[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نساء عاريات  نساء عاريات
التاريخ:  القراءات:(5524) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
نساء عاريات

- 1 –

وقفت وحيدة في الممشى ، وقفت برهة من الوقت . تشعر بوجيب أنفاسها ، ونبضات قلبها المتسارعة .

تأملت الحجارة المرصوفة بعناية ودقة ، وألوانها البديعة ، المتماوجة ، بين البني والأصفر .

نظرت نحو اليمين واليسار ، ثم جالت ببصرها في الأنحاء حولها كان الوقت هو المفضل لديها ، وقت المغربية ، عندما يتسلل الظلام بهدوء ، فيعانق كل شيء ، عناقا بديعا ، كخل وفي .

تتلألأ أضواء المصابيح المختلفة في المكان . بدأت تتمشى قليلا ، لم تنعم بالتنزه أو المشي ، منذ وقت طويل .

اعتادت أن تمشي وحيدة ، تصغي بشغف إلى روحها ، ونبض قلبها ، واضطراب أفكارها .

تمشي برفقة ذاتها ، أحيانا تعوزها الرفقة الطيبة . ما أجمل أن تمشي وحيدا ، إلا من ذاتك ؟

كانت النسائم الباردة ، تتسلل إلى صفحة وجهها عبر الخمار ، بل تنساب حتى جذور قلبها الحزين .

الأجواء حولها بديعة ، ساحرة فوق الوصف . كانت تتأمل المكان ، بينما تستمتع بالمشي .

شعرت لوهلة ، وكأنها تطير فوق السحاب ، ذلك لأن الضباب الكثيف البارد ، يتساقط فوق رأسها ، لأنها تقف على قمة مكان مرتفع .

-2-

جلست قليلا على إحدى المقاعد الحجرية ، التي كانت على جانب الممشى ، في أنحاء مختلفة من المكان .

شعرت ببعض التعب ، لأنها لم تمش منذ زمن بعيد ، كانت ظروفها الخاصة ، تمنعها من ذلك .

الغابة من أجمل الأماكن ، مزدانة بالأرصفة ، وهناك أركان متعددة ، تباع فيها البطاطا المقلية والذرة والبليلة ، وغير ذلك .

وبالطبع الألعاب التي يتمتع بها الأطفال كثيرا ، ولكن أجمل ما رأته في غابة رغدان ، هو الأشجار العارية .

كلما تمشت قليلا ، توقفت ، لتنعم النظر في الأشجار العارية . إنها عارية من الأوراق ، وبعضها قليل الأوراق .

كان ذلك الفصل هو الخريف ، فصل الحيرة الجميلة ، إن كل المخلوقات حولها تبتسم تلك الابتسامة ، الحائرة الحزينة ، وهي كذلك في أعماق روحها ، كانت تبتسم رغم الألم .

في الخريف ، تصفر الأوراق ، ثم تتساقط رويدا رويدا ، حتى تتعرى الأشجار . تذبل الحشائش الخضراء وتبرد الأجواء .

وتهب الرياح إيذانا ببدء الأجواء الباردة .

ما أجمل المكان بكل ما فيه من الارتفاع الشاهق والجو البارد ، والأشجار والأرصفة وأماكن الجلوس ؟

ما أجمل الأشجار العارية ؟

إنها تقف شامخة ، حزينة ، تبعث الهيبة والجلال . غمرها الشعور العميق بالجلال، لسحر المكان .

ولفها الضباب البارد ، وتأملت الأضواء الباهرة ، التي تألقت بألوان مختلفة .

وبدا الظلام الدامس ، يغلب تلك الأضواء ، وتسرب إلى نفسها شعور عميق بالوحشة والوحدة .

يا له من جو بديع !!

الأشجار العارية ، التي كانت تقف شامخة ، هزتها بعنف ، للحظة تآلفت معها . شعرت بمزيج من الجلال والوحشة والوحدة ، في ان واحد .

تابعت السير ، خلال الممر المرصوف ، كان عدد الرواد في الغابة قليلا ، لأن الأجواء كانت باردة للغاية .

أيتها الأشجار العارية ، أنت مثلي ! بدت وكأنها تتلو قصيدة ، نظمتها للتو ، كانت تخاطب الأشجار ، كما تخاطب ذاتها .

أيتها الأشجار ، أنت وحيدة مثلي !!

يشعر المرء أحيانا بأنه وحيد إلى حد الغربة ، رغم ضجيج البشر ، وصخب الحياة .

كان الضباب يزداد ويتكاثف ، ويتهاوى في رقة حولها . حتى أنها شعرت وكأنها قد طارت حتى أعالي السماء .

- 3-

" لا تذهبي بعيدا ، إني أحذرك "

كان الطفل الذي يبدو في العاشرة من عمره ، يؤنب أخته الصغيرة كانا يجريان ، ويلعبان مع بعضهما . نظرت إلى الطفل مليا ، غص قلبها بالألم ، تذكرت ابنها الصغير ، جاءت صورته الحية ، لتملأ عقلها .

اقتربت منه بحذر ، ثم نادته بلطف قائلة : ما اسمك يا حبيبي ؟

توقف الطفل ، ونظر إليها بارتياب ، أرادت التودد إليه ،وتهدئة مخاوفه ، فضحكت ، وهي تعيد عليه السؤال ، ما هو اسمك ؟

لماذا لا تجيب ؟

هل أنت خائف مني ؟

أين أمك ؟

أشار بيده النحيلة إلى امرأة ، كانت تجلس قرب سيارة رمادية اللون .

إنها هناك .

هيا أخبرني ما اسمك ؟

تضاحك الطفل بشقاوة ، ثم قال : محمد

وفي أي صف تدرس ؟

قال محمد : أنا أدرس بالصف الثالث

بحثت عن قطع من الحلوى ، في حقيبتها ، ولحسن الحظ وجدت واحدة ، ثم قدمتها له برقة .

قالت : خذ هذه الحلوى لك . أنت تخاف من الغرباء مثلي ، ولكنك مثل ابني ، أنت لطيف وشقي مثله .

أقبل الطفل نحوها ، كانت ابتسامته البريئة ، تضيء على شفتيه ، شعر نحوها بالارتياح ، سألها في دهشة : هل ابنك موجود بالغابة يمكن أن نلعب معا ؟

آلمها السؤال ، وقالت له برقة : للأسف ، ابني ليس هنا ، إنه في مدينة أخرى .

اقترب منها ، وكأنه شعر بألمها . لمست يده الصغيرة ، ثم قبلت جبينه وقالت : ليحفظك الله يا بني .

هيا ، انطلق إلى أمك ، فقد تكون قلقة عليك .

- 4-

ابني الحبيب !!

ترى ؟ ماذا تفعل الآن ؟

هل تلهو وتلعب ، أم تستذكر دروسك ؟

آه يا حبيبي ، ليتني كنت أراك .

هزتها الأشواق الندية ، لابنها الصغير ، الذي تركته مع والده ، لخلاف بينهما .

ترقرقت الدموع الحائرة ، في عينيها ، لم تكن تريد أن تترك لنفسها العنان ، للبكاء أو الأسى .

لديها يقين راسخ بأن ما يحدث لها ، هو جزء من قدرها ، وعليها أن تفوض أمرها إلى الله .

تجرعت غصص الألم ، وكتمت زفراتها الحرى ، واستأنفت السير ، والتأمل فيما حولها .

راعتها أسراب طويلة من النمل ، في الممر الطويل ، لم تنفك تقول في اعتبار ، سبحان الله .

ترددت أنفاسها ، مسبحة لله ، تمجد الخالق العظيم ، خشع قلبها واستكان ، وتأملت بكل جوارحها ، الكائنات من حولها .

تساءلت في دهشة ، متى يتسنى للمرء أن يرتشف من هذا الرحيق الصافي ، رحيق الجمال وسكون الطبيعة الخلابة .

يشعر المرء بالوحدانية والسلام ، وتسحره عظمة الخلق، وجلال الخالق .

تهمس في خشوع ، " تباركت ربنا ، وتعاليت "

- 5 -

غابة رغدان ، تمتد في منطقة شاهقة الارتفاع ، وتطل أجزاء منها على عقبة تهامة .

ويتجلى السحر والجمال ، في ذلك الارتفاع الشاهق ، بحيث يشعر الإنسان وكأنه يعانق السحاب .

وقفت خلف الحواجز الحديدية ، التي وضعت لحماية الأطفال ، من تلك الأماكن الخطرة ، التي قد يؤدي السقوط منها ، إلى موت محقق .

كانت واقفة خلف الحواجز ، تتأمل جبال تهامة , التي كانت شاهقة الارتفاع ، وكانت السيارات التي تقطع الطريق أسفل العقبة ، تبدو صغيرة وضئيلة للغاية .

كان المشهد كله ، يوحي بالرهبة ، ويدفع الإنسان للشعور بأنه ضئيل في هذا الكون .

وفي غمرة التفكر ، جاءها هاتف قوي ، هزها بعنف ، صرخ قائلا : ماذا بك ؟

هل أنت وشك الانهيار ؟!

أنظري إلى الجبال الشاهقة ، ألا ترين الحياة كلها قائمة حولك .

لماذا ترغبين بالاختباء مثل طفلة وذرف الدموع ؟

هل يجدي البكاء أيتها السيدة الحصيفة ؟

إن الحياة كلها قائمة حولك ، رغم الألم ، رغم الموت والخراب .

ألم تلامس روحك الشفافة بألوانها البديعة ، وظلالها الساحرة ، وأحجارها ، وأشجارها ، وجبالها وغيومها .

ما الذي يؤلمك حقا ، ويدعوك إلى الهرب ؟

ألا تعلمين أن الجحود هو من أخلاق البشر ، والفراق مكتوب على كل حي .

إنها تدرك حقا ، أنها لم تكن حزينة ، من أجل متع الحياة .

ما يؤلمها حقا ، ألا ترى ابنها الوحيد ، تراه وهو يأكل أو يلعب ، تراه عندما ينام ، تحتضنه وتسهر عليه عند المرض .

إن صورته تتردد في عقلها ، وتملأ كيانها كله . صورته مزيج من الضحك والدموع والبراءة والرقة .

أحيانا يهزنا الألم ، فنشعر بالشك في كل شيء حولنا . نفقد الشعور بالسلام مع ذواتنا ومع الاخرين .

- 6-

كن صديقي

كم جميل لو بقينا أصدقاء

إن كل امرأة تحتاج إلى كف صديق و ماذا ....

حاولت تذكر بقية القصيدة ، فلم تفلح . إنها تتذكر المعاني جيدا . كانت غارقة في التفكر والهواجس تضطرم في عقلها ، وبينما كانت تسير خلف الهواجس ، على غير هدى . طوقتها ذراع قوية من الخلف . ارتاعت وصرخت ، ما هذا ؟

ابتسمت وهي تزيح ذراع أختها قائلة : كاد قلبي يسقط من الخوف ، فلماذا فعلت ذلك ؟

ضحكت الأخت معتذرة ، ثم قالت : لأنني تعبت من البحث عنك ، والاتصال بك على جهازك المحمول ، ولكن دون جدوى ، مما أثار قلقي .

بالله عليك !

هل أنا طفلة صغيرة ؟ ماذا سيحدث لي ؟

ماذا تفعلين بحق الله ؟

هل تكتبين قصيدة جديدة ؟

كلا ، إن ما أراه حولي ، لهو أجمل وأرق من كل القصائد ، لكنني في الحقيقة كنت أردد قصيدة لسعاد الصباح .

قالت أختها : أية قصيدة تعنين ؟

كن صديقي . كم جميل لو بقينا أصدقاء .

قالت الأخت : أعرف هذه القصيدة ، إنها جميلة . وكما تعلمين يا أختي العزيزة ، فأنا لست مولعة بالشعر مثلك .

إنها قصيدة عميقة المعاني ، تتطلع فيها المرأة ، إلى صداقة حقة ، وتفهم عميق من شريكها الرجل .

المرأة تحتاج في الكثير من الأحيان ، إلى تفهم عميق لمشاعرها ، ومواقفها .

تحتاج إلى صداقة حقة ، هناك التباس وسوء فهم ، في العلاقة بين الرجل والمرأة .

لا تتطلع المرأة إلى الحب الجارف في كل الأحيان ، بل إلى تفهم واحترام لمشاعرها ، وطبيعتها ، وآمالها .

نظرت إلى أختها التي كانت تصغي إليها باهتمام ، قالت لها بلطف : يبدو أنني قد صدعت رأسك ، بهذا الكلام ، أنت لا زلت صغيرة ، وقد لا تدركين كل ذلك ، لأنك لست امرأة متزوجة .

ابتسمت الصغرى ، ثم قالت بتهكم : الحمد لله !

إنني أتطلع إلى المزيد من الدراسة الدقيقة ، في مجال تخصصي ، ثم الوظيفة المناسبة ، من المبكر التفكير بالزواج .

-7 –

جاءت تلك الصورة البعيدة ،ملأت الذاكرة ، كما تملأ صورة غريبة الشاشة ، أمام أعيننا ، فتتملكنا دهشة بالغة .

فتاة صغيرة ، ضئيلة الجسد ، لها عينان واسعتان ، تلمعان ببراءة الطفولة ، تحتضن حقيبة جلدية ، كبيرة بالنسبة لحجمها الصغير .

تجري بسرعة كل صباح ، لتلحق " بالباص " الباص الذي يقلها إلى المدرسة الابتدائية في رغدان .

كانت تبكي بحرارة عندما يفوتها الباص ، لا تريد التغيب عن المدرسة ، ومفارقة صديقاتها المرحات .

ابتسمت ، بينما تحاول تذكر المزيد من التفاصيل .

كان الباص ، يمر بقرى عديدة مثل الزرقاء القريبة من الغابة ، كذلك يعرج على بني سعد والطويلة ، حتى المدرسة الابتدائية في رغدان .

في البدء كان الأمر غريبا ومزعجا ، كل شيء غريب ، النظام والكتب والوجوه ، كل شيء كان يثير القلق والخوف ثم اعتادت على الأمر ،وأحبته حد الافتتان . كما أنها شغفت بمعلمتها في الصف الأول ، لأنها كانت تحتضنها برقة عندما تبكي ، وقد ذرفت الكثير من الدموع في ذلك الصف . ولا تنفك تناديها " يا حبيبتي " كلما جاءت أو ذهبت .

أما الآن ، فقد كبرت كثيرا ، إنها في قلب الحياة ، تتنازعها مشاعر متباينة من الحيرة والجزع ، لا تدري ماذا تحمل لها رياح الأيام ، من خسارة وألم .

-8-

كانت تقف الفتاة أمام الفرن ، شابة في مقتبل العمر ، تفيض بالحيوية ، وتضيء ابتساماتها .

كانت تقف وتدندن بإحدى الأغنيات المفضلة لديها .

ما شاء الله . ماذا تفعلين ؟

ردت الأخت بابتسامة واسعة ، كما ترين ، فأنا أعد العجة ، لأتناول فطوري .

مللت من الجبن والقشطة والعسل .

ضحكت ثم قالت لأختها : ما هذا الدلال ؟

فطور بعد الثانية ظهرا !

ماذا تريدين مني أن أفعل ؟

لماذا أصحو مبكرا ؟

انتهيت كما تعلمين ، من دراستي الجامعية ، وليس عندي وظيفة ، والخادم تقوم بتدبير شئون البيت . فبالله عليك لماذا أصحو مبكرا ؟ !

آه إنك فتاة مترفة حقا ، يحق لك التدلل والنوم حتى الظهيرة . لا دراسة ولا عمل ولا زواج أو صداع .

" يا بختك يا أختي "

ضحكت الشابة ثم قالت : والله إنني قد مللت ، وسقمت روحي من هذا الفراغ ، الذي أعيشه .

إنني مثل آلاف الفتيات ، ننتظر وننتظر ، ونتضرع إلى الله أن يحقق الأماني .

إننا ننتظر ما لا يجيء ، الوظيفة المناسبة والرجل المناسب !

عليك أن تتحلي بالصبر والأمل ، وإسألي الله من فضله ، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين .

مللت من الانتظار ، والله مللت .

الشباب قوة وأمل وعزيمة تهزم الصعاب ، وأنت لا زلت شابة ، والحياة تفتح ذراعيها لك . فلماذا اليأس ؟

2011-12-05

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007