

عندما رأيتك ....شعرت بالسرور والعافية . وسألتك أين ولدي ؟

تصنعت الأسف .....وقلت برقة غير معهودة : لا أحب أن يراك الولد وأنت في هذه الحال .

إنك شديدة الضعف ...وقد تغيرت ملامحك كثيرا ....وشحبت . وأنا لا أريد أن يتألم عمر ...عندما يراك هكذا .

إنه صغير على الأحزان ....ثم مددت يدك إلى جيبك .....وأعطيتني صورة كبيرة له ....ووضعتها على المنضدة ....قرب سريري .

قلت لي : ألا تكفي هذه الصورة ؟

-5 –

نادت الممرضة في نبرات مشروخة .....مسكونة بالإعياء والتوسل .

أيتها الممرضة ....أيتها المرضة .

هرعت إليها شابة صغيرة ....متوسطة القامة ....وطفح وجهها المستدير بالقلق والخوف .

ماذا هناك ؟ ما بك يا أم عمر ؟

أرجوك.....أرجوك .... اتصلي بزوجي .

قطبت الفتاة جبينها في دهش : زوجك ...!

أرجوك أريد أن أراه في الحال .

- 6-

لم تجرأ الممرضة أن تخبرها بالحقيقة ....فقد اتصلت مرة تلو مرة ....ولم يهتم زوجها ....كان يتهرب من المجيء .

ادعى أنه مشغول ....ولا يستطيع الحضور .

لم تسألها ....شعرت بذلك في قرارة نفسها . كان في نظرة الممرضة إليها ....أعمق جواب .

-7 -

ألا ترغبين في إسداء معروف لامرأة مريضة ....في لحظاتها الأخيرة ؟

تبسمت الممرضة في رقة ....وقالت بتودد وعطف : يسعدني ذلك .

حسنا ...اجلبي ورقة بيضاء وقلما ...أكتبي ما أمليه عليك بدقة .

هيا ....فلنبدأ يا أم عمر .

بارك الله فيك ...فأنت طيبة القلب .

أكتبي ...أحبتي ....إخوتي ....زوجي العزيز .

أكتب إليكم بمداد من بياض قلبي ....وأنا في اللحظات الأخيرة ...أقاوم الموت ....الزاحف إلي .

أكتب إليكم بقبس من نور روحي ...رغم اشتداد الظلمة ...المحدقة بي

أكتب لأقول لكم بصدق : كم كنت أحبكم ....وأتوسم فيكم الخير والنبل .

وهأنذا أموت وحيدة ....لم يتفضل أحدكم بزيارتي ...أو مخابرتي بالهاتف .

نبذتموني دون سبب أو جرم .

لقد سقطتم في بئر الحياة ....وامتزجتم بنجسها وقذاراتها ....ورذائلها .

آه يا أحبتي ....لكم آسف لكم .

أموت وحيدة ....تمنيت في شدة الظلمة أن تدفئني نظرة حانية .......مواسية ....أراها في أعينكم .

تمنيت لو تمتد أكفكم ....لتحضن يدي الباردتين .

لهثت قليلا ...وتوقفت والعرق الغزير ....يتصبب من جبينها .

نظرت إليها الممرضة قائلة : هل انتهيت ؟

أومأت برأسها علامة النفي .

ثم قالت بنبرات مرتعدة : أكتبي ....أنا لم أعد أبغضكم ... لقد فقدتم إنسانيتكم في بئر الحياة .

قتلتكم المطامع والمطامح ....والأنانية .

فلم تعد لكم صلة بعالم الإنسان .

أوصيكم ....وبدأت نبراتها ترتعد بشدة .....وتخفت قليلا ....قليلا .

أوصيكم بأنفسكم خيرا ....أوصيكم أن ترفعوا رؤوسكم قليلا ....أن تفيقوا من سكرة الحياة .

أوصيكم بولدي ....ولدي الحبيب عمر ثم ......ثم حشرجت وخنقتها العبرة .

ولدي عمر ....ثم سكتت .

انتظرت الممرضة .... بضع لحظات .... ثم التفتت إليها .

لمست كفها ..... فألفتها باردة .....هامدة .

نهضت ثم شهقت مذعورة .

رنت إلى جسدها الذي تمدد بلا حراك .....كانت عيناها شاخصتين

محدقتين في اللاشيء ....وشفتاها مطبقتين في قسوة .

24 – 11 -1415

نشرت هذه القصة في عكاظ الثقافية وحظيت بقراءة نقدية من قبل الدكتور حسن النعمي

14 -3 – 1418

الحزن الدافئ

قصة قصيرة

- 1 -

الحياة فصول أربعة .... ولكن ....لكن حياتي فصل واحد ....شتاء مستمر ....لاهث الأنفاس .

أيام مطيرة وأجواء غائمة . الضباب الكثيف يحتضن كل شيء .

برد قارس ....كآبة ....سكون رتيب ....رطوبة ولا شيء آخر .

لا شيء سوى العفونة ....العفونة التي تمتد إلى كل شيء ....حتى إلى مشاعرنا وأنفاسنا ..

إحساسنا بالأشياء من حولنا .....يتضاءل تدريجيا .

يتساقط كما تتساقط أوراق الأشجار في الخريف و ....ويموت . أحيانا تتملكنا الرغبة في التحرر من الزمان والمكان وكل شيء .

يخيل إلينا أننا نغوص ونغوص في بحيرة من الصمت والفراغ الهائل . نكاد لا نشعر بصخب الحياة من حولنا .

البرد يهزني ...تلفحت بشال ثقيل من الصوف .....وتكومت على نفسي في زاوية الغرفة ...

غرقت في إحساس بليد بالتعاسة .

أف ...أف ما هذا القرف ؟

ساعة الحائط تدق ....تدق وتسخر من كلينا . أنا تغمرني الكآبة ....وهو يلملم أشياءه ....ويرمي بها في الحقيبة .

يبدو عصبيا وقلقا ....وبين الحين والآخر يسلط نظراته المتفحصة على وجهي ...كأضواء كاشفة .

إنه يسجل أو ....أو يراقب إحساسي في هذه اللحظة ...وأنا أبدو كشريحة صغيرة تحت عدسة مجهر دقيق .

أتساءل بمرارة : ترى هل يفهم إحساسي في هذه اللحظة .

- 2-

تصطخب أعماقي ....تجتمع الأحاسيس المتضاربة ....في داخلي ... وتعقد مؤتمرا صغيرا ...تتفاعل ....الحرارة تشتد ...تشتد أكثر ....فتنطلق الشرارة ....شرارة الغضب ...شرارة الثورة .

وأنا ...أنا أحاول السيطرة على هذه الثورة . أتوسل بما تبقى لدي من قدرة على الحزم .

رائحة الموت تتصاعد من أنفاسي المحترقة . العفونة ثانية ...العفونة تخنقني وهو ....هو ما زال يرتب الحقيبة أو يتظاهر بذلك .

هو مازال عصبيا ....شددت الشال حول جسدي ....شددته بقوة .

الخوف من شيء ....شيء مجهول يدب في أوصالي . !

اللعنة ....أية قذارة ؟

تلك الساعة تستنزف هدوئي ....ما زالت تدق . عقاربها تدور ...تذكرني بمرور الزمن ....الزمن يدوسنا ويمضي سريعا .

يمضي بغرور ...الصراصير اللعينة تضاعف من شعوري بالضيق والكآبة .

انتهى من ترتيب حقيبته وسار نحوي ... سار بخطوات هادئة ثم وقف أمامي وتأملني في صمت كانت شفتاي مقفلتين بقسوة وملامحي صارمة ...جادة كخطوط مستقيمة .

انفرجت شفتاه قليلا ثم قال بتلعثم : أنا مسافر ..ألا تقومين لوداعي؟

-3-

تتصاعد رائحة الموت في داخلي .. تصل إلى فمي ...تضطرب أعماقي كبحر هائج ...تزداد الشرارة اشتعالا .... تتضاعف الثورة ... تزحف كالوحش ... أحاول الضغط على نفسي .

أحاول الوقوف في وجه العاصفة .

يا إلهي ..! ما زال يلح ..أنا مسافر ... مسافر ... تطلعت إليه بملل وبرود .

زممت شفتي وهززت رأسي ....أنت ....أنت مسافر .

ههههه ...ها ..مسافر ....الكلمة تجلدني كالسوط ....تغوص في قلبي كالخنجر ....تحرق أعصابي .

ما زال يلح ....أنا مسافر ألا تقومين لوداعي ؟

يا لهذا الرجل يبدو كالحائط الأصم.....ألا يحس ؟

إلحاحه المتواصل يستنفذ مقاومتي ....يضاعف من غضبي .

لم أتمالك نفسي ....انفجرت في وجهه ....كعبوة ناسفة .

صرخت دون وعي : مسافر ....أنت دائما مسافر ....دائما !

اللعنة على السفر ....وتلك الحقيبة التي لا أكاد أفرغها ....حتى أملأها ثانية

اللعنة على كل شيء

تعبت ...تعبت من الوحدة القاتلة ....من ملامح الوداع الكالحة ....التي تطالعني في كل يوم جمعة ...من كل أسبوع .

أووه .....تعبت !

مللت من هذه الحياة ....مللت وأنا أعيش التوسلات . أتوسل إلى عقارب الساعة لتسير بسرعة ....إلى اللحظات والدقائق لتمر ....إلى الهاتف لكي يرن ....لعله أنت من سوف يتصل ....مللت .

- 4 -

حسنا لا جدوى من الحزم والضغط والصمت ....لا جدوى . لقد انهارت مقاومتي أخيرا ....فانفجرت ثم تحولت إلى شظايا حارقة .

لا ...لا أريد أبدا أن تحرقه الشظايا . لا أريد أن يتألم ....أريد فقط أن يقدر إحساسي ....أن يتدبر أمره ....فيبقى إلى جانبي .

تعلقت ثانية بأذيال الصمت ....وتعجبت من هدوئه الشديد . جلس إلى جواري ....وتبسم قائلا : انا أقدر هذه المشاعر ....ويؤلمني أن تعيشي حياة كهذه ...ولكن ماذا أفعل ؟

أنت تعلمين أنني أعمل في المدينة . لا يمكن أن أشتري بيتا أو حتى أستأجر شقة ....لأنني لا أملك مالا كافيا . وبالطبع لا يمكنني ترك عملي ...والبقاء إلى جوارك في القرية .

ثم ....ثم لماذا أنت وحيدة ؟

إنك تعيشين بين الأهل والأصدقاء !

قاطعته بحدة : لكنني لست بحاجة إلى الأهل والأصدقاء ....أنا بحاجة إليك أنت .

بحاجة إلى أن نتحدث ...نضحك ...نتشاجر ....نحلم ونخطط لحياتنا سويا .

أنا بحاجة إليك أنت ...هل تفهم ؟

تنفس الصعداء ثم قال : ما جدوى هذا الحوار ؟

أعني أنه حوار بيزنطي ...!

سكت على مضض ....ظللت أتأمله ....يا له من بحار مسكين !

تكسرت كل مجاديفه ....وارتطم قاربه الصغير بصخور اليأس . كنت أشفق عليه .....وهو ينقل نظرات حيرى بيني وبين ساعة يده . لا شك أنه كان يتمنى أن يجدني فجأة ألوح له بيدي وأقول : في أمان الله ....لكنني خيبت كل آماله .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007