[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الحزن الدافئ الحزن الدافئ
التاريخ:  القراءات:(5305) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  

- 1 -

الحياة فصول أربعة .... ولكن ....لكن حياتي فصل واحد ....شتاء مستمر ....لاهث الأنفاس .

أيام مطيرة وأجواء غائمة . الضباب الكثيف يحتضن كل شيء .

برد قارس ....كآبة ....سكون رتيب ....رطوبة ولا شيء آخر .

لا شيء سوى العفونة ....العفونة التي تمتد إلى كل شيء ....حتى إل مشاعرنا وأنفاسنا ..

إحساسنا بالأشياء من حولنا .....يتضاءل تدريجيا .

يتساقط كما تتساقط أوراق الأشجار في الخريف و ....ويموت . أحيانا تتملكنا الرغبة في التحرر من الزمان والمكان وكل شيء .

يخيل إلينا أننا نغوص ونغوص في بحيرة من الصمت والفراغ الهائل . نكاد لا نشعر بصخب الحياة من حولنا .

البرد يهزني ...تلفحت بشال ثقيل من الصوف .....وتكومت على نفسي في زاوية الغرفة ...

غرقت في إحساس بليد بالتعاسة .

أف ...أف ما هذا القرف ؟

ساعة الحائط تدق ....تدق وتسخر من كلينا . أنا تغمرني الكآبة ....وهو يلملم أشياءه ....ويرمي بها في الحقيبة .

يبدو عصبيا وقلقا ....وبين الحين والآخر يسلط نظراته المتفحصة على وجهي ...كأضواء كاشفة .

إنه يسجل أو ....أو يراقب إحساسي في هذه اللحظة ...وأنا أبدو كشريحة صغيرة تحت عدسة مجهر دقيق .

أتساءل بمرارة : ترى هل يفهم إحساسي في هذه اللحظة .

- 2-

تصطخب أعماقي ....تجتمع الأحاسيس المتضاربة ....في داخلي ... وتعقد مؤتمرا صغيرا ...تتفاعل ....الحرارة تشتد ...تشتد أكثر ....فتنطلق الشرارة ....شرارة الغضب ...شرارة الثورة .

وأنا ...أنا أحاول السيطرة على هذه الثورة . أتوسل بما تبقى لدي من قدرة على الحزم .

رائحة الموت تتصاعد من أنفاسي المحترقة . العفونة ثانية ...العفونة تخنقني وهو ....هو ما زال يرتب الحقيبة أو يتظاهر بذلك .

هو مازال عصبيا ....شددت اللحاف حول جسدي ....شددته بقوة .

الخوف من شيء ....شيء مجهول يدب في أوصالي . !

اللعنة ....أية قذارة ؟

تلك الساعة تستنزف هدوئي ....ما زالت تدق . عقاربها تدور ...تذكرني بمرور الزمن ....الزمن يدوسنا ويمضي سريعا .

يمضي بغرور ...الصراصير اللعينة تضاعف من شعوري بالضيق والكآبة .

انتهى من ترتيب حقيبته وسار نحوي ... سار بخطوات هادئة ثم وقف أمامي وتأملني في صمت كانت شفتاي مقفلتين بقسوة وملامحي صارمة ...جادة كخطوط مستقيمة .

انفرجت شفتها قليلا ثم قال بتلعثم : أنا مسافر ..ألا تقومين لوداعي؟

-3-

تتصاعد رائحة الموت في داخلي .. تصل إلى فمي ...تضطرب اعماقي كبحر هائج ...تزداد الشرارة اشتعالا .... تتضاعف الثورة ... تزحف كالوحش ... أحاول الضغط على نفسي .

أحاول الوقوف في وجه العاصفة .

يا إلهي ..! ما زال يلح ..أنا مسافر ... مسافر ... تطلعت إليه بملل وبرود .

زممت شفتي وهززت رأسي ....أنت ....أنت مسافر .

ههههه ...ها ..مسافر ....الكلمة تجلدني كالسوط ....تغوص في قلبي كالخنجر ....تحرق أعصابي .

ما زال يلح ....أنا مسافر ألا تقومين لوداعي ؟

يا لهذا الرجل يبدو كالحائط الأصم.....ألا يحس ؟

إلحاحه المتواصل يستنفذ مقاومتي ....يضاعف من غضبي .

لم أتمالك نفسي ....انفجرت في وجهه ....كعبوة ناسفة .

صرخت دون وعي : مسافر ....أنت دائما مسافر ....دائما !

اللعنة على السفر ....وتلك الحقيبة التي لا أكاد أفرغها ....حتى أملأها ثانية

اللعنة على كل شيء

تعبت ...تعبت من الوحدة القاتلة ....من ملامح الوداع الكالحة ....التي تطالعني في كل يوم جمعة ...من كل أسبوع .

أووه .....تعبت !

مللت من هذه الحياة ....مللت وأنا أعيش التوسلات . أتوسل إلى عقارب الساعة لتسير بسرعة ....إل اللحظات والدقائق لتمر ....إلى الهاتف لكي يرن ....لعله أنت من سوف يتصل ....مللت .

- 4 -

حسنا لا جدوى من الحزم والضغط والصمت ....لا جدوى . لقد انهارت مقاومتي أخيرا ....فانفجرت ثم تحولت إلى شظايا حارقة .

لا ...لا أريد أبدا أن تحرقه الشظايا . لا أريد أن يتألم ....أريد فقط أن يقدر إحساسي ....أن يتدبر أمره ....فيبقى إلى جانبي .

تعلقت ثانية بأذيال الصمت ....وتعجبت من هدوئه الشديد . جلس إلى جواري ....وتبسم قائلا : انا أقدر هذه المشاعر ....ويؤلمني أن تعيشي حياة كهذه ...ولكن ماذا أفعل ؟

أنت تعلمين أنني أعمل في المدينة . لا يمكن أن أشتري بيتا أو حتى أستأجر شقة ....لأنني لا أملك مالا كافيا . وبالطبع لا يمكنني ترك عملي ...والبقاء إلى جوارك في القرية .

ثم ....ثم لماذا أنت وحيدة ؟

إنك تعيشين بين الأهل والأصدقاء !

قاطعته بحدة : لكنني لست بحاجة إلى الأهل والأصدقاء ....أنا بحاجة إليك أنت .

بحاجة إلى أن نتحدث ...نضحك ...نتشاجر ....نحلو ونخطط لحياتنا سويا .

أنا بحاجة إليك أنت ...هل تفهم ؟

تنفس الصعداء ثم قال : ما جدوى هذا الحوار ؟

أعني أنه حوار بيزنطي ...!

سكت على مضض ....ظللت أتأمله ....يا له من بحار مسكين !

تكسرت كل مجاديفه ....وارتطم قاربه الصغير بصخور اليأس . كنت أشفق عليه .....وهو ينقل نظرات حيرى بيني وبين ساعة يده . لا شك أنه كان يتمنى أن يجدني فجأة ألوح له بيدي وأقول : في أمان الله ....لكنني خيبت كل آماله .

- 5-

السكون المخيف يملأ الغرفة ....ساعة الحائط تدق ...الريح تصفر في الخارج ....ورذاذ المطر بدأ يتساقط ...أنا وهو ....كلانا مستغرق في الصمت .

هو : ألم تقتنعي بعد ؟

أنا : كلا ...كلا .

تأفف وقال : يا الله ...كم أنت عنيدة ...إلى حد الحماقة ؟!

ألا ترين أنك تحبين نفسك كثيرا . صرخت ....ثرت ...تأففت ولكنني قابلت هذه العاصفة ...بصدر واسع .

كم أنت أنانية ؟

تحدثت عن الوحدة والمعاناة والضجر ....وأنا أنا ألست أعاني يا عزيزتي ؟

تبسم في سخرية وتابع : أنا هناك ...هناك أعمل وأعرق وأتعب لأجمع لك المال .

هناك أضيع في دوامة الصخب والعمل الدائب ...لكنني صبرت ...صبرت من أجل مستقبلنا .

هنا يبرز الفرق بيننا واضحا .

وفي كل أسبوع ...أحمل حقيبتي وهمومي وأهرب إليك . تمنيت أن تذيبي معاناتي ومتاعبي بابتسامة صغيرة .

تمنيت أن تكوني الواحة التي أستريح فيها من تعب المشوار.

لكنك ...لكنك مع الأسف بددت كل أمنياتي ...وحولت يوم راحتي الوحيد إلى يوم للثورة ...والصراخ والجدل العقيم ...ولم يضف كلمة واحدة .

تطلعت إليه بنظرة حائرة منكسرة ...ثم دفنت وجهي بين كفي .

انتظر أن أقول شيئا ...لكنني لم أفعل .

جر حقيبته وسار نحو الباب . تلكأ قليلا والتفت نحوي ....نظر إلي نظرة حافلة بالعتاب ...عتاب صارم ...لكنه ودود .

فتح الباب ومضى . بقيت وحيدة ...الندم يصفع خدي بيد غليظة .

ملاحظة :

هذه القصة كانت ضمن المجموعة الفائزة بجائزة أبها الثقافية عام 1409

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007