[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
اقمار تسقط في النهر اقمار تسقط في النهر
التاريخ:  القراءات:(5706) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  

 

أقمار تسقط في النهر

 

بسم الله نبدأ الحكاية ..

ـ1ـ

 

وقفت على شرفة القصر. كانت هناك ، تنصت بشغف لحكايات النجوم التي تشع، وتتلألأ في أطراف السماء .

وتبتسم في رقة لغزل القمر الماكر، وتحدق في وله إلى أمواج النهر.. ذلك النهر المبارك، الذي ينبع من عين في الجنة.

رغبت في الخروج، والتمشي على ضفة النهر. ودت لو تتمتع بنسائم الليل العليلة. كانت تفكر ملياً بقيودها الذهبية. كيف تتحرر من تلك القيود، ومن رجل مخبول، مولع بسفح الدماء .

منذ ألف ليلة، وليلة وهي تحكي، تعبت من الحكي لم تعد لديها قصة جديدة. سئمت من التفكير كل ليلة ، لتتحايل على ذلك الملك المخبول فتهدهده بحكاية طريفة، وغريبة، فينام وتنجو هي من القتل، ولكنها لا تنجو من العذاب أو الأسر.

ماذا أفعل ؟

كيف أنجو مما أنا فيه ؟

متى يكون الخلاص ؟

هل أهرب؟

هل أقفز من هذه الشرفة ؟

ماذا أقول للملك ؟

لم تعد لديّ حكاية، بل سئمت من كل الحكايا.

كم كنت أكذب وأكذب ليرضى ويتسلى.

الآن كرهت الأكاذيب. وأود أن أستأنف حياتي مثل كل النساء .

جاءت إحدى الوصيفات، تبدو خائفة ، تتعثر في أذيالها الطويلة .

صاحت بفراغ صبر قائلة: سيدتي، ماذا تفعلين هنا ونحن نبحث عنك .

الملك يسأل عنك .

زفرت شهرزاد ، أغمضت عينيها في تأثر ثم قالت :

حسناً يا جنان. أخبري الملك أنني مريضة هذه الليلة، ولزمت فراشي .

 

ـ2ـ

أوت شهرزاد إلى فراشها الوثير. تحايلت قليلاً على الأفكار المقلقة التي تملأ صدرها. تقلبت يميناً ويساراً دون جدوى. تسللت من الفراش، وعادت بخطوات وئيدة إلى شرفتها. رنت نحو النهر . كم هو غامض وحزين مثلها ؟

هناك نداء ينبعث من قلب النهر. يناديها يسري عنها قليلاً.

نهر باركه الله، يجري منذ آلاف السنين، وعلى ضفافه تزدهر الحياة، وتنمو.

كم هي مولعة بذلك النهر. إنهما يتشابهان كلاهما صامت وهادئ، ولكن في أعماقه صخب هائل .

عندما يملأها الشعور بالأسى، تهرب إلى ضفة ذلك النهر، تنظر إليه طويلاً، وهي تفكر بالخلاص .

أرقتها الأفكار، تصدّع رأسها قليلاً. عادت شهرزاد إلى غرفتها، أوت إلى فراشها ، ونامت بعمق ، وكأنها لم تنم منذ زمن بعيد .

 

ـ 3 ـ

أفاقت شهرزاد من حلمها، بعد ألف ليلة وليلة. حلمها العابق بالأشواق والأماني.

أفاقت على دوي هائل، وانفجارات مرعبة، تصم الآذان.

اشتعل ليل بغداد تحت نيران القصف.

كم كانت ليلة مشؤومة ؟

أهو حلم أم كابوس أم ماذا ؟!

تساءلت شهرزاد ، في ذهول ورعب ودهشة .

ماذا يحدث لك يا بغداد ؟

ربما قامت القيامة. ربما تسقط السموات وتخر الجبال .

 

-4-

تسلل الفجر الوضاء من قلب الليل البهيم. نثرت الشمس الكسيرة شعاعها القاني على أنحاء الكون .

هيا يا شهرزاد . تعالي وانظري بعينيك إلى الجريمة الكاملة البشعة. وعندما تحكين تحري الصدق والوضوح .

هيا يا شهرزاد. ماذا تنتظرين ؟

هاهي دماء الأبرياء مسفوحة في كل مكان. الأشلاء تتناثر هنا وهناك. الجثث المشوهة والمحترقة في الطرقات وتحت الأنقاض .

ماذا ترين يا شهرزاد .؟

هل سبق أن نسجت حكاية بكل هذه البراعة في القبح والقسوة؟؟

صاحت شهرزاد . رحماك يا رب . ما كل هذا الخراب والدمار؟

لم كل هذا العذاب ؟

 

ـ5ـ

تحجرت الدموع في مآقيها. ظلت تسير والرعب والغضب يستوليان عليها.

كل ما حولها حرائق وخراب. قتلى وجرحى.

بغداد يا رفيقة صباي. ماذا يفعلون بك؟ ولماذا؟ بغداد يا أغنية الحب والشجن، بغداد يا نغمة شجية مفروشة في أرواحنا .

اقتربت من إحدى النساء، سألتها في لهفة وألم :

أخبريني بالله عليك، ماذا يحدث في بغداد؟

كانت المرأة الملفعة بالسواد ، تنظر نحوها في استغراب .

من هؤلاء ذوي البزات الغريبة ؟

أليست هذه بغداد، حاضرة الرشيد . مدينة العلم والشعر؟!

ضحكت المرأة التي بدت حزينة، ومحطمة، ضحكت حتى غرق وجهها بالدموع .

قالت في سخرية: لا ، ليست هذه بغداد الرشيد بل مدينة صدام .

نظرت إليها شهرزاد ملياً ، سألتها بمرارة : لماذا تسخرين مني؟

تأملت المرأة شهرزاد، وأزياءها الغريبة، وحليها وقالت لها: من أنت؟

ابتسمت شهرزاد في سرور وأجابت : أنا ..أنا شهرزاد .

ضحكت المرأة ضحكة مجلجلة، وظلت تضرب كفاً بكف وهي تردد : عافنا الله .

كانت إحدى النساء تقف بجوار بيت مهدم كانت تبكي بحرقة، ولفرط شعورها بالأسى لم تعد قادرة على رؤية أو مخاطبة أحد .

أسفت شهرزاد من أجلها. حاولت أن تتودد إليها وتواسيها .

نترت المرأة يدها في عنف. صاحت في وجهها بشدة: ابتعدي عني.

جاءت المرأة الأخرى واحتضنتها . كانت في حالة شديدة من الانهيار والحزن.

قالت لها : هذه امرأة مريضة ، وربما كانت مجنونة ألا ترين ملابسها الغريبة؟

ثم ضحكت وهي تقول: تزعم أنها شهرزاد وتظن أن الرشيد لا زال على قيد الحياة .

هدأت الأخرى ، وتمتمت: قد تكون هربت من إحدى المستشفيات .

حدَّقت شهرزاد في المرأتين بغضب وحنق .

وسارت في طريقها . وبدت حائرة ، هائمة حزينة .

كانت البيوت غريبة، والناس غرباء، والكلمات أشد غرابة.

لكنها بغداد، بغداد حقاً وصدقاً، بغداد دون كذب وزيف .

بغداد تستباح، وتدمر وتذل. لا ، ليست هذه مدينة الرشيد. بل ليس هذا الزمن المجلل بالعار والهوان، ليس هذا الزمن بزمن الرشيد .

سارت شهرزاد في الدروب . كانت تمشي على غير هدى، منكسة الجبين. يخفق قلبها في رعب وأسى .

كان الحزن رفيقها ومؤنسها أنى ذهبت. شاهدت جثث الموتى ملقاة على قارعة الطريق. نظرت بنقمة وازدراء إلى أولئك الغزاة الغرباء .

وقادتها حيرتها  وآلامها نحو النهر. بدا النهر في سمت ووقار شيخ كبير. بدا رائقاً وهادئاً رغم ما حوله من حرائق وخراب وأسى . تمشت شهرزاد على الشاطئ . نظرت نحو النهر المبارك، الذي يجري منذ آلاف السنين ..

أيها النهر ، هل تخبرني بالحقيقة ؟

ماذا يفعل هؤلاء الغزاة بمدينتك الجميلة ؟

لماذا حل كل هذا الخراب والدمار ؟

لماذا يبدو كل شيء غريباً، سحنات غريبة ووجوه غريبة ، زمن غريب؟

ربما كنت أنا الغريبة؟

هل أنا غريبة أيها النهر؟!

ألا تذكرني؟

أنا بنتك الطيبة، كم شكوت لك وحدتي وقسوة الأيام .

كم شكوت لك تعاستي وسقمي من حكايات كاذبة، أسردها كل ليلة .

كنت أهرب إليك.. تغسلني مياهك المباركة من السقم والألم والعذاب.

أيها النهر، أخبرني هل ستظل بغداد أسيرة؟ وإلى متى؟

عشت أسيرة مثلها. لكن قيودي حريرية وناعمة، ولكنها تظل قيوداً.

كان قلبي يخفق بحلم الحرية. ولا زلت أحلم وأبحث عن الحرية.

أنا وبغداد متشابهتان. كلانا أسرها رجل مخبول، مولع بسفح الدماء.

هل ستظل بغداد أسيرة ؟

هل ترضى بالذل والهوان ؟

هل تستسلم للغزاة طويلاً ؟

 

 

ـ 6ـ

جلست بجواره، حدّقت في وجهه البريء. لمست خده الناعم بيدها .

كان علي ينظر إلى الجدار المقابل. حاولت التودد إليه .

كان في حالة يرثى لها من البؤس والعذاب. ذراعه مبتورة. رأسه مليء بالجراح وكذلك صدره، كان علي يئن في رعب .. كان يرفض الحديث مع أي إنسان .

قال لها الطبيب : لقد فقد أهله ومنـزله وذراعه ماذا اقترف مثل هذا الطفل الصغير ؟

ما ذنب علي ومئات سواه ؟

وجه علي، دمعته، وجه بغداد، قلب امرأة قتلوا كل أولادها، قلب رجل فقد أخاه أو ابنه، وجه علي، دموعه ، آهاته، وأنينه كل ليلة، دمعته هي دمعتنا روحه المحطمة هي روحنا .

لا أحد يعبأ بدموع المساكين ؟!

 

ـ 7 ـ

من ليل بغداد المرعب، من وجوه الثكالى والحزانى، من صرخات الأطفال وأنين الجرحى، من حدقات الموتى، من مآقي النخيل الباكية، وأنين الشمس تهرب وتهرب شهرزاد. شهرزاد الفاتنة وروحها البهية كروح بغداد. خانها ذكاؤها وعجزت فطنتها عن فهم ما يجري .

شهرزاد الحكيمة لم تعد كذلك . إن ما شاهدته من خراب ودمار وعذاب يكاد يفوق عقل الإنسان .

هل سوف تحكي، في الليلة الثانية بعد الألف ؟

وماذا تقول، وبأي لغة سوف تقص ؟

من أين تبدأ؟ ماذا تقول؟

أي عار وهوان ؟

كلاّ لن أعود. هكذا صرخت شهرزاد، إني أتبرأ من كل حكاياتي التي نسجتها ببراعة سوف أهجر الحرير والزمرد والقصر الفاره إني أتبرأ من كل الأكاذيب ، وكل الأبطال الوهميين .

سوف أقول الحقيقة، ولا شيء آخر سوى الحقيقة .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007