[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
كل شيء هالك إلا حبه كل شيء هالك إلا حبه
التاريخ:الثلاثاء 13 مارس 2012  القراءات:(10349) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : دكتور محمود عبد الناصر نصر  
التقت عيناها بعينيه.. طال اللقاء. لقاء ودَّت أن يطول.. أن يمتد إلى ما لا نهاية. لقاء نادراً ما يتكرر.. و إذا ما تكرر, تشعر بأنه من نوع فريد. لقاء تتحينه بين الفينة و الأخرى.. في خلوة معه و خلوة مع نفسها بعيداً عن العالم بما فيه من شخوص و أشياء و أحداث.. بعيداً عن شعورها و ما يعج به من ذكريات الماضي الذي أحياناً ما يبش فى وجهها متبسماً مسترجعاً ما كان لها من معسول الذكريات و جميل الحكايات.. و أحياناً ما يتجهم لها مبدياً لها وجهه القبيح الأشوه المتنكر في ثوبه الأسود باعثاً فيها شعوراً بالحرمان و الرغبة في استعادة ما لا يمكن استعادته.. ذلك الوجه الذي لا تتمنى أن تراه أو يخطر لها على بال. تجاوب الزمان و المكان معاً لتهيئة الجو المناسب للقاء. ها هي الشمس قد خشعت لمغيبها.. تلملم ما قد تبقى من أشعتها التي تنسحب من حجرتها واحداً تلو الآخر مؤذنة ببداية ليل يهرول حثيثاً ليشهد هذا اللقاء. يكاد القادم إلى حجرتها ألا يراها في هذا الضوء الضعيف الباهت , الذي تُفضل دائماً أن تلقاه فيه. و ها هي حجرتها , قبلتها و كعبتها و محرابها و صومعتها و قلعة حبها و حصن عشقها و مهد غرامها و مرعى هيامها الذي ترعرع فيها و اعشوشب و طرح ثماره يانعة فقطفت منها و قطفت , و ما زالت تقطف , فهنيئاً للآكلين .

ارتسمت الابتسامة عريضة على وجه ذِكرى و هي تحدِّق في عينيه..عينان تجد فيهما واحة ظليلة وارفة فيحاء تستظل بها كلما قسا عليها الزمان , و استأسد عليها بنو البشر , و تنمر لها القريب , و استنسر البعيد. و دائماً ما لا تجد في تلك الواحة سوى الحملان الوديعة ترفل في رحابها فترفل هي الأخرى معها في حمى فارسها و تحت كنفه و رعايته. كم أوت إلى تلك الواحة تشتكى من ظمأً لم تجد ما يرويه.. جرَّبت كل أنواع المياه فلم يشف غليلها سوى هذا النبع السلسال في تلك الواحة الملائكية. شربت ذكرى من كوثر عذب.. من فرات سلسبيل.. فروت ظمأ قلبها.. و أطفأت صدى وجدها. عادت الحياة تدب في أعماقها باعثة الأمل في حبها الذي كاد يلفظ روحه تحت سنابك الحرمان و الهجر و الفراق و الوحدة التي صارت أنيسها و جليسها و نديمها الذي يصعب عليه مفارقتها. إنها الواحة ذاتها التي تلقت فيها على يديه أول دروسها في الحب. لقد كان هو أول من فتح قلبها لغزو العشق , و يا لجمال هذا الغزو! لقد خضع القلب الغض البريء لسلطة هذا الغازي و سلطانه.. فأسلمه زمام أمره , متخذاً منه أميره و سيده و مولاه. أقسم القلب يميناً أن يظل وفياً لمعلمه و مالك أمره , و كان كيوبيد خير الشاهدين .

مدت ذكرى يدها إليه فتلقاها بيديه معاً. كم شعرت بالدفء يدب في أوصالها و هي تلمس تلك اليد الناعمة الناطقة بما تحمله من مشاعر جياشة كانت مكوناتها الحب و الغرام و العشق و الهيام في مركب غلَّفه الهوى فزينه و حمله الشوق و حرسه الجوى و سهرت على راحته الصبابة و رعته رسل الغرام بعينها التي لا تنام و لا تكل و لا تمل . ها هو ذات الشعور يخامرها و هو يمسك يدها بين يديه. هربت برودة الإحساس إلى غير رجعة. سرا بين الأيدي خط مباشر تبادلا عبره ذلك المركب الغريب الذي سرعان ما سرا في شرايينهما فسيطر على كل ما فى كيانهما.. و لم يترك موضع شعرة إلا و غشاها . ودَّت ذكرى لو طالت تلك اللحظات. ودَّت لو أنها صارت كلها يد واحدة حتى يصبح بإمكان جميع أجزاء جسدها أن تنعم بالدفء بين يديه, فيحملها بين كفيه أينما سار, لا تفترق عنه, و لا ينقطع التيار بينها و بينه.

ارتمت ذكرى في أحضانه لتجد دفئاً و أماناً و قلباً تشعر بنبضاته تختلط بنبضاتها, فلا تستطيع أن تفرِّق بين هذه و تلك . ألقت برأسها على صدره مسدلة شعرها على ذراعيه مسَّلمة أمرها له, متخلصة من هويتها لتذوب في هويته ليصبحا بأمر الهوى وحدة واحدة لا انفصام لها. اختلطت زفراته بشهقاتها. سالت دموعها على صدره, فسرعان ما جاءت دموعه مصَّدقة على دموعها فيصير الدمع دمعاً واحداً. اتحدت الهمسات فلا تعلم أذنا أي منهما عن أي لسان تصدر هذه الهمسات. لم ترض شفتاه أن تحط الرحال على الخدود النوادي. تلك الخدود التي طالما خشي ذلك الفارس عليها من النسيم أن يجرحها, و من لمسات الحرير أن تدميها. آثرت شفتاه أن تنال وحدتهما مع شفتيها اللتين لا يدرى إذا ما كانتا بتلات ورود حمر أو جمر مشتعل أم صورة مصغرة لقلب ألهبه العشق و أشعله الغرام. اتحدت الشفاه فتناهت الفروق و أصبح الكل سواء . ودَّت ذكرى أن تتوقف ساعة الزمان حتى تطول هذه اللحظات فتصبح ساعات أو أياماً أو عمراً بأكمله. و إن كان للعمر نهاية فما أجمل أن تكون نهايتها و هي بين أحضانه و كلاهما جسد واحد و روح واحدة و حب واحد و غرام لا ينتهي.

ازداد ظلام الحجرة , فمدت ذكرى يدها و هي في سريرها إلى مفتاح كهرباء بجوارها فأضاءت مصباحاً صغيراً باهت الإضاءة, ثم عادت فرفعت عينيها إلى الصورة المعلقة في مواجهتها , و التي وُضِع على طرفها شريط أسود .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007