[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عَــــجْـــــــز 
التاريخ:  القراءات:(4623) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : إبراهيم مضواح الألمعي  
سرَّه أن يتحرَّك القطار وما يزال المقعد المواجه له شاغراً، فكم يزعجُهُ أن يجاوره أحد الفضوليين؛ الراغبين في الثرثرة، دون أهمية لما يقول، ويحنق عندما لا يشاركه الثرثرة، يتمنَّى أن يتكرَّر ذلك في المحطة التالية، ولكنه يعرف أن أمنيَّته لن تتحقَّق، وأن راحته بانفراده بهذه النافذة لن يدوم، قرَّر أن يلعبَ مع نفسه لعبة التوقُّع: سيأتي من يجلس هنا؛ إن لم يجلس على المقعد المقابل أحد فقد أخطأ حدْسُه.. كم يتمنَّى أن يخطئ حدْسُه..

في المحطة الثانية توجَّس من انتصار حدسه؛ اعتاد أن يتوقع الأسوأ ليهيئ نفسه للقادم، هكذا في كل شؤونه، لم يبق إلا القليل ويتحرك القطار، ما زال المكان شاغراً، شعر بتفاؤل يتسرب إليه، لم يلتفت عندما شعر أن أحداً يخطو باتجاه المقعد المقابل، ولكنَّهُ كَنَسَ بقايا التفاؤل الذي تسرب إليه منذ لحظات..

جلستْ دون أن ترفع عينيها عن حقيبتها عشبيةِ اللون، وقد وضعتها في حِجْرِها، أخرجتْ منها منديلاً، مسحتْ بقايا دموعها برفق، أتاح له إطراقُها أن يرتشفها بعينيه، ما تزال تمرِّر المنديل برفق على عينيها، رفعتْ نظرها بغتةً، لتجد عينيه تنظران باتجاهها كعدسة مصوِّر، أطرقتْ خجلاً، صرف نظره إلى النافذة ليرى المناظر التي اعتاد رؤيتها كلما ركب القطار من البلدة، حيثُ يعمل، عائداً إلى المدينة، يحدث هذا مرة أو مرتين في الشهر، شعر أنها رفعتْ رأسها مجدداً، عَدَلَ جِلْسَتَه ليسترق النظر إليها، فوجدها تحدِّق فيه، سرعان ما صرفتْ نظرها تفتِّش في حقيبتها عن لا شيء..

يقترب القطار من المحطَّة الثالثة، كم يخاف أن تنزل في هذه المحطَّة، ليس أمامه إلا أن يلعب مع نفسه لعبة الحدْس مجدداً؛ ستغادر القطار في المحطة التالية، إن لم تغادر فقد أخطأ حدسه، وكم يتمنى أن يخطئ..

أطفالٌ يقفون مقابل السكة، يلوحون بأيديهم، ينظر إليهم مبتسماً، تشاركه النظر إليهم، يلوح لهم بيده، برغم أنه قد جاوزهم، تفعل ذلك أيضاً، يقترب القطار من المحطة الثالثة، يرد على ابتسامتها الفاتنة بابتسامة، هزَّ رأسه برضا، تنظر إليه نظرة من تعرفه منذ زمن، استقبل نظراتها بتطلع إلى المزيد، شعرتْ بذلك، تحركت شفتاها بكلمات لم يفهمها، فقد انشغلَ بغمازتين تبدوان على خديها مع كل نبرة، وبشفتين رقيقتين حدَّ الدهشة، انتظرت منه جواباً، لم يجبْ فهو لا يدري ماذا قالت! خجلت لأنه لم يجب عن سؤالها، شعرتْ أنَّه لا يرغب أن يخبرها عن المحطة التي ينوي النزول فيها. مظهرُهُ الأنيق، وجاذبيته الطاغية، ونظراته الودودة، أغرتها بإعادة السؤال، هز رأسه، يميناً وشمالاً بحسرة، لم تستطع تفسير عزوفه عن الإجابة! ولكن صمتَه كان مستفزَّاً. وقف القطار؛ حانَ الوقتُ لاختبار حدسه للمرة الثانية، عَدَلَتْ جِلْسَتَها فيما يشبه التهيؤ لمغادرة القطار، نهضت وهي ترمقُه بازدراء، تحيطها هالةٌ من السحر، نظر إليها نظرةً ذات معنى، ولكنها لم تستطع تفسيرها، فقد جرحها مرتين، وقف ينظر إليها صامتاً محتاراً، أشاحتْ بوجهها وهي تخطو خطواتٍ غاضبة مغادرةً القطار، تبعها إلى المحطة، لم تلتفت إليه، لم تشعر بأنه يتبعها، كانت الأنظار تلاحقه وهو يلاحقها دون أن تلتفت إليه، وربما دون أن تشعر به، يمدُّ يدَه ليربتَ على كتفها، ولكنه يتراجع، فما يدريه لعلَّها لا تقبل مثل هذا التصرُّف، لوَّحت لها سيدة في منتصف العمر، تقف في صف المنتظرين، يبدو أنها جاءت لاستقبالها، اتجهت إليها، غرقتْ في حضنها، فلم يجد مناصاً من العودة إلى مقعده في القطار؛ تقتاتُه الحسرة، لأنها ذهبت مغضبةً، دون أن يستطيع الإفصاح لها عن عجز أذنيه ولسانه..

يناير2012م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007