[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مسبحة زرقاء  مسبحة زرقاء
التاريخ:  القراءات:(5074) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
مسبحة زرقاء

بسم الله نبدأ الحكي :

ـ1ـ

تقلّب مسبحتها العتيقة، ذات الحبات الزرقاء، تبسمل وتسبّح قليلاً، تبدو لمن يراقبها أو يراها خلسة وكأنها تحادث شخصاً ما .

فتارة تتمتم شفتاها ببضع كلمات، ويختلج جفناها وتارة تبتسم ابتسامة غامضة تضيء قسماتها المغضنة .

ربما يظن أحدهم أنها تعاني من مرض أو وسواس أو ما شابه ذلك .

إنها مجرد امرأة وحيدة، تحيا مع الأفكار والذكريات، تتنازعها الهواجس والمخاوف. تمضي ما تبقى لها من العمر مع ظله ، ظل والدي الذي توفي منذ سنوات .

يتراءى لها في كل الأماكن، عند الباب، قرب النافذة، بجوار السرير .

إنه معي دائماً ، لم ولن يفارقني أ بداً .. هكذا كانت تقول بحب وثقة .. في شتاء الشيخوخة، لا شيء يدفئ القلب مثل ذكرى جميلة، ولا شيء يبهج الروح إلا الصلاة، والذكر ، والتسبيح .

عندما أعود قليلاً إلى الوراء، أتذكر سنوات الطفولة والصبا، وأتذكر أمي جيداً، تبدو لي وكأن حياتها الطويلة، مجرد صلاة خاشعة لا تكاد تنتهي .

لم تكن أمي امرأة عادية، تشبه كل النساء . كانت شابة ورعة، تقية، ربيت على التدين والحرص الشديد على العبادات .

وكما قالت يوماً : ورثت حبي للدين عن جدتي رحمها الله . كانت امرأة صالحة ولا أزكيها على الله .

كلما تشعر بالوحشة والعجز، ويمضها الحزن والألم، تهجر كل شيء من أمور الدنيا، وتتقرب إلى الله، وتنقطع تماماً للتعبد .

تأثرت أمي لفراق والدي كثيراً، طالما قالت بلوعة صادقة: ليتني مت قبله.

وعندما يأتي العيد مثلاً، تتفجع وتبكي بمرارة وكأنه يموت لتوه. وتردد: رحمك الله يا أبا محمد، ما أسوأ حالنا من بعدك ؟

ما أسوأ الدنيا كلها بدونك ؟

ونظل إلى جوارها، نواسيها ونصبرها علها تصبر، ويتبدد كل شعورنا بالفرح وهكذا تمر الأيام، وحتى المناسبات في رتابة كبيرة . لست ألوم أمي، لأنها تبكي أبي كل هذه السنوات. كان يفيض بالحنان والمودة والعطف .

لم يكن يملك المال الكثير، ولكن أحوالنا المادية كانت جيدة .

كان رحمه الله يملك ما هو أهم من المال، خلقه الجميل، وإنسانيته العميقة. كان زوجاً وأباً حنوناً، وجاراً ودوداً يقدره الجميع .

وكما اعتادت أمي الحزينة أن تقول : الطيب لا يعيش في هذه الدنيا، وتردف بحكمة بالغة: دنيا دنية، لا يدوم لها حال .

أحياناً، أدخل غرفتها فجأة ، فأجدها تتحدث إليه بصوت عال، وتحكي له عما حدث وقيل في ذلك اليوم .

في البدء شعرت بالقلق والألم من أجلها، فهي تبدو وكأنها فقدت جزءاً غالياً من روحها.

ولكنني بمرور الوقت اعتدت الأمر. كانت أمي قبل موت أبي امرأة مرحة، متفائلة، لا تفارق الابتسامة شفتيها كانت تتمتع بقوة روحية هائلة، تستمدها من تدينها وخوفها من الله، وعندما مات والدي اهتزت قوتها وانكسر قلبها، وكما تقول: لم يعد لي "ظهر" يسندني. كنت في وجود أبيك، أنام مطمئنة ،قريرة العين، لا أحمل هماً ولا أفكر بالغد .

ـ2ـ

أصبحنا وأصبح الملك لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير .

استيقظت على كلماتها، ودعواتها الجميلة، كان الصباح شديد البرودة .

بعد صلاة الفجر ، اعتادت أمي ألا تنام، تغرق في تسبيحها، وتبتهل إلى خالقها . وبعد شروق الشمس، تصلي ركعتين أو أكثر. ثم تعد قهوتها المفضلة ، وعلى صينية تيفال تفرد عجينتها الرقيقة، فينضج خبزها على مهل ثم تتناوله مع قليل من السمن والعسل .

بالطبع كانت تلح عليّ لأبقى معها، وتقول : لا خير في النوم بعد صلاة الفجر .

بالنسبة لي ، كنت أودع ابنتي ، وأطمئن أنها قد لحقت بالحافلة ثم أعود إلى فراشي وأستمتع بالنوم حتى الظهيرة .

لا شيء لدي أعمله، فلست موظفة، وأمي تعد لنفسها كل شيء، وعندما أبادر بمساعدتها تعنفني قائلة : دعيني أتحرك، وأخدم نفسي فلا أشعر بالعجز والمرض .

علينا أن نحيا ثم نموت مرة واحدة فقط .

بالنسبة لي، كنت على النقيض تماماً، فلا أحب الأعمال المنـزلية، ولا تعنيني الطبخات الجديدة، ولكن لديّ ولع خاص بعالم الأزياء انفتحت عيناي على عالم الأزياء الساحر عندما كنت متزوجة، كان زوجي يشتري لي العديد من مجلات الموضة . لم يكن لديّ أي عمل سوى قراءتها والتفرج عليها .

كنت أعيش حياة ناعمة، تمتعت بالرفاهية ودهشت عندما دخلت ذلك البيت الفخم بغرفه الواسعة، وأثاثه الغالي .

وهناك خلف الجدران ، كانت خيوط رقيقة من المؤامرات والمكائد تحاك ضدي .

ـ 3ـ

حملت فستان بنت جيراننا الوردي، ونشرته أمام أمي، ثم قلت متفاخرة: ما رأيك بهذا الفستان، فهو من تصميمي؟

كانت شفتاها تتقوسان في قسوة بالغة، وعيناها تلمعان ببقايا من دموع.

تطلعت نحوي بوجه جامد، وملامح مغضنة شديدة الكآبة. ولم تقل أي شيء.

ما بك يا أمي؟

هل حدث أمر لا أعرفه ؟

اختلجت عيناها، وملأتهما الدموع، وارتعدت شفتاها ثم حاولت مغادرة المكان فاعترضتها محتجة وقلت: لا تهربي مني، أخبريني بالحقيقة .

ما لك يا أمي ؟

هل سوف نظل نبكي طوال العمر ؟

جلبت لها القليل من الماء وساعدتها على الجلوس بهدوء .

مرت لحظات من الصمت والترقب. بعد قليل قالت والعبرة تكاد تخنقها: ألم تعلمي بأمر مها، بنت جارنا علي .

ما بها ؟ سألت بدهشة واهتمام : مها المطلقة.

سوف تتزوج في الصيف القادم.

وماذا في ذلك ؟

وهل هي أفضل منك؟ فأنت أجمل وأصغر ..

أرجو لها كل الخير والتوفيق ، وكما يقولون يا أمي الزواج "قسمة ونصيب".

نفخت بغيظ وقالت : يا لبرودتك!!

ثم زفرت قائلة : أتمنى أن يرزقك الله بالرجل الصالح .

ضحكت طويلاً رغماً عني، فلم أكن أود إثارة غضبها وحزنها ثانية.

وقلت لها بلطف: يا أمي الحبيبة، تعرفين موقفي من هذا الأمر، فأنت تفكرين بي وأنا أفكر بأمل، لأنها كل حياتي كما أن الرجل الصالح، سوف يفكر ألف مرة قبل أن يتزوج من مطلقة مثلي ولديها بنت أيضاً .

ـ4ـ

بعد المغرب، نجتمع في الساحة، أمي وابنتي وكذلك أنا . نحتسي القهوة المزينة بالهيل والقرنفل مع قليل من التمر .

فوجئت بابنتي وهي تقدم لي قطعة من الكيك المزين بالشوكولاته .

ابتسمت وقلت لها : من أين جلبت لنا هذا الكيك ؟

ضحكت بمرح وهي تقول: لقد أعددته بنفسي .

معقول !!

هيا تذوقيه، وقولي بصراحة ، ما رأيك به ؟ هل هو شهي؟

ضحكت وأنا أقضم قطعة صغيرة، ثم قلت : بالطبع هو شهي، فكل ما تصنعه يداك يا حبيبتي، لذيذ مثلك !

ولكن منذ متى تهوين إعداد الحلوى ؟

هزت منكبيها ومطت شفتيها بتفاخر قائلة :

إذا كان لدي وقت فراغ، أحب أن أعد بعض الأطباق الغريبة وخاصة الحلوى .

انتظرنا أمي ، فلم تأت كعادتها، دخلت غرفتها بهدوء، ألقيت عليها التحية، كانت لا تزال تجلس على سجادتها، تبتهل إلى الله، وتتلو بعض الأذكار، قبّلت رأسها ثم قلت: سوف تبرد القهوة يا أمي ، فأرجو ألا تتأخري .

بعد قليل جاءت، صبت لنا أمل القهوة التي فاحت رائحتها الزكية في الأجواء .

تجرعت أمي القليل من قهوتها الساخنة، حمدت الله كثيراً وقالت: قهوة طيبة.

أخذت أمل قطعة صغيرة من الكيك، ثم ناولتها لجدتها .

ابتسمت وتساءلت : ما هذا ؟

كيك، صنعته خصيصاً ، لأحلى وأرق جدّه في هذا العالم .

هكذا قالت ابنتي بمرح وتودد ، فما كان من أمي إلا أن أخذت الكيك وقبلت كفها بحنان ثم قالت برقة : سلمت يا حبيبتي .

وبينما كنا نتحدث ، جاءت جارتنا العزيزة أم خالد، وكعادتها ارتشفت فنجان القهوة رشفة واحدة، وبدأت تتحدث، فخيم الوجوم والصمت على المكان.

كنا نرمقها بنظرات محايدة، لا تنم عن أية مشاعر، ونتظاهر بمتابعتها فنبتسم أحياناً أو نهز رؤوسنا.

إنها امرأة ناقمة على كل شيء، على الدنيا بأسرها، بدءاً بزوجها الذي لا يقدرها كما تدعي، وانتهاءً بخادمتها الأندونيسية التي لا تكف عن معاندتها .

في الحقيقة ، لم نكن نشعر نحو هذه المرأة بالارتياح لقد أفسدت علينا جلسة هادئة وجواً رائقاً مليئاً بالأنس .

فهي من أولئك النساء اللاتي يكذبن كثيراً وهي ناقمة، لا تعترف بنعمة من نعم الله، ولا تعرف معنى الشكر لله أو لأحد من عباده .

ونحن نعلم جيداً ، أن زوجها رجل طيب ومسالم فهو جارنا منذ سنوات عديدة. وهي تعيش في ظله حياة مرفهة .

أمي أيضاً لا تميل إليها، ولكنها تقول: بلطف هي جارتنا ، وللجار حق عظيم ، لا بأس تحمليها قليلاً يا ابنتي .

كنت أظل صامتة، عابسة في حضرتها، أصغي بدهشة إلى ادعاءاتها الوقحة، وكونها مسكينة لا حول لها ولا قوة !

ولشد ما تثير نقمتي وجنوني عندما تقول : إن الرجال لا يجلبون إلا الهم والغم، والله يا أم أمل إنك دون زوج في راحة وسعادة " الله يهنيك "!!

كنت أرسم ابتسامة بلهاء على شفتي وأحاول السيطرة على غضبي وأنا أقول لها : معك حق، معك حق، أنا في راحة عظيمة ولله الحمد !

وفي سري أقول يا للعجب: تحسدني على وحدتي! كان الله في عون زوجها، امرأة كاذبة حسود، لا تطاق .

وعندما تنصرف ، نتنفس الصعداء، ونحمد الله كثيراً على ذلك .

كم هي امرأة جاهلة، لا تقدر نعمة الله عليها فهي تعيش في منـزل واسع، تتزين وترتدي أجمل الثياب وخادمتها المسكينة تقوم بكل شيء، وهناك رجل يشقى طوال النهار بينما هي تنام حتى الظهيرة، وفي العصرية تبحث عن مكان تذهب إليه للثرثرة والنميمة وتتبع عورات الناس .

إنها تعيش حياة كريمة ، في ظل رجل يرعاها ويحميها ويقوم على شئونها.

تقول أمي .. إنها امرأة حسود، وتخاف كثيراً من الحسد ولهذا تدعي أنها تعيش في كرب وغم .

على أي شيء تحسدني ؟!

لأنني أعيش حرة، كما تقول: لا زوج ولا أولاد ولا صداع .

تحسدني لأنني بلا زوج يقوم على شئوني ويرعاني..!

لا تدري حقاً كم نعاني ؟

كم أشعر بالحرج، عندما تمرض أمي وأحتاج إلى نقلها إلى المشفى. ومن ثم أتصل بأحد الجيران .

أشعر بالحرج والهوان، وأتساءل : لو كان هناك رجل يحمل عني هذا العبء الثقيل أما كان أفضل ؟

ـ5ـ

عندما أرى ابنتي تخطر أمامي في ثوب أنيق أعود إلى ذكريات الصبا، أراها تتفتح كوردة عبقة، بهية ، عميقة الأريج .

وتحلق روحي معها، أينما ذهبت، وأظل أفكر بها وأقلق عليها حتى تعود.

كبرت ابنتي بين يدي، وفي أعماق قلبي، وكنت أتمنى دائماً ألا تكون سيئة الحظ مثلي، وأن يرزقها الله بزوج صالح يرعاها، ويحنو عليها، ويكون لها السند الحامي .

كنت أشعر بقلق خفي، يملأ جوانحي حول مستقبلها ، فهي ذكية، طموحة، تحقق أعلى المستويات، وبشرني نبوغها المبكر بمستقبل زاهر .

عندما عرفت نبأ تخرجها من الكلية، كدت أطير من الفرح، لا أدري ماذا حل بي؟ بكيت طويلاً ثم ضحكت، ثم عدت لأبكي ثانية، كذلك أمي التي كانت تشاطرني القلق حيالها، والخوف عليها من الأيام القادمة .

ومرت أيام الصيف، ونحن ننتظر بلهفة نبأ تعيينها في إحدى المدارس القريبة. وكم كانت صدمتي كبيرة، عندما عينت ابنتي في قرية بعيدة عنا، وحرت في أمرها، ماذا أفعل ؟

حصلت ابنتي على تقدير عال، ومن حقها أن تعين في مدرسة قريبة. عندما سألت عن الموضوع، قيل بأنها أفضل من غيرها .

شعرت بالألم والحيرة والعجز، وكذلك أمي المريضة الحزينة على الدوام.

ماذا بيدنا أن نفعل ؟

هل أسمح لابنتي الشابة، الصغيرة أن تذهب لوحدها إلى تلك المنطقة البعيدة؟

وعندما تذهب إلى هناك، مع من تعيش وكيف تتصرف ؟

كم حلمنا بذلك اليوم، الذي تتسلم فيه أوراق التعيين، وتبدأ العمل؟

اقترحت أمي أن أكلم والدها، ليجد لنا حلاً، ولكنني لم أجد أحداً يرد عليّ وفي المرة الوحيدة، التي رد أحدهم، أخبرني أنه مسافر .

من حق ابنتي أن تعمل وتحقق كل ما تطمح إليه، لن أسمح لأحد بتحطيمها أو جعلها ضحية .

ولكن ماذا بيدنا أن نفعل، ونحن مجرد نساء؟!

اقترحت إحدى الصديقات أن أكتب قصتي الحزينة إلى جريدة عكاظ، لعل أحد أهل الخير يلتفت إلينا، ويساعدنا في حل هذه المشكلة .

وبالفعل، كتبت قصتي كاملة، وأرسلتها إلى جريدة عكاظ ، ولا زلت أنتظر الرد

‏23‏/ 8/ 2011

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007