[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الـدّلـوبـج* 
التاريخ:  القراءات:(9868) قراءة  التعليقات:(15) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  

يمكن أن نطلق كلمة الدلوبج على بعض أشخاص هذه القصة؛ فمثلاً شويلح الدلوبج ذو الوجه المدور الأحمر، و الشعر البني ، والكتفين العريضين، والقامة القصيرة، لم يكن يعرج كما هو الآن ، لكنه بعد سقوطه من النخلة الطويلة، التي ترتفع بجانب قلعة حسن الدلوبج  ، كسرت ساقه، وجلس شهرين ممددا، وعندما تعافت ، كانت أقصر من الأخرى، ولكونه لم يتعود أن يلبس نعلين، فقد صار أعرجا، وتقبل ذلك كما تقبل مشيته سكان قريته، ولم يعد يعير انتباها للأولاد وهم يلاحقونه بألفاظهم المشينة. عاد لممارسة عمله بنشاط أقوى، وكلما أثمرت النخيل صارت أيامه ممتلئة بالمواعيد، حتى أصبح يخط على الجدار، بجانب باب بيته خطوطا طولية ، برأس منجله لكل من يعطيه موعدا:

ـ السبت أكون عندك .

و عندما يأتي مزارع آخر يدقق في الخطوط المستقيمة ويقول له :

ـ الأحد لك ، فالسبت عند ناصر  الدلوبج .

و عند عودته قبل غياب الشمس،من نخيل ناصر يمر بحركة سريعة من رأس منجله على خط ناصر ويحفره مرتين حتى يصبح أكثر عمقا دلالة أنجاز عمله .يسكن في بيت طيني صغير ، ليس بعيدا عن المزارع ، بجوار المسجد .تلاصقه دار العجوز مغيضه الدلوبج ،و التي لا تربطه بها أية صلة غير الجوار والنكد، و هي  لا تُرى إلا في الضحى، عندما يذهب الجميع إلى أعمالهم، وتبقى  العجائز.فتزورهن و تتحدث عمّا سمعته البارحة وهي تنام في سطحها:

ـ رأيت البارحة شهابا يسقط ناحية القرية الشمالية ، لابد أن الشياطين أغلب سكانها .المؤذن غصّ وهو يتنحنح قبل أذان الفجر ، لابد أنه أكثر من أكل اللحم . سمعت ضحكة  زوجة شويلح  منتصف الليل ، لا أدري من أضحكها ! هل نزل شويلح إلى المدينة ؟ من كان معها ؟ لم أسمع سالفة الدلوبج تضحك من قبل ..أعوذ بالله . تعرفن ، أنا سمعي ضعيف وكذلك عيني !! ثم تقوم بعد أن تلملم في صرتها بقايا الأكل . تهمهم العجائز، ويلتفتن إلى بعضهن وهن يغمزن بعيونهن الكليلة وكأنهن يتضاحكن . .. في المساء تصعد مع درجات السطح ، وتفرش لحافها و تستقبل القبلة وتصلي ثم تستلقي مصغية إلى أي صوت حتى يأخذها النوم . وعندما يفتح المؤذن باب المسجد ترفع عنقها ، وتتصيد وقع أقدام المصلين وتعرفهم من مشيتهم ، و نحنحاتهم . تحدث نفسها وسط الظلمة، قابعة على فراشها : هذا شويلح خرج من بيته ، يمشي الآن بجانب السور، يلف يسارا و يتنحنح بقوة، ثم يبصق في الخفيس الذي تجاوره أشجار الأثل الطويلة، إنه مسكن للجن،وقد أرسل الله إليه شهابا خفسه وقتل الجان، لكنهم ، دائماً، يعودون من جديد ويسكنون فيه .يقترب شويلح من المسجد ، ويتنحنح ، ويدخل ، هذا  ابن خلف يتبعه، وهذه نحنحة موسى..تحدث نفسها بين يقظة ونوم، حتى إذا كوتها أشعة الشمس ، لفت فراشها ونزلت مع الدرج استعدادا للخروج إلى صديقاتها .

في ذلك اليوم هالتها المفاجأة ، إذ قلن لها بأن سالفة الدلوبج حامل ! أكدن لها أن المُولِّدة لطيفة قالت ذلك، وأنها جسّت بطنها ، وتأكدت من ذلك ، وعندما باركت لشويلح ، التفت إليها وهو يخرج إلى العمل متسائلا: ماذا ؟ ثم أومأ بمنجله وهو يغادر.

الآن أصبحت مغيضه تتابع بدقة ما يحدث في السطح، تقوم على مهل وتلصق أذنها بالجدار الفاصل بين سطحها وسطح شويلح ، وتصيخ سمعها، تظل هكذا حتى تتعب وتعود إلى فراشها، لم تسمع أي صوت من شويلح أو زوجته سالفة، إلا مرة واحدة سمعت أنينا من المرأة ، وهمهمة لم تفهمها من شويلح . لكنها وهي تتابعه خارجا لصلاة الفجر، سمعته يتنحنح ، ويبصق ثلاث مرات على الجن في مسكنهم .

الآن وقد عزمت النسوة على زيارة سالفة ، فقد كانت الأولى التي تقرع الباب ، وتدفعه وتدخل متنحنحة وداعية :

ـ يا أهل البيت ؟ سالفة أين أنت ؟

خرجت سالفة من غرفتها تدلي بوشاح مشجر على كتفيها ، وتضع إحدى يديها تحت بطنها المنتفخ ، وكأنها تخاف أن يسقط .باركت لها ، وهي تتناول فنجان القهوة ، وتدخل تمرة في فمها الأدرد ، وعندما تكاثرت العجائز . لم تمل من ترديد قولها : متى يفرج الله عنك وتلدين ؟ وكانت إجابة سالفة دائما : الله أعلم .

في يوم آخر  علا صراخ سالفة بعد صلاة العشاء، وسمعت مغيضه شويلح يصرخ وكأنه يحملها ، بدا الصوت ينحدر ، ثم سمعت صوت ركض شويلح ، وعرفت بعد قليل صوت لطيفة من غنتها ، وهي تبسمل وتحوقل ، وتدخل الدار. انتظرت على أكثر من جمر ، حتى سمعت صراخ المولود . ودت لو نزلت ودارت وفتحت بابهم ثم دخلت ، ولكنها تمالكت نفسها ، وتشاغلت بالشهب التي ترجم الشياطين ، حتى غلبها النوم .ذهبت مبكرة في الصباح ، وسلمت على العجائز، وجلست متلهفة ، وكانت لطيفة جالسة ، فقالت لها :

ـ كيف المولود ؟

لم تجب لطيفة ، ونظرت النسوة في وجوه بعضهن . ألحت بالسؤال .. ولم تسمع جوابا . أمسكت بكم لطيفة وهزتها و قالت : أخبريني . تلفتت لطيفة وقالت بصوت هامس :

ـ الولد لا يشبه شويلح ؟

ـ ماذا ؟ من يشبه ؟

ـ مدخل !! مثل مدخل الخالق الناطق !!

ـ قامت لطيفة ، وخرجت وكأنها تفرّ ، وهي تقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..

تذكرت مغيضه أنها رأت الشاب مدخل بن اللقّاط الدلوبج الذي يعمل في المدينة ، ويأتي إلى أهله مرة كل أسبوع ، أكثر من مرة ، نعم رأته مارا قرب المسجد ، متجها إلى بيت سالفة، وكأنه سيدق بابها ، وتذكرت أنه قال لها مرة : مرحبا يا خالة . وهو يمشي مسرعا ..

تلفتت حولها ، وفتحت عبها ، وتفلت عدة مرات وهي تتعوذ من الشيطان الرجيم .

كثر الهمس بين النساء ، و وصل إلى الرجال ، و تشعبت الأقاويل ، وكان أن ألمح إمام المسجد بأن الذين يرمون المحصنات مأواهم النار . لكن ذلك لم يثن الألسن عن ترديد الأقاويل، حتى جاء مطر الأيام الثلاثة، الذي جرفت سيوله المحاصيل والأنعام ، وحولت جدران البيوت إلى طين يتساقط على ما فيها . وبقيت أغلب الأسر عرايا في خيم رثة ، وفتك الجوع والبرد بالأطفال ، وسمع من يقول أنه عذاب من الله ، وانشغل الناس بالخسائر والأمراض، ناسين سالفة ، وابنها عبد الله ، الذي بدأ طفلا مليئا بالحيوية ، مشبها لمدخل اللقّاط. ، و عندما تم زفه إلى المدرسة الجديدة في القرية مع مجموعة أطفالها ، عاد من يلوك الكلام ، لكن ذلك لم يدم طويلا ، إذ تقاطر الرجال على مدير المدرسة الكهل ، سائلين :

ـ من سيعلم أطفالنا ؟ هل هو هذا الرجل الذي يختلف لون جلده عن لون جلودنا !!

وكان قد قدم إلى القرية مدير المدرسة الجديدة، ومعه معلم شاب أسود البشرة . رفض الرجال ذلك ، وولولت بعض النسوة في البيوت . لم يطل الأمر ، فقد صلى المدير والمعلم مع الجماعة صلاة العصر، وقام الإمام بعد الصلاة وخطب فيهم ، قائلا بأن هذا الرجل الذي تقولون عنه ما تقولون ، يحمل القرآن في صدره ، وذكرهم ببلال بن رباح .فطأطؤا رؤوسهم !

في الصباح تقاطر الرجال مع صغارهم إلى مبنى المدرسة القريب من المسجد ، وتعجبوا كيف اصطف أولادهم في خط طويل مقلدين حركات المعلم ، وكأنهم جنود . قال أحدهم :

ـ الله يخلف علينا عيالنا ، ستأخذهم الحكومة لعساكرها !!

و انصرف ، لكن ذلك لم يؤثر في الجمع الذين بان الفرح على وجوههم ، وهم يرون الأطفال يتقاذفون الكرة في الباحة الملاصقة للمدرسة .وقد تعدى الأمر أن أقسم عقيل الدلوبج أن غداء المدير والأستاذ في بيته اليوم ، و أطلق يمينا بالطلاق سمعها الجميع أن الذبائح تم نحرها ، وأن الكل مدعو للغداء .. تلمظ كثيرون ، وسالت لعابات كثيرة وهم يمسحون على كروشهم الضامرة ، فهاهو موسم فيه لحم قد جاء . شويلح كان مع الواقفين ،  مشى بعرجته ، وهو يلتفت إلى ابنه عبد الله ، ويبتسم .

كان يمكن لشويلح و زوجته أن يطويهما زمن القرية الراكد، لكن إعلان لطيفة التي فاجأت جمع العجائز ، وهي تقول بثقة :

ـ سالفة الدلوبج حامل !!

و مدت كفها المعروق وهي تؤكد :

ـ جسست بطنها بيدي هذه .هي في الشهر الثالث !!

صرخت مغيضه ، وتلفتت وحوقلت و فتحت فمها على اتساعه ، رافعة يديها ، حتى لا يقطع حديثها أحد قائلة بأعلى صوت :

ـ قبل ثلاثة أشهر( ونظرت بعينيها الصغيرتين للوجوه الكامدة )  كنت في سطحي ، أسبح بأمان رب العالمين، وفجأة سمعت ما يشبه حديثا، أو همسا ، و كركرة صغيرة من سطح سالفة ، سمعتها تقول بدلع (أي ). سمعت الضحك، وسمعت خطوات نزولها مع الدرج هي ومن معها .قالت وهي تئن وتضغط بيديها على صدغيها :

ـ ما نمت تلك الليلة . سمعت سالفة، وكأنها .. وكأنها ....

قالت عجوز :

ـ خافي ربك ، يمكن صوت ولدها عبد الله .

و قالت أخرى:

ـ لم تفقدي سمعك ونظرك. بل حتى عقلك . لقد خرفت يا مغيضه.. خافي ربك !!

قامت فرحة منتشية وهي تقول:

ـ قلت لكن من زمان.. هاهي سالفة حامل !!

 خلال يومين وصل حمل سالفة إلى كل الدور، ووقف أحد التلاميذ ضاحكا في وجه عبد الله شويلح الدلوبج قائلا:

ـ يقولون أمك حامل !

ضحك التلاميذ و داروا حول عبد الله حتى دخل المعلم الأسمر فصمتوا .

في مساء صيفي رأت مغيضه مدخل اللقّاط يدس شيئا في يد عبد الله، لم تسمع ما قال له . و مر بالقرب منهم المعلم الأسمر . لم يلتفت كثيرا، مضى حتى نهاية الشارع الصغير. اقتربت حتى رآها مدخل ، وقالت له :

ـ هل هذا هو المعلم ؟

ـ نعم . لقد ذهب ليودّع إمام المسجد.

ـ لماذا؟

ـ يقال أنه نقل إلى المدينة بناء على طلبه !

تذكرت مغيضه هذا اللقاء في يوم حار ، وهي تركض بعد الظهر إلى دار شويلح لتحضر ولادة الطفل الثاني . منعتها لطيفة من التقدم إلى صحن الدار . قالت لها زاجرة :

ـ انتظري هنا، لا تدخلي . عينك حارّة . دعي المسكينة  تلد بسلام .

انتظرت وانتظرت، وانضم إليها بعض النسوة وأطفال فضوليون ،... حتى إذا صرخ بكاء جديد غطى عليه صراخ لطيفة بأعلى صوت ، وقف الجميع وقد توقعوا أن سالفة قد ماتت . أقبلت لطيفة، وهي مكفهرة، و قالت :

ـ اخرجوا جميعا، سالفة لم تمت . أين شويلح . لقد جاء له ولد !

نادت على عبد الله ، فانطلق الأولاد يبحثون عنه وعن أبيه . زفرت وهي تهوي على الأرض ، وقالت :

ـ المولود أسود !!

انطلقت عدة صيحات ، وتهليلات، ودمعت بعض العيون ، وانسحبن خارج البيت . لطيفة جلست على الأرض تهز رأسها .و تنتظر . جاء شويلح قبيل الغروب ، فقالت له وهو يتخطاها داخلا :

ـ مبروك الولد .

بكت أكثر من واحدة من القابعات حول الباب ينتظرن ! لم يسمعن أي صوت لشويلح . وبدأن مع المغيب ينسحبن إلى بيوتهن، و ينشرن الخبر . في الصبح وجد ت مغيضه باب منزل شويلح الطيني الصغير مفتوحا، عند دخولها فرت من أحد الغرف المظلمة قطة سوداء ، دارت في صحن البيت، نادت ، وأطلت في الغرف كلها، كان الشال المشجر مرميا على الأرض ،والبيت خال . تذكرت وهي تروي القصة للمتوافدات من العجائز، أن الإمام وبعض المصلين أخذوا شويلح ،البارحة ، وقادوه إلى زاوية في أقصى المسجد ، بعد انتهاء الصلاة، وخروج المصلين ، قالت: أنها شاهدتهم بعينيها، وهم يهزون أصابعهم في وجهه ، وأنه نكس رأسه، لكنها لم تسمع أي شيء مما دار.

تلفتت النساء بفزع ، وغادرن الدار وهن يسحبن معهن الأسئلة:

ـ هل تم قتل المرأة والطفل الأسود  وعبد الله والدلوبج ؟

ـ هل ذبحهم الدلوبج ؟

ـ هل قام الإمام ومن معه من الرجال بتكميمهم ، و أخذهم ، ورميهم في البئر المهجورة قرب الجبل .

و عندما عاد الأولاد ، ذلك اليوم من المدرسة مؤكدين أن عبد الله بن شويلح الدلوبج لم يحضر اليوم في المدرسة . ركض بعض الأولاد إلى البئر البعيدة ، لم تواتهم الجرأة على أن يطلوا في فوهتها الواسعة السوداء ، غير أنهم أصاخوا السمع علهم يسمعون بعض الأنين ، و عندما يئسوا ، عادوا عصرا يتقاذفون كرة القماش ناسين كل شيء .

 

‏الاثنين‏، حزيران‏ 06‏، 2011


* كلمة ربما تعني البليد !

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007