[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الانتظار أبدا 
التاريخ:  القراءات:(2288) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : السيد الهبيان  
الانتظار أبدا........

* * *

-1-

في المدينة التي لم ترحل عنها بعد.. استمر في البحث عن وجهها بلا ملل .. أنتظر أن ألتقيه في لحظة ما _ قد تكون _ تقطع أسي الليل الطويل الذي نعيشه .. ونرسم علي شفاهنا ابتسامة فرح غابا عنا.. فتخفف من حدة الحزن المتجمد في داخلنا .. و .. ربما استطعنا أن نعيش لحظات الحلم النادر في حياتنا علي إيقاع موجة قلقة تعودناها في زمننا الردئ ..

" يا رفيقة الغربة.. طال انتظاري لك .. وما زال يتطاول دونما نهاية .. فماذا لو تقطعيه ولو مرة واحدة..

أشتاق إليك .. وأترقب لحظة دفء تجمعنا معا .. ونعيشها كأي اثنين تآلفت روحيهما.. وننسي _ فيها _ أحساس الغربة التي نعيشها.. " .

كالعادة يبقي ندائي سجينا في داخلي .. يتردد صداه _ أحيانا _ فيما حولي .. لكن لا مجيب.. وتظل الوجوه التي ألتقيها غريبة عني .. حتى تلك التي أعرف أصحابها.

رغم ذلك أمشي في شوارع المدينة أترقب مفاجأة تزرع وجهها أمام عيني.. فأعيش الصدفة التي أنتظرها من زمن .. لكنني أري انتظاري يطول دونما نهاية .. فأتحسر في داخلي علي ما ضاع منا في زمن اليأس.

* * *

-2-

في البدء كانت نظرة _ كالعادة _ هي التي جمعت بيننا.. لكن من منا رأي الأخر أولا.. لا احد يذكر .. ذابت الحقيقة في تلك اللحظة البكر التي اكتشفنا فيها وجودنا معا.. ذات صباح خريفي شهد بداية ما عشناه _معا _ من احساس أنسانا الغربة التي كنا نعيشها.

كان ذلك الصباح بالنسبة لي مثل كل الأصبحة التي سبقته .. أستقبل فيه يوما من أيامي التي عشتها بلا معني.. وأنا أغرق في بحر هموم لا قاع له.. وكانت نفسي تكاد تكونا خالية من نسمات الحب.. فلم يكن بها _ حينئذ _ غير بقايا حب قديم ترسبت في أعماقها.. وتمر أحيانا بذهني كأية ذكري عابرة .. لذلك لم أكن أنتظر مما سألتقيه غير عاديات اليوم التي كنت أتوقعها..

لكن وجهها كسر رتابة العادة المستمرة إلي حد الملل .. وابعد عني اللامبالاة التي كنت أعيشها.. منذ اللحظة الأولي التي بدا لي فيها أخرجني من زوايا التعب.. وجعلني أشعر بالارتياح الذي فقدته من زمن بعيد يتسلل إلي نفسي.. فمضيت أختلس النظر إليه.. تشدني هالة الحزن التي تكسوه.. وتتراءى لي خطوط الأسى المرتسمة عليه.. بينما كانت _ هي _ كالغائبة عما حولها.. تبدو شاردة أحيانا .. وهائمة أحيانا أخري.. وتبدو في نظراتها الحسرة الممتزجة بالمرارة.. ولم يمض ذلك الحال طويلا .. فقد تطلعت نحوي دونما قصد .. وبدا لها ما افعله في غفلة منها.. عندما اكتشفت أنني كنت اختلس النظر إليها دون أن تدري..

حاولت أن أشيح بوجهي عنها حتى أوهمها بأنها لم تكن هدفا لنظراتي.. لكن تلك المحاولة فقدت معناها بعد أن تكررت بتكرار تطلعها نحوي.. والتقاء نظراتنا للحظات خاطفة .. لكن استمر ما نفعله _ علي ذلك المنوال _ حتى انتهي ذلك اللقاء الذي مر زمنه دون أن ندري.... وافترقنا دونما انتظار لالتقاء آخر .. غير أن ذلك اللقاء العابر كان قد استحوذ في ذهني علي مساحة لا باس بها.

* * *

-3-

وأنا والحزن بيننا عهد .. تجمعت كل بنوده في بند واحد .. لا افتراق ..

لا أدري متي بدأ هذا العهد .. وفي أية لحظة تم الاتفاق عليه .. كلما حاولت أن أعرف تهت بين أيام عمري التي عيشتها .. لا فرق بين بدء المحاولة من حاضري عائدا إلي الماضي الذي يتطاول ورائي أو العكس .. دائما يبدو الحزن كغيمة تغطي حياتي .. وعندما أبحث تحتها عن وقفات الفرح التي مرت بي .. أجدها قليلة إلي حد يجعلها تكاد لا تذكر .. ولو حاولت أن أحصيها لعددتها بسهولة .. وفي سرعة .. دون أن أنسي ما كان منها .

لكنني فوجئت بوقفات الفرح _ تلك _ تزيد واحدة أكبر من كل الوقفات التي سبقتها عندما بدا لي أن الالتقاء بصاحبة الوجه الذي ارتحت للنظر إليه من الممكن أن يتكرر .. وكلما أردت .. دون أية صدفة أنتظرها .. بعد أن باتت المرة الأولي التي التقيتها فيها لا تعد من المرات العابرة .. ورغم اهتمامي برؤيتها قدر استطاعتي فقد كنت أشعر بالأسى .. لأنها كانت تبدو لي غارقة وسط بحر الحزن الذي تأبي أن تنتشل نفسها منه ....

"يا زهرة الصبار .. ماذا لو استقبلت ابتسامة الصباح بابتسامة أمل ؟!.. ماذا لو تخليت مرة عن الحزن الذي تعيشينه ؟!.. ماذا لو تخليت عن جبل الهموم الذي تحملينه ؟!..

كأنك لم تعرفي أبدا معني الفرح .. تطل الحسرة من عينيك ووراءها حزن مر .. وإذا حاولت مرة أن تعيشي بصدق لحظة فرح .. فقد تعرفين معني السعادة .. ويتغير لك وجه العالم .."

لكن همسي لنفسي يبقي سجينا في داخلي .. وتظل _هي _ غارقة وسط همومها وحزنها ... وما ألبث أن أسخر من نفسي لدعوتي لها لتحاول ما فشلت أنا فيه ..

* * *

-4-

كان الغد بالنسبة لي مجهول المعالم .. يتراءى لي آتيا وسط ضباب كثيف .. والتكهنات بما يحمل لي ليس بينها ما يسر .. فيأكل الأسى نفسي .. وأشعر بالتمزق أكثر في داخلي ..

- لن يتركوا منا أحد ..

- هذا ما يبدو لي أيضا ..

- لكن الأمر لن يقتصر علينا فقط ..

- ماذا تقصد ؟.

- إنهم يأخذون النساء أيضا ..

- النساء ؟! ..

- لقد عرفت هذا ..

- كيف ؟.

- أية امرأة تكون ثمة علاقة تربطها بمن يأخذونه .. زوجته .. ابنته .. أمه .. حبيبته .

- وما يدعوهم إلي ذلك ؟!.

- أن يصلوا إلي ما يريدون من اعترافات حتى ولو كانت تخالف الحقيقة ..

- لكن هذه محاولات دنيئة ..

- أنسيت أن " الخسة " في طبعهم .؟.

- وما العمل الآن ؟.

- لا أدري ..

- لكن ...

- قد يصيبنا الدور في أية لحظة ..

* * *

-5-

لم يغب عنها حرصي علي رؤيتها .. والسعي دائما لأكون قريبا منها كلما استطعت للحظات قصيرة تلتقي فيها نظراتنا .. وتنقطع _تلك اللحظات _ عندما يشرع أي منا بالنظر نحو الآخر .. وكأن ثمة اتفاق بيننا علي ذلك ..

لكن اتفاقنا الذي لم نعلنه صنع المعجزة التي تمنيت حدوثها لها .. فقد بدت ابتسامة مترددة علي شفتيها .. حاولت أن تخنقها حتى لا تفضح تخليها عن تمسكها بما يبدو علي وجهها .. لكنها فشلت .. ولم يكن ثمة مفر أمامها غير أن تحيد بوجهها إلي ناحية أخري ..وكان ذلك نهاية لحالة اللامبالاة التي كانت تبدو عن تصنع منا .

فقد صارت اللحظة الخاطفة تطول شيئا فشيئا .. والابتسامة المترددة تجنح إلي الاستقرار .. ثم أخذنا كثيرا ما نتواجه عن قصد .. قد يكون منا يكشف عن اهتمام كل منا بالآخر .. وما لبث الحزن الغارقة فيه يتلاشى عن وجهها للحظات ثم يعود .. ثم ما بدا بعد ذلك منها والذي أوحي لي أنها فسرت ذلك الاهتمام مني بأنه وليد رغبة في استمالتها نحوي .. أملا في علاقة بيننا قد تكون .. ورغم أن ذلك وجد في نفسها استحسانا .. إلا انه لم تبد ما يكشف عن رغبتها في استمرار ما بدأناه .. أو الرجوع عنه ..

كانت كأية امرأة تفسر نظرة الرجل إليها كما تشاء .. فقد خدعتها ابتسامتي التي تبدو علي شفتي دون أن تدري أنها بلا معني .. فالخطر الجاثم فوق الصدر لم يترك في نفسي مكانا لآمال .. وقتل لدي الرغبة في كل الأشياء .. لكن رغم الإحساس بالإحباط فقد كنت أترقب مرور الساعات كي أراها من جديد .

* * *

-6-

لم يكن ثمة مفر من انتظار الخطر الذي يتهددنا .. كان يبدو دائما علي وشك الوقوع .. فكنا نترقبه في أية لحظة يحل علينا ..

لأن الشواهد علي الخطر كانت تشير إلي أن لا نجاة منه .. وكان اعتراضنا علي استمرار البقاء في قاع الهاوية جريمة لا تغتفر .. والإعلان عن رغبتنا في الخلاص من اسر القهر يعني بالنسبة لنا النفي من الوجود .

كان زائر الليل يقتحم البيوت هو ورجاله بلا استئذان .. يعبثون بها ما شاءوا .. ثم يصحبون معهم من يريدون .. فلم يكن ثمة عمل لهم غير تأكيد الخوف في النفوس .. وفرض القهر بقانون مصنوع جعل انتهاك آدمية الإنسان من الممارسات الطبيعية .. والسجن داخل الغرف الضيقة لفترة تطول دونما نهاية محدودة .. كان من الأشياء المنتظرة لمن يذهبون بهم إلي الأماكن المجهولة .

- ماذا فعل ؟.

- لا شئ .

- لماذا أخذوه إذن ؟!.

- وشي به رئيسه في العمل لأنه عارضه في أمر من الأمور ..

- هكذا ببساطة ؟! ..

- السلطة الصغيرة تستمد قوتها من التي فوقها .

اشعر بالأسى للرجولة المجروحة داخل الزنازين الضيقة .. وأكتم في داخلي _أكثر _الثورة المكبوتة التي ترفض شريعة الغاب .. ومن يحتمون بسلطتها ..

* * *

-7-

الشارع القصير الذي انفردت بها فيه أكثر من مرة يحتويني بأسفي .. تمر عيناى علي الرصيف الذي كانت تسير

فوقه .. لكنه يبدو خاليا منها .. ورغم ذلك تتراءى _ لي _ مثلما كانت تبدو في مشيتها البطيئة .. تنتظر أن ألحق بها .. وأكسر حاجز الصمت الذي بيننا .

لكنني لم أكن أجرو علي فعل ما كانت تنتظره .. خوفا من أن يكون ذلك سببا في تعرضها لأشياء يستحيل عليها أن تخطر فكرها .. كان يكفي فقط أن تلحظها العيون الراصدة كي تسقط وسط دوامة لا منقذ لها منها .. وتجد أنها يتحتم عليه الإجابة علي تساؤلات لا تعرف عنها شيئا .. لذا حاولت رغم وهن ما كان بيننا حينئذ أن أجعلها في مأمن من أية مضايقات قد تتعرض لها .

لكنها كأية امرأة جميلة استكثرت علي نفسها أن يكون ثمة رجل يرفضها .. بينما هي تواجه دوما بنظرات الرجال التي تشتهيها .. لم تعر همومها وحزنها الغارقة فيه اهتماما وفكرت فقط كيف تضيف رجلا آخر إلي الرجال الذين يشتهونها .. ثم كالعادة ثرثرت مع زميلة لها بما يحدث بيننا .. فكانت نظراتهما وهي معها توحي لي أنني موضوع الهمس بينهما .. ثم كانت مفاجأة بالنسبة لي عندما تسرب إلي سمعي ذات مرة بعض ما كانتا تتهامسان به ..

- دعيه لي .

- لماذا ؟!.

- أنت زوجة .

- لا يهم .

دونما وعي مني واجهتها بدهشة قطعت همسها مع زميلتها .. ثم حاولت أن تخفي ابتسامة بدت علي فتيها وهي تحيد بنظراتها عني .

لم يكن معرفة كونها زوجة بالشيء الجديد .. فقد لحظت ذلك من البداية من وجود خاتم الزواج في يدها اليسرى .. لكن الجديد كان ما بدا منها .. وكيف أنها استحالت _ بعد ذلك _ من امرأة ساكنة تشغلها همومها .. إلي امرأة تفكر بجدية في ممارسة طبيعتها كأنثي ..وتضع نفسها موضع منافسة مع فتاة أقل منها جمالا .. ثم يتطور الأمر بينهما علي أن تثبت هي بمحاولاتها أنها غير عاجزة عن إرغام أي رجل علي الاستسلام لها .. والهيام بها مهما تمادى في رفضه لها .. ثم تفعل به بعد ذلك ما تشاء .

* * *

-8-

علي الرصيف المقابل من ذات الشارع القصير كان ثمة موقف مع أخري .. لم يكن قد مضي عليه غير فترة قصيرة قبل الالتقاء بها .. ولم يكن ثمة اختلاف بينهما في الوضع أو الظروف .. لكن تقاربنا بدا بالنسبة للأخرى منذ التقائي بها كزميلة بين زملاء آخرين .. لاحظت بينهم أن ثمة زميل لا شئ يدعوه إلي أن يكون بيننا .. ويحاول أن يفرض صداقته –علي _ رغم عدم رغبتي في ذلك .. كان يريد أن تمضي صداقته بي لأقصي الحدود بين الأصدقاء .. حدثني عن بعض الأصدقاء الذين أعرفهم .. وزعم لي أنه يعرفهم أيضا ويلتقي بهم .. ثم اخذ يحاول زيارتي في بيتي .. ولم ييأس رغم التهرب منه .. وعندما لاحظ ذلك التقارب بيني وبين الأخرى والذي لم يكن يتعدى حدود الزمالة .. قام بتفسيره كما تهواه نفسه .. ووضعنا نصب عينيه دون أن ندري .. حتى فوجئت به يسألني عنها عندما غابت ذات يوم :

- لم تأت زميلتك ؟.

- لا ..

- ألم تسأل عنها ؟.

- أبدا . كيف وقد تغيبت أسبوعا عن الحضور ؟.

- لا شك أن سببا ما قد منعها عن المجئ .

- إنها مريضة .

- كيف عرفت ؟! .

- أقصد ربما تكون مريضة .

تواجهت بنظراته الميتة .. غباؤه الشديد أكد لي ما كان يخالجني نحوه من شكوك تولدت في نفسي منذ أن لاحظت عليه بصداقتي .. فحاولت أن أشده إلي الحديث عنها أكثر :

- كنت انتظر أن تأتي اليوم .

- يجب أن تسأل عنها .

- كيف ؟.

- بالتليفون .

أبديت عدم اهتمامي بالاتصال بها .. لكنه استمر :

- أتذكر رقم تليفونها ؟.

الشئ الوحيد _كما أعرف _ الذي لم يستطع أن يعرفه رغم محاولاته معها .. أيضا أتذكر أنا أيضا أنني لم أخبره به .. فتساءلت عما إذا كان قد استطاع معرفته .. وكيف .. لكنه أنهي تساؤلي لنفسي :

- إذا كنت لا تذكره أعطيه لك .

تأكدت شكوكي فيه أكثر .. وحاولت التهرب من إلحاحه :

- قد تكون خارج المدينة .

- لا .. أنها مريضة ..

واجهت نظراته الميتة بازدراء لم يشعر به .. وفكرت في سؤاله عن مصدر معرفته بمرضها .. لكنني تراجعت خشية أن يعرف أي شئ عن شكوكي نحوه .. فأنهيت حديثي معه :

- سأحاول الاطمئنان عليها ..

لكنني لم افعل .. انتظرت حتى عادت .. أبدت لي لومها لعدم سؤالي عنها .. فأوضحت لها ما كان منه .. ثم دفعتها لتحاول معرفة حقيقة عمله لتري مدي صحة الشكوك التي ثارت حوله بسبب معرفة رقم تليفونها .. والذي أكدت أنها لم تخبره به .. فوافقت علي الفور دون ممانعة .. فقد أدهشها أن يعرف بمرضها رغم أنها لم تغادر بيتها .

لم يستغرق الأمر منها سوي دقائق قليلة كما أخبرتني .. تباسطت خلالها معه في الحديث علي حد قولها فباح لها بكل شئ .. وعندما تحدثت أنا معه حول معرفته ما عرفته منها .. لم يحاول أن ينكر أو يخفي شيئا .. وإنما أشاد بذكائها ..

وبعد أن استحالت شكوكي إلي يقين .. خطر لي أن أضعها موضع اختبار لأري ما سوف يكون منه .. فبدوت معها وكأن ثمة علاقة حب بيننا رغم أننا لم نتعد حدود الزمالة .. وصدق هو تلك العلاقة المزعومة وجعل يرقب خطواتنا .. كنت أشعر بذلك دون أراه .. بينما هي كانت تجهل ما كان يحدث منه .. لذلك كنت أتعمد الاختفاء عن عينيه والهرب منه بعد أن يراني معها .. فتصيبه الحيرة لاستطاعتي الإفلات من مراقبته .

لكن لم تمض سوي أيام قليلة حتى لاحظت انقطاعها عن الحضور .. بإحساس خفي استشعرت أن ثمة شئ حدث لها فقررت السؤال عنها .. وتوجهت دونما حيطة إلي اقرب تليفون في الطريق لأسأل عنها .. مضت اللحظات متثاقلة وأنا أسمع الرنين علي الطرف الآخر .. وما أن توقف حتى أجابني صوت نسائي حزين استشعرت منه حدوث الخطر .. وبصعوبة سألت عنها .. سمعت الإجابة التي أخشاها .. وعندما وضعت السماعة مكانها واستدرت فوجئت به يواجهني وضحكة صفراء علل بها وجوده .. فقد كان يقف خلفي دون أن أشعر به .. داهمني الإحباط مرة واحدة .. وأخذت أنتظر أن يصيبني الدور .

* * *

-9-

أقترب من نهاية الشارع الذي افتقدها فيه .. لكنها ما زالت تتراءى لي بمشيتها البطيئة المتثاقلة .. وكأن ثمة ما يقيد خطواتها .

هكذا كانت .. مرة واحدة حاولت أن تسرع في خطواتها .. أرادت أن تلحق بي بعد أن تخطيتها في سيري .. وتعمدت أن تدفعني بصدرها في جرأة لم أكن أتوقعها .. كانت تريد أن تبدو أمام زميلتها بأنها استطاعت استمالتي نحوها .. ففعلت ذلك لتشجيعي علي إبداء رغبتي فيها .. وكان ما حدث مع الأخرى ما زال محفورا في ذهني .. فزادت خشيتي من أن تتعرض هي أيضا لمثل ما حدث لها .

واجهتها بخوف لم تنتبه إليه .. وابتسمت .. كانت ابتسامتها كافية لتفتيت حاجز الصمت الذي كان بيننا تماما .. لكنها افتقدت أية استجابة مني كما كانت تتوقع .. وتنبهت إلي ما أقدمت عليه .. حاولت الخلاص من المأزق التي وجدت نفسها فيه .. فبحثت عن زميلتها التي كانت تسير معها .. لكنها رأتها قد ابتعدت عنها كثيرا .. حاولت أن تبدو برفقة شاب لا تعرفه .. لكنني تابعتها بنظراتي حتى اضطرت إلي الابتعاد عنه بعد أن اكتشف محاولتها .. وفي استسلام خطت نحوي إلي أن تجاورنا .. وعلي شفتيها ابتسامتها التي تضئ وجهها .. لكنها عندما اقتربت مني فوجئت بصدي لها .. وماتت الابتسامة علي شفتيها وهي تمضي عني تكاد تتعثر في خطواتها ..

* * *

-10-

عاد الحزن يبدو في عينيها من جديد بعد أن كاد يغيب عنها .. وتراءت لي بهموم أكثر من تلك التي كانت مني هي سبب ما بدا عليها .. أحست بالشفقة نحوها .. وخطر لي أن أحاول في أية فرصة الإفلات من مراقبة العيون الراصدة وأوضح لها ما تجهله عنها .. حتى تعرف سبب ابتعادي الذي لم يكن هو رفض لها .. لكنها اغتنمت تلك الفرصة وتصنعت الاستعلاء في محاولة منها للرد علي إساءتي لها .. لكنها أخفقت أمام إصراري علي مواجهتها .. وخشيت أن أفعل ما يسئ إليها ثانية .. دون أن تدري أن نظرة واحدة إلى عينيها البادي فيهما الحزن بوضوح كفيلة بسحق أية محاول تكون مني .

* * *

-11-

غريبان كنا .. نعيش الغربة إحساسا حقيقيا بها .. ثم جمعنا طريقها .. لكننا مضينا تحت ظل شجرة كبرياء مصطنعة .. نتوهم قوة نغلف بها ضعفنا الذي كنا نشر به .. حتى نتحاشى سابقة البدء التي ستكون لائ منا .. فيكشف عما يكنه للآخر ..

لكن الأحداث توالت وكأنها مرسومة لنا .. تشد كل منا للآخر دون أن يدري .. تؤكد أننا سنتلاقى مهما حاولنا الهرب من الحقيقة التي نحاول أن ننكرها أو نتجاهلها .. رغم أنها تركتنا ننزلق إلى واحة نضيع فيها .. نلتقي بلا موعد .. ونفترق دونما وداع .

زاد التقارب بيننا أكثر .. لكن ثمة إحساس كان ينمو في داخلنا ونحاول أن نكتمه ليبقي دونما مصارحة بيننا .. كنت أقاوم ميلي نحوها .. وأتمادى في تعمد إهمالها لتظن أنها بالنسبة لي لا شيء .. بينما كانت -هي- في الحقيقة بالنسبة لي كل شيء .. لاحظت ذلك أيضا منها .. لكن في لحظة واحدة انهارت مقاومتها وأبدت ما كانت تخفيه .

فقد ضايقها أن أبدو برفقة فتاة غيرها .. صور لها وهمها أنني فضلتها عليها رغم الدمامة التي كانت بادية علي وجهها .. لم أكن أعرفها لكنني عندما لاحظت ضيقها تعمدت أن أبدو وكأنني أعرف الفتاة الأخرى "الدميمة" حقا .. فبدا لها ان ما تراءى لها علي غير الحقيقة .. فهدأت .. وبدا الارتياح علي وجهها ..

* * *

-12-

لم يغب عن ذهني لفترة ما كان منها عندما رأتني وظنت أنني برفقة الفتاة الدميمة ... لمتها - في نفسي –علي ذلك الظن الذي صور لها أنني فضلتها عليها .. وعندما أخليت بنفسي صنعت من الأوهام جسرا يصلني بها .. وتراءت لي وكأنني احتضن وجهها بين كفي ..

أخذت أتأمل في عينيها لغة الصمت الذي لم نتخل عنه .. ثم همست لها :

- وجهك رائع ..

- رائع ؟! .. انك تبالغ .

- أبدا .. إنني أقول الحقيقة ..

- وما الرائع فيه ؟.

- كل شيء ..

- كل شيء ؟!..

- ألا تصدقيني ؟.

- ووجه تلك الفتاة ؟.

- كيف ظننت أن دمامته تنسيني وجهك ؟!.

- أليست فتاة ؟.

- لكنك أجمل منها .

- أحقا أنا جميلة ؟.

- أنا لا أكذب .

- أعرف .. لكنك مثلهم .

- مثلهم ؟!.

- أقصد غيرك .

- غيري ؟!.

- أتظن انك أول من يغازلني ؟!.

- لا .. لأنني لست الوحيد الذي يراك .

- ولأنني جميلة ..

- .........

- مالك سكت .. ودهشت ؟!.

- لأنك تصدقين كل إطراء لجمالك .. لم يكذب علي أحد .

- كيف تأكدت ؟.

- سألت مرآتي .

- مرآتك ؟!.

- ولم تخدعني .

- ...........

- لماذا سكت ثانية ؟.

- لا شك أنك مغرورة ..

- لا توجد امرأة خالية من الغرور .

- أتعترفين بذلك ؟!.

- ألست امرأة ؟.

- بالطبع ..

- ومرغوبة من الرجال ؟.

- كيف عرفت ؟.

- عيونكم تفضحكم .

- لكنني لست مثل غيري ..

- ما الفرق ؟.

- الفرق أنني احبك ..

- تحبني ؟!.. حقيقة ؟!.

- ألا تصدقين ؟.

- لست أول من قال لي ذلك ..

- لكنني أحبك حقيقة ..

- هم أيضا يقولون لي ذلك ..

- ولماذا لا تصدقيني ؟.

- أحاول ..

تراءت لي كمن تحدق في وجهي بإمعان .. تحاول أن تعرف مدي صدقي فيما قلته لها ..

أتأمل نظراتها طويلا .. أشعر بشيء يشدني من مكاني .. ويمضي بي إلى حيث لا أدري ..

* * *

-13-

غرف السجن الضيقة كيف تتسع لذلك العدد الكبير ؟!.

لحظات طويلة احتواني فيها الرعب بعد سماع آخر نشاط زائر الليل .. كان ماضيا في مداهمته للبيوت .. يفاجئ من يصيبهم الدور أن يدروا ..مجرد وشاية بسيطة لا أساس لها من الصحة .. بعدها يكون الذهاب إلى الأماكن المجهولة التي يعيش فيها الأحياء الميتين .. فأكثر الأشياء التي لم تكن ذات أهمية تضرر بسببها الكثيرين .

- لم نرك منذ مدة ..

- أنسيت أن الزيارات الآن مشبوهة ..

- ليست كلها ..

- ماذا تقصد ؟..

- زيارات زائر الليل ..

- تلك هي الزيارة الأخيرة ..

- حقا .. لا زيارة بعدها ..

- كيف حالك الآن ؟.

- نفس الحال الذي عهدته ..

- لم نعد ندري ما العمل ؟.

- العمل أن ننتظر حلول الدور علينا .

أمضي فيتخاذل مستسلما لما يكون .. لكنني ألتقي بوجهها .. أتساءل كيف يمكن أن أتحمل غيابه عني .. تبدو وكأنها تكاد تصرخ في وجهي لأنني أتحاشي الاقتراب منها أواجهها بألم :

" لو تعرفين ما يمنعني عنك لمات العتاب البادي في عينيك .. أخاف عليك خوفي علي نفسي .. وهذا سر ابتعادي عنك .. لا تخدعك شجرة الكبرياء التي أتظلل بها .. لأنها كتلك التي تستظلين بها أنت .. الزيف والاصطناع باد فيهما .. لكننا نتمسك بكبريائنا .. ونجعل منه السيف الذي يقطع الأمل بيننا .. لكن السيف يتراخى عندما ألقاك .. ولو قرأت سطور الفرح في عيني لأزهر السرور في نفسك .. ليتني أستطيع أن التجئ إلى صدرك .. لأعترف لك .. وترتاح نفسي .."

يطل العتاب من عينيها .. ويبدو الأسى الغارقة فيه علي ملامح وجهها .. أنتظر أن تحيد بنظراتها عني .. لكنها تبقي بصراخها المكتوم .. فأتنهد في أسى وأشيح بوجهي عنها .

* * *
* * *
* * *
* * *
*

-14-

كسر حاجز الصمت بيننا لا بد .. ما عاد شيء يستطيع أن يحول بيني وبين ما قررته في نفسي .. المواجهة دونما كلام فقدت معناها .. وقد تشك في رجولتي .. لكن لن يكون ذلك ألا بعيدا عن العيون الراصدة .. وفي خفية منها .. أيضا بعيدا عن زميلات طريقها .. يبدو الأمر سهل التحقيق .. لكنه سرعان ما يصعب إلى حد الاستحالة .. فقد كان الأمان بالنسبة لها هو الأهم .. وأخيرا حانت الفرصة بعد طول انتظار ..

تواجهنا عن بعد .. ثم تقاربنا .. تباطأت خطواتها أكثر .. لم يكن ثمة شك لديها في أنني أسعى لأحدثها .. فانتظرت بلهفة حاولت كتمانها .. مضت اللحظات ببطء ونحن نقطع الخطوات القليلة معا لنعبر الشارع .. بضع خطوات أخري توقفت بعدها .. ثم التفت نحوي .. تواجهنا للحظات سادها الصمت .. انتظرنا خلالها من يكون البادئ منها .. لكنها تساءلت :

- ماذا تريد ؟!.

- أشعر أني أضايقك ..

- أبدا ..

- لكنني أشعر بذلك ..

- أنت توهم نفسك بما لا وجود له ..

- أحقا ما تقولين ؟!..

أحست بأنها سوف تنزلق لهوة الاعتراف دون أن تدري .. فتكشف بذلك عما تحاول أن تخفيه فاستكثرت علي نفسها أن تعترف ببساطة .. وتشبثت بكبريائها :

- ماذا تريد مني ؟.

- لا شيء ..

- أذن لماذا تلاحقني .؟.

- أنا لا ألاحقك ..

- ألم تشعر بأني أهرب منك ؟.

- لماذا ؟.

- لأني لا أريد أن أري وجهك ..

ابتسمت وأنا أحدق في وجهها :

- وماذا أيضا ؟.

- من تكون أنت لأهتم بك ؟.

- لا تهتمين بي ؟!.

- ربما تظن ..

- أنا لا أظن ..

- ماذا تعني ؟..

- أعني الحقيقة ..

- أية حقيقة ؟..

- التي تتجاهلينها ..

- .........

مضيت أوجهها في صمت :

- ليس بيننا شيء ..؟!..

- لو كان ذلك حقيقة ما وقفنا معا الآن ..

- أنت توهم نفسك ..

- بأي شيء ؟.

- بـ..... بـ........

لم تكمل .. هززت رأسي وأنا ابتسم .. أطرقت برأسها إلى الأرض للحظات ثم واجهتني :

- بماذا ؟..

ارتعشت نظراتها .. بدت كالعصفور المحاصر داخل قفص لا يدري كيف يهرب منه .. لكنها تشبثت ببقايا مقاومتها :

- لا شأن لك بي .. ولا شأن لي بك ..

- لكن ..

- أرجوك ..

بدا الاستعطاف في عينيها ينم عن ضعف شديد ..

- ليمض كلا منا في طريقه ..

- طريقنا واحد ..

- ........

- أنت تعرفين ذلك ..

- لا تحدثني ولا أحدثك ..

- وهل فعلنا ذلك من قبل ؟.

- لكنك تحاول الآن ..

- وهذا ما جعلك تقفين معي ؟..

- أردت أن أعرف سبب ....

- أكملي ..

- أنت لا تترك لي فرصة الهرب منك ..

- ولماذا تهربين مني ؟.

- أنت الذي تلاحقني ..

- وأنت لا تعرفين السبب ؟!.

- أعرف .. لكن ..

- وما رأيك ؟..

- في ماذا ؟..

- فيما نحن فيه ..

- ليس بيننا شيئا ...

- أبدا ؟!..

- أ.....

- كنت أود أن أخبرك ...

- أعرف أنك ...

- تعرفين ماذا ؟.

احتمت بصمتها للحظات قالت بعدها :

- أرجوك .. أريد أن أعود في موعدي ..

- الوقت لم يمض بعد ..

- لقد تأخرت ..

- لكن لم أخبرك بما أريد أن تعرفيه ..

- أعرف كل شيء .. أعرف أيضا أننا ...

- أننا ماذا ؟..

قالت باستعطاف :

- دعني أمضي ولا تحاول أن تعترض طريقي مرة أخري

واجهتها في أسف ثم همست بتخاذل :

- كما تريدين .

لم تتحرك .. وظلت واقفة مكانها وبدت كمن تريد أن تقول شيئا .. لكنها تراجعت .. انتظرت منها أن تستأنف طريقها .. لكنها لم تفعل .. كان التردد باد عليها .. بدونا وكأننا نتواجه للمرة الأخيرة .. ارتعشت يدانا لكنهما لم تتلاقيا .. وبصعوبة افترقنا في صمت .

* * *

-15-

اكتشفنا أن اتفاقنا ولد ميتا منذ اللحظة الأولى .. فقد ظللنا كما كنا .. وكأن فكرة الابتعاد لم ترد بذهن أي منا إلا في لحظة تواجهنا معا .. وتوهمنا أن من السهل التمسك بها .. ثم وجدنا أنها لا تعني أي شيء غير أننا عبرنا فوقها حاجز الصمت فقط .. وتمنينا ألا تعود .

كنا نلتقي وسط الزحام .. أنتبه إلى عينيها في مواجهتي .. أبحث عن العيون الراصدة .. أفشل في تمييزها .. أعود لأواجهها .. تبد وكأنها تحاول الاقتراب مني .. تتجه نحوي ..

يداهمني الخوف عليها .. تزداد اقترابا .. أفسح لها الطريق لتمر .. لكنها تقف بجانبي .. نظرات الخوف - مني- تواجه بنظرات الاعتذار منها .. أحاول أن أحذرها .. تبتسم في ود .. يتجسد لي الخطر الذي يترصدنا .. ترتعش شفتاها وكأنها تريد أن تهمس بشيء .. أتجاهلها بالتطلع إلى ناحية أخرى .. لكنها لا تهتم .. الفرحة في عينيها أكثر من أية مرة مضت .. أشفق عليها .. تتردد في الهمس بما تريد .. تبدو وكأنها تخشي صدي لها.. أفكر فيما سيكون لو أقدمت علي فعل ما تريد .. أرقب العيون حولنا .. قد يكون بينها التي أخشاها .. أو من تعرفها .. ابتسامتها الهادئة توحي بالاطمئنان .. يغيب عني ما يتهددنا .. يتحدد طريقنا معا .. أمضي فيه .. لكنني أصطدم بنهايته المسدودة .. ليس الخطر الذي يترصدنا وحده هو ما يرغمنا على التباعد .. ثمة زوج وطفل صغير لها .. يموت الأمل .. لقد تأخرت البداية .. كنا سنكون .. لكن ضاع الفرح قبل أن نعيشه .. لم يبق غير الإحساس بالغربة والضياع .. تماما مثلما كنت قبلها .. أبتسم في أسف .. يضيء وجهها بالفرح .. أشفق عليها مما توهمته .. أعود وأغرق في بحر العيون المجهولة .. أغوص في خطره .. تبدو لي فرصة النجاة من الهرب .. لكن الانكسار الذي في عينيها يعترض طريقي .. أضعف للحظات .. لكنني أتماسك وأمضي من جانبها دونما اهتمام .. أجاهد ألا ألتفت خلفي .. فلم أقو على رؤية ما بدا على وجهها .

لكننا نعود بنفس الشوق الذي لم تنطفئ جذوته .. نتلهف على لحظات اللقاء الذي يتم عن بعد .. لكنها تمر دونما جديد .. ويعود الحزن ليسكن عينيها .. تغيب أياما .. ثم تعود .. تبدو كالتي تعاني من محنة لا تدري كيف تجتازها .. أفكر في الاقتراب منها .. لكن عيون زائر الليل الراصدة تجهض ما يخطر لي .. تبدو الدموع في عينيها .. أعاني العجز في مد يد العون لها .. تغيب ثانية .. أفتقد رؤيتهما تماما .. أبحث عنها .. لكنها تستمر في الاختفاء .. فجأة تتوقف عيون زائر الليل عن ملاحقاتها .. يزول الخطر الذي كنا نخشاه .. أبحث عنها بلهفة .. وأنتظر رؤيتها بشوق أكثر .. لم يعد ثمة خوف من أن ألتقي بها وأحادثها مثل أية أمرآة أخرى .. أتمنى أن تبدو ولو لمرة واحدة .. أريد أن تعرف كل شيء .. أن أعرف منها ما تريد أن تعترف به .. أنتظر الغد .. لكنه يأتي بدونها دائما .. يتوالى الغد .. وما بعده .. وما بعد بعده .. وهي لا تأتي .. أحاول أن أبعد اليأس عن نفسي .. أفكر في السؤال عنها .. أحاول أن أحدد من تضع حدا لتساؤلاتي حول غيابها .. أتواجه واحدي زميلاتها التي ألمح في عينيها الرغبة في أن تحدثني عنها .. لكنني أتراجع .. وأستمر في انتظارها ..

* * *

-16-

البحر .. عادة التواجد علي شاطئه كل غروب .. مازلت أحرص عليها باهتمام كي أتأمل بإمعان شعاع الشمس القاني وهو ينسحب عن سطح عن سطح الماء .. و أتابع احتضار ضوء النهار إلى أن يتلاشى أمام عيني .. وتحل مكانه عتمة الظلام لتغطي سطح البحر .

من قبل كان الاختلاء بقصد البعد عن ضجيج المدينة .. والهرب من الهموم .. تبدل الحال منذ أن التقيت بها في طريق الغربة .. لم يعد الاهتمام برؤية مشهد الغروب وحده .. أو الاستمتاع بروعة الإحساس الذي يغرقني وأنا أعيش لحظات النهاية التي تتكرر كل يوم بلا تغيير .. يستحيل الاهتمام إلى الرغبة في الانفراد بنفسي .. أعيش الوحدة التي تتيح لي فرصة استرجاع ما كان معها .. تتماثل لي مثلما كانت .. وقبل أن نفترق آخر مرة رأيتها فيها .. أتحسر على الفرح الذي لم نعشه معا .. وأطرق برأسي في أسف .. يتردد في سمعي صدى صوتها ببحة الحزن التي تلتصق به .. شرخ الصمت حولي .. لم يأت برجع أيامنا التي كانت .. وإنما بنداء الاستغاثة الذي كان يبدو في عينيها .. يشغلني عن متابع مشهد الغروب .. تتراءى لي تتقاذفها الأمواج .. تصرخ مستنجدة .. يعتصرني الألم لعجزي عن مد يد العون لها .. شيئا فشيئا يتحول نداء الاستغاثة إلى صراخ .. أتذكر ما كان ونحن لا نجرؤ على الاقتراب من بعضنا .. يتجسد لي عجزي .. أضاع الخوف مني من ارتاحت إليها نفسي .. أحاول أن أتخطى عجزي .. هذه المرة لابد .. تمتد يدي لتتشابك مع يديها .. أشدها إلى الشاطئ حتى تصل إليه .. ترتمي علي صدري في إعياء شديد .. أحتويها بحنان وشوق الأيام التي افتقدت رؤيتها فيها .. يهدأ روعها .. نتواجه في عتاب :

- أخيرا ..

تردد في أسى :

- أخيرا ..

- كنت أنتظر هذه اللحظة بشوق .

تهمس في عتاب :

- كنت تنتظرها أو كنت تهرب منها ؟.

- لم أكن أهرب منك .

- لماذا إذن كنت تبتعد عني كلما اقتربت منك ؟!.

- كنت أخاف عليك .

- أتسمي ترددك خوفا ؟!.

- صدقيني ..

- كنا نستطيع أن نعيش أحلامنا .

- أحيانا نقضي علي أحلامنا بيدنا .

- ألا يمكن أن نحمي أنفسنا ..

- قد يكون ذلك بمقدورنا ليس من كل شيء .

واجهتني بنظرات عتاب وشك .. انسحبت بعدها من بين يدي وانزلقت إلى الماء .. بدت تتقاذفها الأمواج من جديد .. أناديها بصياح مكتوم امتزجت فيه اللهفة بالجزع .. تختفي عن عيني .. وتبتعد داخل البحر ثم تغوص في الماء ...

أنتبه من عالم التخيل الذي جمعنا معا .. نظراتي متجمدة على سطح الماء .. أتنهد في أسف وأترك مكاني في تثاقل .. أمضي أسحب الآسي ورائي .

* * *

-17-

أعود للطريق .. أمسحه بنظراتي .. تفرخ عيناي نظرات قلقة أرشق بها المارة وأنا أفتش عنها بينهم .. أبحث عن وجهها بلا يأس .. أنتظر أن ألتقيه .. يتصاعد ندائي الصامت:

" ماذا لو التقينا حقيقة ؟.. ماذا لو جئت ولو مرة واحدة لا تتكرر .. مرة واحدة فقط ولتكن الأخيرة .. نتآلف فيها قبل أن نتحول إلى حكاية منسية يمحوها الزمن .. أنتظرك وسأظل .. وأبدا لن يخفت ندائي لك .. تعالي .. "

تطالعني ملامح وجهها في كل الوجوه .. تكبر في نفسي أمنية العثور عليه .. أترقب صدفة تأتي بها إلي .. أتشبث بها وأسافر في أحلامي .. لكنني أصل لأجد الأمنية تموت ..

أعود لأستأنف انتظاري من جديد .. لا أدري متي سينتهي .. لكنني أتجول في حقول أمل .. أحاول أن أزرع فيها لحظة ذكري .. ستكون ....

* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007