[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
البئر البئر
التاريخ:  القراءات:(5544) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  

البئر

 

ـ1ـ

تمددت العجوز على "بساط" قديم، مفروش قرب الباب، كان ذلك هو مكانها المفضل، منذ عدة سنوات.

عندما تنتهي من صلاة العصر، تجلس هناك .. ترافقها زوجة ولدها أو إحدى الجارات .

كانت تفضل ذلك المكان، المطل على الفناء الكبير، الذي يحيط بالمنـزل .

تمتمت ببعض الدعوات الطيبة . وغرقت في التسابيح .

نادت زوجة ولدها، بنبرة مترفقة . رجتها أن تعد لها القهوة .

قهوة العصرية، التي صارت عادة ، قديمة لديها .

"أبشري يا عمتي" سرعان ما جاءها الرد، بصوت رقيق، ونبرات مهذبة، من داخل المنـزل .

كانت تلك ، هي زوجة ولدها الوحيد .

هبت ريح خفيفة، ولطيفة، رغم أن الجو ، يبدو رائقاً للغاية . والسماء صافية. تتناثر على جنباتها ، سحب بيضاء أو شاحبة قليلاً .

فاحت روائح زكية، انتشر عبقها في الأجواء، وتسرب إلى الخياشيم، رائحة الريحان الأخضر، المتناثر في أحواض صغيرة، على أطراف الفناء، وقرب الدرج.ورائحة أوراق النعناع التي تزدهر في أحواض أخرى .

واختلطت رائحة القهوة الزكية، بكل تلك الروائح العطرة. رائحة القهوة المزينة بالهيل، والقرنفل، والزنجبيل . جاءت امرأة شابة، تبدو على قدر كبير من الملاحة .

تحمل في يد دلة القهوة ، وباليد الأخرى صحن التمر.

سلمت على "عمتها" وهي تبتسم ، ثم جلست قربها .

أخذت تصب القهوة الحارة ،في الفناجين .

ناولت العجوز أحدها، شكرتها بامتنان، وقالت بلطف كبير: سلمت يدك يا أم محمد .

أخذت العجوز، ترشف القهوة الساخنة، في استمتاع بالغ وتناولت بضع تمرات.

ضحكت وهي تقول: ليس هناك أجمل من تناول القهوة والتمتع بنسائم هذه العصرية الحلوة .

معك حق يا عمتي.. أنا أيضاً صرت مثلك، أحب قهوة العصرية .

ظلت تجرع القهوة، في صمت . والأخرى ، تنظر إليها في استغراب .

خيّم الوجوم الكئيب على المكان .

أخذت الشابة تفكر .. لماذا عمتها، التي كانت ، تشعل الجلسات بأحاديثها العذبة، وحكاياتها التي لا تنتهي .. لماذا هي غارقة في الصمت، والوجوم، والتفكير؟! أين هو حديثها الجميل، المؤثر، وأسلوبها البسيط، الذي يأسر من يجلس معها ؟

ظلت العجوز، تشرب الفنجان، تلو الآخر .

"يكفي يا عمتي" هكذا خاطبتها زوجة ولدها، بقلق ولطف كبير ونبهتها قائلة: انتهت الدلة، ولا زلت تطلبين المزيد من القهوة، وهي تضر بصحتك كثيراً، هل  نسيت "الضغط" وآلام المعدة، التي لا تكاد تفارقك .

تبسمت العجوز، ثم تلاشت ابتسامتها، وانطفأت "صحتي"!! يا ابنتي العمر واحد، والرب واحد!

وعندما تحين ساعة الموت، لا أحد سيمنعها .

تبدى القلق على وجه المرأة الشابة، وتساءلت باهتمام : ما بك يا عمتي؟ هل أنت مهمومة، أم مريضة، أم ماذا؟!

ابتسمت العجوز ثانية، التمعت عيناها، الصغيرتان، الغارقتان في التجاعيد، ببريق الرضا .

طمأنت أم محمد، بقولها : لا تقلقي عليّ، فلست مهمومة، ولا مريضة. ولله الحمد .. ولكن .. ثم صمتت قليلاً .

ولكن ماذا، ماذا هناك؟ استحثتها الأخرى، بتلهف كبير . زفرت العجوز، وأتمت الحديث قائلة: منذ ذلك اليوم المشئوم وأنا أفكر، وأفكر، ولا أجد جواباً.

أدركت المرأة الشابة، بسرعة ، بماذا تفكر عمتها، وأي يوم تقصد .

 

ـ2ـ

افترش العشب الأخضر. كان يجلس وحيداً، في ظل شجرة العنب، التي تفرعت أغصانها، وتسلقت الجدران.

انتبهت لوجوده، بينما كانت ترتقي الدرج، وبيدها كيس مليء بحبات الشعير والذرة. كانت ذاهبة لتطعم الدجاج ..

تأملته لبرهة، بدا ساهماً، شارداً، غارقاً في لجة التفكير.

لا تدري، لماذا خامرها شعور عميق، بالشفقة عليه، ولماذا تبدى لها فجأة، مجرد رجل عجوز ..؟

تهدل فكاه القويان، وأحدودب ظهره .

تنحنحت قليلاً، علّها تلفت نظره، إلى وجودها . اقتربت ، ثم وقفت قبالته .

تبسمت ومازحته قائلة: هنيئاً، لمن يأخذ عقلك فلا تشعر بمن حولك!!

رفع إليها نظرات كليله، حائرة، سألها في برود: لماذا جئت إلى هنا ؟

في الحقيقة، كنت في طريقي إلى السطح، لأطعم الدجاج. ولاحظت وجودك، بينما أنت غارق في البحر، وضحكت وهي تردد، ولست أ دري أي بحر هو ؟

ما بك، يا رجل..؟ واجم وصامت، وما من شيء يثير اهتمامك..!

قلب شفتيه العريضتين، وتحسر قائلاً : تسألين ما بي ..! ألا تعرفين ما بي؟

آه، عدنا إلى نفس الحكاية، ينبغي أن تنسى ما حدث .. فكل ما يحدث لنا هو مقدر، ومكتوب .

وكما يقولون دائماً : المكتوب على الجبين لابد أن تراه العين .

والمؤمن الحق، هو من يرضى بما قدر الله .

قدر الله، وما شاء فعل، وما علينا سوى الرضا، والصبر .

ما أسهل الكلمات، ولكن الواقع، يبدو لي مريراً وقاتماً لم أعد أطيق رؤية أحد من هؤلاء الناس .

تلاحقني نظرات الاتهام والاحتقار، أنّى ذهبت ، هل تصدقين لقد فكرت بترك المكان كله، والرحيل إلى مدينة بعيدة لا يعرفني فيها أحد !

يتهمونني بقتلها ... !

أستغفر الله .. كيف تتصور ذلك .

إنهم يقولون، جنى على أخته العجوز، المسكينة، يا له من مجرم يستحق العقاب.!

أرجوك ، كف عن هذه الأقاويل، فلا صحة لها أبداً.

هأنا زوجتك، أشهد أمام الله، أنك حاولت أن تحسن إليها، وتريحها من الوحدة، ومطاردة الأغنام .

حاولت أن تستر على أختك الوحيدة، المسكينة، ولكنها كانت ترفض بشدة ، كل ما تفعل.

كنت أتعجب وأتساءل، لماذا تكرهك إلى هذا الحد ..؟!

كيف كانت علاقتكما في الصغر؟

لم تكن هناك، علاقة بيننا. كانت كبيرة، وأنا صغير .

وبقيت في نظرها صغيراً إلى الأبد ..

عندما كنت أقول لها : استريحي، أبقي في البيت، معززة ، مكرمة ودعيني، أبع لك هذه الأغنام. كانت تهتاج ، وتجن ،وتولول وتنوح : آه من قهر الزمان، يأتي أخي الصغير، لكي يتحكم بي .

لم تحاول فهمي أبداً، لم تقدر ، أن الناس قد أكلوا وجهي بسببها..

كنت في نظرها، الأخ الصغير، الذي يجب أن يخجل، قبل أن يقدم لها النصيحة.

ألا تذكرين .. كم كانت تسخر مني، وتقول : تريد ، أن أعيش في بيتك، وتصرف علي من مالك ..!! لا ، سأعيش كما أريد، وليس من حقك، التحكم بي؟!

رحمها الله، كانت امرأة ذات مزاج حاد، ومن الصعب إرضاؤها. كانت نزاعة إلى الخصام، وإثارة المشكلات وبلا سبب أحياناً .

كانت تتعارك حتى مع الأولاد الصغار .

ولكن عندما كنت أفكر بحياتها، أشعر بوحدتها، وعذابها، وقساوة الظروف التي عاشتها، وحرمانها من الذرية، كنت أشفق عليها، ورغم تعاطفي الشديد معها لم أسلم من لسانها وأذاها .

آه، كم كانت تثير شفقتي، ولذلك فقد سامحتها من كل قلبي. كانت مجرد امرأة عجوز ، وحيدة، ومريضة .

 

ـ3ـ

ما اسمك، أيتها المليحة ؟

نظرت إلى المرأة السائلة، في استغراب شديد، ثم قالت بعد تردد: اسمي علية.

ومن، من أنت؟

أنا عابرة طريق، على "باب الله" كما يقولون .

زمت شفتيها النحيلتين، ورددت، عابرة طريق! دهشت، ثم تساءلت: ماذا جئت تفعلين هنا؟

أبحث عن الرزق ، التقطه، كما يلتقط الدجاج الحب، ، ثم ضحكت . ضحكت علية، شعرت ببعض الألفة، والارتياح، نحو تلك المرأة الغريبة .

تطلعت الغريبة ، فيما حولها، كمن يستكشف المكان.. قالت لعلية: يبدو أن لديكم، قطيعاً كبيراً، من الأغنام. بارك الله لكم فيها .

أجل، هذه الأغنام لعمي .

صمتت المرأة، ثم تساءلت : ولماذا ترعين، غنم عمك؟

لأنني ، يتيمة، وهو من رباني بعد وفاة والدي .

رنت المرأة، إليها بنظرات مشفقة. وعزتها قائلة : لا بأس، يا ابنتي، فالله أرحم ، من الأب ، والأم .

ابتسمت علية، وشكرت المرأة برقة : لا تشفقي عليّ . فلم أعد حزينة، مات والدي منذ زمن بعيد، وسبقته والدتي، وأنت ، ما بك؟

لا شيء يا حلوتي، اعتدت ، أن أجيء، إلى هذه القرية، في المواسم والأعياد، وشهر رمضان. الكل هنا، يعرفني، وهم كرماء. يجودون عليّ، بما يقسم الله لي .

ومن أي قرية ، أنت ؟

وقفت المرأة، ثم أشارت بيدها، نحو الجبل: ألا ترين ذلك الجبل الكبير، إنه بعيد، وأنا أسكن في قرية، أسفل ذلك الجبل .

لقد سرت مسافة طويلة، وأشعر بالوهن والعطش، ألا أجد عندك بعض الماء.

لدي الماء والطعام أيضاً، خذي هذه القربة، واشربي حتى ترتوي شربت المرأة، ثم شكرتها، ودعت لها قائلة: سقاك الله، من ماء الجنة. دعتها علية لتناول الطعام. لست جائعة يا بنتي .

بالله عليك، هيا تناولي، معي بضع لقمات، هيا ليصبح بيننا "عيش وملح" ضحكت الغريبة، ثم تناولت لقمة وقالت: من أجل خاطرك فقط .

تناولت المرأة الغريبة، إحدى يديها، ظلت تحدق ، في خطوط هذه اليد دهشت علية، لهذا التصرف ثم سحبت يدها برفق .

لماذا تطيلين النظر في يدي ؟ هل تتأملين بقايا الحناء ؟

لا ، لا تعنيني الحناء ولكن، ألا  تودين أن أقرأ لك بختك ؟!

آه الآن فقط، عرفتك جيداً .. وتأكدت ، أن النسوة في هذه القرية يصدقن أحياناً !

ثم ضحكت بصوت عال ..

أنت، المرأة التي تقرأ البخت.. وتأتي كل عام تقريباً .. أليس كذلك ؟؟

أومأت المرأة برأسها، وقالت: أجل ، أنا هي .

هل سمعتي سيئة في هذه القرية ؟

بالعكس، الكل يحبك، وينتظرك أيضاً .

إنهن يزعمن أنك تستطيعين التنبؤ، بما سيحدث في المستقبل .

هل أنت حقاً، تستطيعين معرفة، ما تخبئه الأيام ؟!

وكيف ذلك ؟

لا أحد، يعلم الغيب ، سوى الله .

هذه هبة من الله، تقربني من الناس، وأنا لا أعلم الغيب، ولكن هناك علامات معينة، تساعدني، على معرفة الأحداث. ضحكت علية، وملأت ضحكاتها الصافية، المكان.. كانت ، تبدو صبية مليحة، موفورة العافية ، خالية البال، من الهم والكدر .

تهكمت ، على الغريبة، وقالت بمرح: هيا إقرئي لي كفي، وانظري إلى الأيام جيداً، وأخبريني بصدق، هل سأحيا سعيدة، أم شقية .

       صمتت المرأة لحظات، حدّقت في خطوط باطن يدها، حدّقت طويلاً ثم نظرت إلى عينيها. بدت حائرة، وحاولت، انتقاء الكلمات المناسبة، قالت لها: أنت مليحة، سوف تعيشين طويلاً، ستكون هناك بعض المسرات،وسوف تصادفين بعض المتاعب .

قاطعتها علية: كل الناس تمر عليهم بعض المتاعب، ويعيشون بعض المسرات. ولكن كيف ستكون نهايتي.

صمتت المرأة، تلعثمت وهي تقول: النهاية ،طريقك طويل يا علية، والنهاية ليست واضحة !

بدا على وجه المرأة الغريبة، شعور عميق، بالأسى والحيرة. نهضت من مكانها ، لتغادر .

ينبغي أن أذهب ، قبل أن تغرب الشمس، ويحل الظلام .

وقفت ثم قالت لعلية: هل تسمحين لي بوداعك .

ثم تقدمت منها ، وطبعت قبلة سخية على خدها .

 

 

 

ـ 4ـ

أصيبت بالمرض، شعرت بأن قواها، تنحط يوماً بعد يوم، وأنها لم تعد قادرة، على التنفس، بشكل جيد . .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007