[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
يرحل وحيدا  يرحل وحيدا
التاريخ:  القراءات:(5435) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
يسافر وحيداً

-1-

اعتصر يدها الصغيرة، الطرية، في لهفة عميقة. ثم قبض على أصابعها بقسوة، أفزعتها وأدهشتها في آن، حدّق في وجهها، بنظرة ملؤها التردد والحيرة . ضم شفتيه قليلاً، كمن يود الحديث ثم، ثم ابتسم تلك الابتسامة التي عهدتها من قبل، ابتسامة غامضة، ساخرة داخلها شعور خفي بالقلق .. لم تألف نظراته، ولا ابتسامته تلك. توقعت أشياء غريبة، خلف سلوكه المفاجئ أغمض عينيه متأثراً، وأطبق شفتيه بضيق ثم تنفس بعمق ما بك؟ سألته في رفق وخوف .

أعدك أيتها الغالية، أعدك بأنني لن أتأخر أبداً ... ثم صمت. فغرت فاها من الدهشة، وكذلك عينيها، تقطب جبينها ثم ابتسمت لتداري شعورها بالتوتر والقلق والغرابة .

سحبت يدها برفق، حيث تخلصت من قبضته المتلهفة القاسية. ترددت الأنفاس الحارة بينهما، وعبق المكان برائحة الدهشة، والمفاجأة والخوف.

صمت كلاهما، كمن يبحث عن فرصة للهروب من انفعالاته الشديدة.. التقت نظراتهما لحظات، اشتعلت بالتوجس والخوف قطعت حبل الصمت المعلق بينهما وسألته: ماذا تقصد؟ ولماذا تتأخر؟ وأين ستذهب؟

أغرقته بوابل من الأسئلة بينما اكتفى هو بالصمت ريثما تنتهي ..

أشاح بنظراته بعيداً، ثم نهض ليقف بجوار النافذة .

سألته بإلحاح : هل من ضرورة للذهاب ؟

لدي عمل، عمل هام لا يحتمل التأخير.

انحنى ليأخذ ملفاً، يحوي أوراقاً كثيرة. تلهّى بتقليب تلك الأوراق. استرخت في جلستها، أغمضت عينيها وتنفست بعمق، ثم كفت عن طرح الأسئلة .

كان هو في الحقيقة يرقبها، يتفحص نظراتها وانفعالاتها وحركات أصابعها، التي تقوست في توتر على طرف الكرسي. أليس غريباً أن تفكر بالعمل ونحن ... ثم سكتت.

تأوه قائلاً : آسف، آسف يا عزيزتي. ولكن هناك أعمالاً لا تؤجل .

ابتسمت وهي تنظر إليه، تتأمله، كان يستند على ذراع كرسيها. حقاً، إنني اكتشف الآن فيك صفة بغيضة قهقه عالياً : صفة بغيضة !

أجل يا عزيزي .

حسناً، ما هي ؟

أنت كما يبدو لي مولع بالمال. قهقه ثانية: أنا فقط ..!

لا ، كلنا نهتم بالمال . نطقها بتصميم وثقة كبيرة .. ونحن نكذب، عندما ندعي غير ذلك ..!

ضحكت بصوت عذب، خفيض. ثم رفعت رأسها قليلاً، لتتأمله وهو يجلس قبالتها. تبدى لها غريباً للغاية ، كأنها لم تعرفه ولم تعاشره قط. استوحشت ضحكته الخشنة، الباردة ونظرة الطمع التي برقت بها عيناه .

حسناً، حسناً يبدو أننا مختلفان في أمور كثيرة .

أخبرني، هل ستسافر لوحدك ؟

ربما يسافر معي صديق، أو أحد الموظفين بالمؤسسة .

هزت رأسها قائلة : لابد من رفقة طيبة على كل حال، فالإنسان يستوحش عندما يرحل لوحده .

يرحل ...! كلاّ لست براحل، فأنا مسافر وسوف أعود قريباً .

آه ... السفر هو رحيل أيضاً، هو غياب وفقدان واغتراب ..

أوه .. أنت هكذا دائماً ، تضفين على الأمور رقة من رقتك، وقبساً من نيران قلبك .

طرفت عيناها قليلاً، وشبكت أصابعها في أسف، وتسآءلت بنبرة عاتبة . ترى؟ من يكون ذلك الصديق ؟

ليس هناك صديق بعينه، فلدي أصدقاء كثيرون .

هنيئاً ، هنيئاً لذلك الصديق ...!

قالتها في نبرة تضج بالعتب والأسف والسخرية أيضاً أحاط كتفيها بذراعه، ورفع خصلات الشعر المتناثرة على جبينها . بدا والهاً أشد الوله، وقال بنبرة خطابية متصنعاً الرقة : تمنيت لو ترافقيني . ستكون الرفقة الجميلة حقاً . ثم رفع حاجبيه وعض على شفته السفلى .

لا شك، سوف أفتقدك أيتها الغالية .

حقاً ! قالتها ثم حركت رأسها قليلاً، وبدت مليئة بالسخرية والدهشة .

ـ 2 ـ

تصافحتا ثم تعانقتا بحرارة وشوق: أخيراً حظينا برؤيتك يا هدى.

ترى؟ ألا زلت تذكرين جلساتنا، وأمسياتنا الجميلة؟ أم أنك غرقت في بحر العسل، ثم فقدت الذاكرة.

بحر العسل ...! أي عسل يا نورة ؟

لا ، لا تتظاهري بالتعاسة، فلن أحسدك يا صديقتي ها .. أين هو ؟

من ..؟ من تقصدين ؟

شهريار، الملك السعيد ، المبجل .

ضحكت هدى من صميم فؤادها، وقرصت صديقتها قائلة: لا زلت كما أنت، ثرثارة، فظيعة لا تطاقين... ثم غرقتا معاً في ضحكة صافية .

أين زوجك يا عزيزتي ؟

مسافر، ذهب لينجز أعمالاً هامة .

لوت شفتيها وتأففت قائلة : يا له من رجل !

يسافر ولا زلتما في شهر العسل !

ـ 3 ـ

صمتت شهرزاد ، تعطلت لديها لغة الحكي، ضاعت الحكايات في الليالي المقمرة، المفعمة بالرغبة في الفوز والرضا والسعادة . رحل بعيداً، هناك في مدينة من مدائن هذا العالم الموبوء. لم يعد بشوق إلى حكاياتها العتيقة . إنه هناك، ينعم بحرية بلا حدود. هناك حيث يجوز له أن يفعل كل شيء. هرب من حكايات شهرزاد الفاتنة، الذكية التي جادلته طويلاً، لتوقظ في أعماقه الوعي، والشعور الإنساني النبيل. هناك سوف يستريح، سوف يغفو مثل طفل على صدر مثقل بشوق كذاب، ولهفة مصطنعة، ورغبة شرسة تتظاهر بالحب. سيفقد الوعي بكل سعادة وامتنان، سيبذل لهم عقله المكدود ، وفكره المرهق، وماله الوفير. هجر امرأة متحرزة، متحفزة دائماً للدفاع عن مبدأ الصواب إلى امرأة أخرى .

امرأة ذات جسد لين، وبشرة صارخة بالألوان، وصدر من المطاط. امرأة رخامية، رخيصة، ذات عيون مفتوحة بلا أهداب .

امرأة تبذل له نفسها، وتمنحه ما يريد دون حياء أو شعور بالذنب .

وهو متعب، يجري مسعوراً خلف المال، يجمعه بنهم، ويدوس في طريقه على الكثير من الرقاب .

ثم يذهب إلى هناك ، يبدده تحت أقدام البغايا، امتلأت قرفاً، وقاومت رغبتها في التقيؤ، كلما تذكرت تلك الجملة، التي سمعتها في كل مكان: رأوه هناك، يفعل كل مشين ...!

تندر به الناس في جلساتهم الخاصة، كان هناك يغرق في جو مشحون بالرغبات الدنسة، والرقصات الماجنة .

رأوه نعم، وجاءوا يحكون، حكايات شهريار المخزية شهريار الذي بذل آخر قطرة من رجولته ومروءته تحت أقدام التماثيل المطاطية، القذرة .

ـ 4 ـ

مالي ؟ ما هذه القوة الخارقة التي تسحق روحي ؟ ما هذه الكآبة الثقيلة التي تسكنني؟ مالي؟ هل استسلم وأسقط كمحارب جسور، خسر معركته الفاصلة؟ ماذا دهاني؟ لم تحجرت مشاعري هكذا، وكأنني تمثال رخامي منذ آلاف السنين؟

من هؤلاء النسوة ، اللائي يقطن في داخلي ؟

عيونهن تنظر من خلال عيني، وقلوبهن تخفق في قلبي، من أنا؟ هل أن المرأة المستكينة، المنكسرة دوماً، لا تكاد ترفع صوتها قليلاً، لتسمع الآخرين كلمتها؟

هل أقبل أن أكون كذلك ؟ كلاّ .

من أكون إذن؟

أأنا قوية إلى حد القسوة والتدمير ؟

هل أنا رقيقة الفؤاد، أم شرسة ومتحفزة كلبؤة في برية ؟

من أنا ؟ هل أنا شهرزاد التي ظلت تحكي لألف ليلة من أجل شهريار المخبول، المولع بسفح الدماء ؟

ـ 5 ـ

صافحته بيد باردة، سحبتها بسرعة ونظرت إليه، نظرة خابية، خالية من الشوق، انسربت جفوتها إلى جذور قلبه .

مرحباً بك ..! ثم نادت الخادمة بعصبية لتحمل الحقائب .

وقف طويلاً عند الباب، نظر إليها مندهشاً ثم هتف عاتباً .. هدى !

حبيبتي .. ماذا بك ؟ هل أنت مريضة ؟

لوت شفتيها ونفخت بغيظ .كلاّ لست مريضة لماذا تصورت ذلك ؟

عيناك خابيتان، وشفتاك ذابلتان، وجسدك هزيل .

ربما، ربما تكون على حق .

أنا آسف، أعرف أنني قد تأخرت ولكن ..

قاطعته بحدة وصرامة: كلاّ لم تتأخر يا عزيزي .

تبسم وهو يقول : ألم تشتاقي إليَّ يا هدى ؟!

انفلتت تضحك بجنون، ضحكة غريبة، باردة وسقط المنديل من يدها أثناء ذلك.

مرت لحظات من الصمت المميت ، المتحفز بينهما ثم تحدثت بهزء وثبات.

إن كل شيء هنا قد اشتاق إلى رؤياك، الجدران، الستائر، المقاعد، المكتبة، و....

استوقفها بعصبية : وأنت ... أنت !!

أوه أنا .. أنا لم أعد صالحة لمثل هذه المشاعر . اعتقد أنني قد فقدت إنسانيتي ..

لم أيتها الغالية ؟

صاحت بغضب: ألن تكف عن تصنع الرقة وادعاء المحبة أيها التاجر ؟

أما سئمت من الخداع ؟

أي خداع؟ أنت لست على ما يرام .

جذبها من يدها برفق : اجلسي هنا بقربي، ودعيني أحك لك عن ....

قاطعته بتهكم ـ تحكي...! عن ماذا تريد أن تحكي...؟

لقد فات أوان الحكي يا عزيزي، فأنباء غزواتك الظافرة قد وصلتنا، أجل والرائحة العفنة قد ملأت الأنوف. والفضائح قد سارت على كل لسان .

دمدم غاضباً ، ماذا تعنين ؟

صرخت بهياج، أنت تعرف جيداً ما أعني، لا تتظاهر بالبراءة، فأنت غارق في الغواية .

اسمعي، لقد مللت من هذه الكلمات العقيمة، فتحدثي بصراحة .

حدجته بنظرة ازدراء وقلبت شفتيها، ثم نهضت بسرعة لتغادر المكان .

جذب ذراعها بعنف قائلاً : انتظري .

نترت يده في قسوة وصاحت بتقزز وهياج، لا تلمسني، لا تلمسني!

دمدم مهتاجاً وغرز أظافره في جسدها حقاً، منذ متى ؟!

أنت تعتقدين أن بإمكانك محاسبتي، وتحديد العقاب المناسب لي...!

أنت مخطئة .. وينبغي أن تعرفي جيداً أنني هنا الرجل ويجوز لي أن أفعل ما أشاء .

أنا الرجل ، هل فهمت ؟

لوت شفتيها متقززة.

أفيقي، فأنت مجرد امرأة فارغة ، حمقاء وبدائية تحيا بأفكار عتيقة وسخيفة للغاية .

حقاً، أنا فارغة وسخيفة ...؟ لم تزوجتني إذن ؟

رفع حاجبيه في كبرياء، ونفخ بغيظ قائلاً :

تزوجتك لأنني أردت ذلك .. ثم تركها واقفة في مكانها، وقد أخرستها ردوده الصلفة ، القاسية، ونظرته المتعالية إلى نفسه .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007