[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
شجرة الكينا  شجرة الكينا
التاريخ:  القراءات:(5313) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  

شجرة الكينا

ـ1ـ

هأنذا أعود إلى البيت، بعد كل هذه السنوات. البيت الذي غادرته يوماً، طافحة بالغضب والمرارة..

تأملت الجدران الباهتة، كانت صامتة، باردة، يعلوها غبار السنين. سمعتها أو هكذا بدا لي، أنها ترجّع ضحكاتي الصغيرة، البريئة كزقزقة العصافير ، وأحياناً تردد نحيبي الحزين ..

اليوم، أنا مجرد امرأة عجوز. أتمشى في ظلال الشيخوخة المخيفة، الباردة. شاب قلبي منذ زمن، قبل أن يشيب شعري ..

تمشيت قليلاً خلال الساحة، تفقدت أشجار الكينا الخضراء الفارعة.

رأيت نفسي في لحظة من الذكريات المبهجة، طفلة شقية تتعلق بالأغصان، وتختبئ بين الفروع الكثيفة هاهي أشجار الكينا تقف في شموخ وقوة. لم تنحني لريح الزمان مثلي .

يوماً ما غرست بيدي إحدى شجيرات الكينا. قلت لأمي بمرح ودلال: هذه شجرتي، سوف أسقيها كل يوم، سوف نكبر معاً .

لا أدري، ألا تزال تلك الشجرة ، بين هذه الأشجار الباسقة، أم أنها قد ماتت..؟

أين أنت يا شجرة الكينا المفضلة لديّ ...؟

أعذريني، فربما نسيت مكانك، ربما كنت تحدقين بي و تقولين: مسكينة هذه المرأة.. مسكينة هذه العجوز !

ـ2ـ

شعرت بغصة وألم عميق، يهز كياني. عندما رأيت بقايا من شجرة الرمان، إنها شجرة أمي. كانت تفضل تلك الشجرة على غيرها .

ما زلت أفتقد أمي مثل طفلة، وأنا امرأة ناضجة قاربت من سنين الشيخوخة.

وكلما توغلت في سنوات العمر، كلما هزني الشوق وحرقتني لوعة الفقدان لها، رحمها الله .. ما أروعها من أم ؟

كانت النعمة العظيمة، التي وهبها الله لنا. كانت مزيجاً إنسانياً مدهشاً، من الحب والحنان، والتفاني ونكران الذات .

لا زلت أذكر تلك الابتسامات الساحرة، التي نوّرت حياتي. لا زلت أذكر أغنياتها وهدهداتها وحكاياتها .. تدللت كثيراً، أو كما تقول أمي، تدلعت على يديها كثيراً .

نعمت بالحب، والحنان والحضن الدافئ. كنت ابنتها المفضلة.. أشبهها كثيراً من حيث الملامح.. ولكنني في الحقيقة، أختلف عنها في السلوك والتفكير .. حلمت طويلاً بأن أكون مثلها.. وأن أحظى بذلك الكنـز الروحاني العميق، الذي تميزت به ..

كانت أمي تجيد الخياطة.. كانت امرأة موهوبة، موهبة حقيقية، منحها الله لها، دون تعلم أو تدريب.. كانت تخيط فساتين مزركشة، بألوان مبهجة.. وتسرح شعري، بعناية فائقة، وتصطحبني دون غيري في مشاويرها الطويلة..

ولأنني كنت المدللة، والمفضلة، فقد كنت أفعل ما يحلو لي، ولا يخيفني توعد أو توبيخ أو عقاب.. آه يا أمي، لو كان الزمان يعود إلى الوراء ، لرغبت بأن أبقى طفلة ألهو بين يديك..

رحمك الله، رحمة واسعة، وغفر لك ذنوبك..

إن الله جل جلاله، ينعم علينا بنعم شتى، وربما لا نستحق بعض تلك النعم، وكم نقصر في الشكر كما نقصر في التعبد والتقرب.. وقد حظي والدي بامرأة مدهشة ونادرة، ولا أصفها بذلك لأنها أمي، بل أصفها بتجرد، بعد أن كبرت، وخالطت النساء وخبرتهن .

أدركت كم كانت أمي عظيمة في أمومتها، فريدة في الكثير من الخصال؟

لا زلت أتساءل، هل كان والدي يستحق تلك النعمة ؟

لابد أنّ الله قد رضي عنه، فمنحه امرأة مثل أمي. لم تمت أمي، ربما فارقتنا بجسدها النحيل فقط، ولكن روحها وآمالها، وتربيتها وخلقها يرافقنا دائماً، كم أغدقت علينا من الحنان والحب ؟؟

كم غرست في أعماقنا من قيم نبيلة ؟؟!

كم أحاطتنا بأسباب الرعاية والاطمئنان ؟؟

كم تعالت على لحظات الأسى والحزن، لتشعرنا بالسعادة ؟

كم عثرت أمي، وتورمت قدماها في طريق الحياة الطويل، لننهض ونقف بكل كبرياء ونسير في طريقنا العسير ؟

لقد منحتنا أمي الحب والدلال، ونعمنا في أحضانها بالثقة والاطمئنان . أشعر أحياناً، بأنني هي، بشكل ما. لقد رافقتني دعواتها وبركاتها طوال حياتي.

أما الوالد فقد كان يختلف كثيراً عنها .. فرقتها المتناهية تساوي قسوته، وفظاظته العميقة .

وتسامحها الفطري، يصطدم دائماً بصرامته وحزمه الذي يصل في بعض الأحيان، إلى الاستبداد والطغيان .

هناك هوة عميقة بينهما ، هوة روحية وإنسانية .

وبالنسبة إلينا، كانت هناك حدود، وضوابط لكل شيء، للكلام، والضحك والنقاش .

عندما يعود في المساء، يحل السلام، يستتب الأمن والنظام، وتسكت الأصوات وحتى الأنفاس .

ـ3ـ

لا أدري لماذا أشعر بالحنين إلى تلك الأيام، ربما لأنني شارفت على الشيخوخة، ربما لأنني أشعر بالخوف من الأيام القادمة، فألوذ بالذكريات ربما لأنني وحيدة، ومستوحشة، ولا أحد يؤنس وحدتي، فحياتي فارغة، قاحلة كصحراء لا حدود لها .

تزوجت ذلك الرجل الذي يكاد يختلف في نظري عن الكثير من الرجال.

رجل مرموق، وأنيق، وطموح بلا نهاية.

كان لديّ كل ما تحلم به النساء، عادة، البيت الفاره الذي يشبه القصر، لدي أكثر من خادمة وسائق. أبتاع حاجياتي من أرقى بيوت الأزياء ولكن رغم كل هذه المظاهر الباذخة، كنت أشعر بالتعاسة .

سبحان الله ، فهو يمنحنا كل شيء، يتفضل علينا ، ويغدق من كرمه ونعمائه، ولكن لحكمة لا نعلمها، يظل هناك دائماً نقصان، سبب أو أسباب عميقة للكدر والتعاسة في هذه الدنيا ربما لنشعر أن الدنيا ليست كل شيء، وأنها مجرد طريق، وفيه عثرات وله نهاية.

كان زوجي يمنحني كل شيء بكرم لا يوصف، إلا وجوده الحقيقي في حياتي. فهو يسافر دائماً لينجز أعماله وعندما يعود يكون لديه الكثير من العمل. إنه مشغول دائماً، ليس لديه الوقت من أجلي .

كنا غريبين في منـزل واحد، كان يتصرف بلياقة وتهذيب مثل ضيف أو زائر غريب .

ناقشته طويلاً دون جدوى، قلت له: أود لو نقضي بعض الوقت معاً .

وددت لو نخرج في نزهة، أو نبقى في المنـزل لشرب القهوة أو الشاي.

عندما كنت ألح عليه، كان يتأملني في دهشة ثم يقول باستغراب: ماذا ينقصك؟

ماذا تريدين ؟

أليس لديك كل شيء؟

أخرجي، اذهبي إلى الجارات أو الصديقات، املئي وقت فراغك.

لست أدري، لماذا ينتهي النقاش إلى باب مسدود . أعزي نفسي فأقول لا فائدة.. علينا أن نرضى بالمقدر ، وألا نسرف في الأحلام والأماني ..

لكنني كنت أفتقده كثيراً، أفتقد وجوده الإنساني إلى جانبي، ومما زاد شعوري هذا، أنني بلا صديقات حقيقيات، وأقصد بذلك ، أنني أمقت العلاقات الزائفة، المتكلفة، الخالية من الشعور الحقيقي بالمودة والفهم والمشاركة .

ـ4ـ

من الأسباب العميقة للكدر في حياتي، أنني دأبت على طرح الأسئلة ، وتوقعت أو توهمت أنني سوف أجد الجواب الشافي .

كنت أشعر بالارتياب، والحيرة بين ما يقال لي وما أراه أمام عيني.

كنت أرى أمي في صورة المرأة المتفانية دائماً.

تكاد تذوب أو تتماهى مع شخص أبي .

كنت أتساءل عن السر في ذلك. ما سر هذا التفاني والذوبان، بل الإلغاء في أحيان كثيرة ؟

يتحدث والدي بصوته الغليظ، وتسقط كلماته القاسية كالحجارة على رأس أمي، فتجيب برقة ووداعة. لا تثيرها مطلقاً لهجته الفظة ، المتعالية كانت أمي، تثير دهشتي واستغرابي .

أتساءل، فأقول أهي خانعة، وضعيفة وتستسلم تماماً لقدرها ؟

أهي صبور ، حكيمة، مسالمة، تحسن التصرف ، فتنحني للعاصفة، الهوجاء حتى تمر ...

لست أدري، لست أفهم ..

ربما كانت تتصرف بذكاء وبداهة فطرية. هي لم تتعلم حقاً، ولكن مدرسة الحياة التي عاشتها مع أبي، علمتها الكثير .

هل كانت أمي شغوفة، مفتونة بشخصيته؟

لست أدري، ربما كانت كذلك .

أمي الوديعة، الرقيقة، المتفانية، تبدو لي غامضة، ومحيرة .

عندما تلاحظ تذمري، تبتسم برقة وتداعبني قائلة: بماذا تفكرين يا شقية؟

هيا، اذهبي، والعبي مع إخوتك ..

لا زلت صغيرة، ثم "تقرص" خدي بلطف ..

تجرأت مرة فقلت لها: لماذا يتحدث أبي بفظاظة، ويصرخ في وجهك، ثم تبتسمين له؟ ألا تشعرين بالإهانة ؟

ألا تغضبين منه؟

تأملتني قليلاً، وهي صامتة، بدت وكأنها تبحث عن رد مناسب ثم قالت بكل ثقة: أبداً، لا أشعر بالإهانة إن والدك هو سيد البيت، ومن حق السيد أن يأمر وينهى.

كما أن والدك رجل طيب القلب، لكنه سريع الغضب زممت شفتي الصغيرة، وقطبت جبيني وأنا أقول: هل حقاً هذا شعورك ؟

جلست قربي، ثم احتضنتني وقالت: أنت لا زلت صغيرة، فلماذا تسألين كثيراً؟

عندما تكبرين في الغد، وتصبحين امرأة مثلي سوف تقدرين موقفي جيداً.

ـ5ـ

العلاقة بينهما مثل دائرة، تبدأ بوالدي، لأنه مركز الدائرة، هو السيد، الآمر، الناهي. وعندما يرضى تطيب الحياة، وننعم بالسلام والهناء .

والدي هو المركز، وأمي تدور، وتدور، وتتلاشى كنقطة صغيرة على محيط الدائرة .

والدي هو مركز العناية والإجلال.. وكل ما سواه مجرد ظل باهت وضئيل لشخصه الكريم ..

عندما ينتهي والدي من الغداء مثلاً، تكون أمي قد جلبت إبريق الماء فتهرق الماء على يديه ليغتسل ثم تناوله المنشفة .

لقد تلاشت الكثير من مشاهد الحياة بالنسبة لي ، إلا ذلك المشهد، ظل محفوراً في جدران الذاكرة.

تساءلت : هل تقبل كل امرأة بمثل هذه العلاقة؟

بالنسبة لي، تطلعت إلى تفهم ومشاركة من قبل زوجي

العلاقة بينهما كالحياة، أو كدائرة الحياة، تبدأ من نقطة وتنتهي إليها .

وهكذا طوال الحياة، كانت أمي تكد وتشقى، تنجب وتربي وتتفانى من أ جل الجميع .

امرأة مدهشة ونادرة، تشقى بحب وتتفانى دون تذمر أو شكوى ..

علاقتهما المدهشة، المحيرة أثارت دائماً تساؤلاتي وأحياناً كنت أشعر نحو والدي بمزيج من الحنق والغضب والكراهية .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007