[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
العمة  العمة
التاريخ:  القراءات:(4936) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
العمَّة

ـ1ـ

نهرتني أمي في غلظة، عندما سألتها ببراءة وخوف إلى أين؟ إلى أين نذهب في هذا اليوم الحار؟ نهرتني، وصاحت محتدة: اسكتي ، لا شأن لك ثم قبضت على يدي الطرية في قسوة، ودفعتني لأسير أمامها. تعثرت بحجر، فوقعت وتمرغ وجهي، وثوبي بالتراب.

بقيت جاثمة على الأرض، تعمدت ألا أنهض، بسبب كلمات أمي الفظة، شعرت بمزيد من الأسى على نفسي، فالتصقت أكثر بالأرض، وانخرطت في بكاء مرير.

ركعت أمي، بجواري، حاولت أن تهدئ من ثورتي، وتساعدني على النهوض. كما نفضت الغبار عن ثوبي رمقتني بنظرة مشفقة، وحنون، أخذتني بين أحضانها وهي تقبلني بحرارة.

مررنا على بيوت كثيرة، أثناء سيرنا، وشاهدت أناساً كثيرين، يعملون في أراضيهم الزراعية .

امتدت أمامنا، مساحات ، شاسعة، من حقول الشعير والقمح والذرة.

ما أجمل سنابل القمح، الذهبية، وهي تتمايل في الحقول كالحسناوات..؟

كان الوقت، في ذلك الحين صيفاً، والناس يستعدون لموسم الحصاد .

قطعنا طريقاً طويلاً، كانت أمي تحملني أحياناً وأحياناً تتركني ، أسير إلى جوارها .

تورمت أقدامنا ونحن نهبط من تل إلى وادي، ثم نصعد مرة أخرى وهكذا. فبدا الطريق أمامي وكأنه بلا نهاية.

وبدأت الشمس، تلم شعاعها الذهبي، لترحل نحو المجهول. وخف الحر الشديد ، ونعمنا ببعض النسائم الباردة، والجو اللطيف .

وأقبل الليل، يزحف في شراهة، كالوحش وبدأت الكثير من المعالم، تختفي، بسبب الظلام.

كانت والدتي، تتمتم طوال الطريق، كأنها تحاور شخصاً آخر .

كلماتها مبهومة، تزفر وتئن وأحياناً تنشج بصوت خافت. ووصلنا أخيراً، إلى بيت من الطين ، يقوم على تلة مرتفعة، منفرداً عن بقية البيوت .

هتفت عندما رأيته : هذا بيت جدتي.. أجل، تلك العجوز، التي تزورنا في العيد، وعندما تمرض أمي وتجلب لنا معها، اللوز والتمر والرمان.

ودخلنا الساحة الكبيرة، التي كانت تحيط بالبيت صعدت الدرج الحجري بسرعة، وأنا أتلهف على رؤية جدتي..لكن أمي تلكأت قليلاً .

كان جسدها النحيل يهتز، ويدها اليمنى، تحجب وجهها عني .

لم تتمالك نفسها، انهارت وبكت قبل أن تتجاوز الدرجة الأولى .

عدت إلى أمي مقطبة الجبين، وشعرت باليأس يقتلني لأنني لا أعرف، كيف يمكنني مواساتها، بل لا أفهم سر بكائها وحزنها..

وفجأة ظهرت جدتي، بوجهها المغضن، وشعرها الأشيب. وخفت إلينا ترحب بنا، لكنها جزعت قليلاً وهي ترى أمي تكفكف دموعها ..

حيّاك الله يا ابنتي.. خيراً إن شاء الله . لم تبكين؟

هل أصاب زوجك مكروه؟

قضيت أياماً جميلة، لا أنساها في بيت جدتي وكم كانت سعادتي غامرة، وأنا أستيقظ قبل شروق الشمس، وأرافقها إلى الوادي. كان لديهم مزرعة كبيرة. كان هناك الرمان والخوخ، والمشمش والعنب، وغير ذلك.

وعندما، يحل المساء، أطعم الدجاج، وأطارد القطط وألهو مع بنات الجيران.

لست أدري، كم بقينا هناك ؟

لكنني أعتقد أننا مكثنا مدة طويلة ..

يوماً ما، كنت أقف خلف الباب، باب غرفة جدتي. وأرهفت كل حواسي لما يدور بينهما .

أخذت أمي، تشكو أبي.. تشكو قسوته، وغلظة قلبه. وإهاناته لها ..

وكشفت عن أجزاء من جسدها، ذراعها وظهرها، لتري جدتي آثار ضربه المبرح لها .

انتشرت ندبات كثيرة ، في ظهر أمي..

ثم سكتت قليلاً، وصدرها يرتفع ، ويهبط لفرط الانفعال لكنني صبرت، صبرت، من أجل ابنتي .. ولأنني أقدر ظروفك يا أمي، وكذلك ظروف أخي.

تحملت الظلم والهوان، لأنني، لا أريد أن أكون عبئاً على أحد .

واختنقت وهي تبكي، وقالت بصوت، مجروح وممزق. ولكن ، كيف أصبر الآن وهو ..

لا طاقة لي على ذلك، لا أستطيع يا أمي ..

تصبرين على ماذا يا ابنتي ؟

سألتها جدتي، في هدوء ..

إنه يريد الزواج من أخرى، بل هو مصمم على ذلك .

ـ2ـ

زف والدي، إلى عروسه الجديدة. كانت صغيرة في السادسة عشرة من عمرها، وربما في السابعة عشرة .

كانت جميلة، ذات قوام فارع، وبشرة بيضاء، وشعر ناعم وغزير.

بدت متألقة ، تضج بالحياة مثل وردة عبقة ، قطفت لتوها من الحديقة.

كنا نعيش، في الطابق الأسفل من البيت . واحتلت هي الطابق الأعلى . وقام والدي، بتجديد أثاثه ونادراً ما كنا نراه. احتجب لدى عروسه الجديدة. استولت تلك الفتاة الصغيرة، الغنجة، على مشاعر أبي .. فأغرقها بالحب، والحنان، وأهملنا تماماً نراها أحياناً ، وهي تغادر البيت ، لزيارة أهلها: كانت تتعمد إثارة غيرة أمي، فتتدلل على أبي، لتظهر مدى شغفه بها.

وتتباهى بشعرها، الفاحم، الطويل.. وبشرتها البيضاء وما لديها من ثياب وحلي ..

أما أمي فقد وقعت فريسة للغيرة العمياء، التي كانت تنهش فؤادها ، وتقتل مشاعرها ..

اعتاد والدي، أن يكسو أمي ثوباً، وهي لا عدد للثياب والحلي والمناديل ..

وكل يوم خميس، يأتي محملاً بالكادي والبخور الجيد .. يعطي لوالدتي القليل، وما تبقى لها.

أمي تعمل بكد، طوال النهار. تطبخ لنا الطعام، تكنس الدار والفناء، ولدينا بقرة، تقوم بإطعامها كل يوم وحلبها، وتنظيف مكانها ..

أما زوجة أبي، فلم نراها تحمل المكنسة يوماً، فهي تتزين، وتتدلل ، وتزور الجارات والقريبات. بدا الأمر، وكأن أمي، مجرد خادمة، مسكينة في البيت.

وتزايد شعورها بالقهر والعذاب.. ومزقت الغيرة قلبها، أشد تمزيق .

أصبحت قاسية، عنيفة، شديدة الجفاء، حتى في معاملتها لي .

وشيئاً ، فشيئاً تغيرت والدتي، تحولت من امرأة مستكينة، تسكب دموعها في صمت وكبرياء إلى امرأة شرسة، تتحين الفرصة، للانتقام من غريمتها، والنيل منها .

وأعلنت أمي الحرب الشعواء على أبي، مصممة على النصر، مهما كانت الخسائر ..

استوقفته ذات صباح، وهو ينـزل الدرج وقالت بصرامة وأنفة: اسمع، إذا كانت زوجتك، تريد السمن واللبن، فعليها أن تعنى بالبقرة مثلي ..

فلست خادمة لديها، وإلا فلتشتر لها بقرة أخرى ..

يا فتاح، يا عليم، هكذا، رد أبي في لا مبالاة.

كانت أمي، تنظر في عينيه مباشرة، نظرة متحدية مزدرية .

اعتقد، أنك سمعتني. أليس كذلك؟

قطب والدي، جبينه العريض، وقال بهدوء. كيف تجرؤين يا فاطمة، على مثل هذا الحديث ؟

نبت لك، لسان طويل، شديد الوقاحة!

ردت عليه بسخرية قائلة: أجل، بفضلك ، نبت لي لسان آخر، وصار كما قلت طويلاً ووقحاً .

ثم شمخت بأنفها، وحدّقت بوجهه ضاحكة هل تصدق؟!

لم أعد أخافك !

ثم قهقهت بصوت عال. واهتز جسدها كله .

كلماتك، مهما كانت قاسية، وبذيئة ، لن تجرح فؤادي، فقد مات.

لن تشعرني بالهوان، بعد اليوم؛ لأنني قد تشبعت لا شيء يؤثر بي ..

هيا ! ارني ، ماذا ستفعل.. هيا !

هل تريد أن تضربني، إن جسدي، محفور بالندبات، وروحي أيضاً .

أخرسي أيتها...

لا، لا تغضب، لا تجهد نفسك، بكلام قبيح لا جدوى منه .

دمدم أبي في وحشية، فقد نفد صبره، وهمّ بضرب أمي، فرفع يده، لكنها صدتها بقوة.. بل دفعته ، فتراجع إلى الوراء ..

ذهل أبي، استجمع نفسه، وانفلت يشتم أمي..

ظلت هادئة، لم تحرك ساكناً وهو ثائر، مزمجر سخرت منه وقالت: كفى، كفى تمالك نفسك يا رجل، فقد يسمعك الجيران ..

وجاءت عمتي ، عندما سمعت الصراخ وهي تتثنى وتمسك بطرف ثوبها في دلال .

كانت ترتدي قطيفة سوداء، مزينة بخيوط ذهبية. ولفت شعرها الفاحم "بشيلة" خفيفة.

أسرعت نحو أبي، متلهفة، وأخذت بيده ورمقت والدتي بنظرة احتقار.

قالت لها موبخة: ألا تستحين يا فاطمة ؟!

حدجتها أمي ، بنظرة ازدراء وزمت شفتيها قائلة: اخرسي يا بنت شريفة، أيتها الحية، ما جلبت لنا سوى الخراب والمصائب .

ارتاعت عمتي، قالت لأبي برجاء: اتركها، هيا تعال معي لتستريح، لقد جنت!

سخرت أمي منهما وقالت باستفزاز: اذهب معها وحذاري أن تلدغك الحية!!

ثم قذفت المكنسة وراءهما ، عندما صعدا الدرج .

ـ3ـ

سئمت عمتي من وحدتها في الطابق الأعلى .. ومما تثيره أمي من مشكلات، طوال النهار .

أدركت رغم صغر سنها، أن من مصلحتها أن تحسن علاقتها بالجميع.. لأننا في النهاية، عائلة واحدة. نادتني، ذات صباح، عندما كنت ألهو في الساحة مع أختي الصغيرة ..

كانت تقف في آخر الدرج، أمسكت بيدي وهي تبتسم نظرت إلى وجهي قليلاً .

ابتسمت قائلة: ماذا كنت تفعلين ؟

ضحكت، وأخذت أتملص من يدها ..

هيا، أخبريني. هكذا استحثتني لأخبرها ..

صمت قليلاً ثم قلت بتدلل: كنت ألعب في الساحة مع أختي.

حسناً، وأين هي أمك ؟

أمي في الوادي.

تحسست خدي وشعري بلطف.

داعبتني قائلة: شعرك جميل، إنه ناعم وغزير. ما رأيك لو أضفره لك؟

أخذتني، إلى الداخل، أعطتني حلوى، وسرحت شعري إلى ضفيرتين.

عندما ، عادت أمي، أخبرتها بما حدث، اندهشت كثيراً، ورغم ذلك، لم توبخني، أو تحذرني من الذهاب إليها .

بدأت العلاقات ، تتحسن رويداً ، رويداً .

أصبحت عمتي، تساعد أمي، في تنظيف الساحة، من الروث ، والعلف، والأتربة. وتعتني بالبقرة أيضاً. وتعد لنا العشاء أو الغداء .

وأصبحنا نتبادل الزيارة، تأتي إلينا في الضحى لتحتسي القهوة مع أمي. ونذهب إليها بعد العشاء لنسمر قليلاً .

وسعد والدي، بهذا التحول الجميل، وهدأت الأمور بينه وبين أمي.

آمنت أمي، بأن عليها، أن ترضى بالأمر الواقع وتتكيف معه ، قدر المستطاع، فلم تعد هناك جدوى من الصراخ، والبكاء، وإثارة المشكلات .

ـ 4ـ

ذات صباح، جاء والدي إلى أمي، رأيته يقترب منها ويسألها بصوت هامس، أثار شكوكنا .

قالت: أمي: لا أدري، ماذا أكلت، فقد تعشّت لوحدها .

أصيبت عمتي، بمغص شديد، ودوخة، واستفراغ مستمر.

كانت تتقيأ كل ما تأكله تقريباً حتى الماء لا تقبله معدتها .

حار أبي في أمره، لا يدري ماذا يفعل من أجلها وتعاطفنا معه كثيراً.

أخذها إلى أحد الشيوخ المعروفين، في قرية مجاورة. حيث قرأ عليها بعض الآيات الكريمة، وأعطاها زيتاً لتدهن به بطنها .

ولكن دون جدوى.

سرت الإشاعات بين الناس، أحدهم، ادعى بأن عمتي قد أصيبت بعين حاسد. وآخر اتهم أمي، بأنها قد تدبرت أمرها، فدست لها السم.

اهتزت أمي لهذه الإشاعة الشنيعة، فهي قد تفعل كل شيء إلا القتل!

هزلت عمتي، أصفر كل جسمها، وغارت عيناها فبدت كخرقة بالية.

جلست أمي إلى جوار سريرها، أشفقت عليها كثيراً نسيت في لحظات، أنها قد سرقت أبي منها. قالت لها بكل صدق وعطف: "سلامتك، ما تشوفين شر" وأخذت تسري عنها بحديث لطيف .

تفاقمت حالة عمتي كثيراً، فأصبحت غير قادرة على المشي بمفردها. أخذها والدي، إلى "فقيه" مشهور، فكواها في بطن قدمها، لأنها كما قال قد أصيبت "بالخاطر" ومعناه الاستفراغ المستمر، والدوار .

لم تتحسن عمتي كثيراً، خف القيء قليلاً، لكنها لم تعد تقبل أي طعام . فقط بعض الجرعات من الماء البارد لم تعد تجدي الدعوات لها بالشفاء، والتوسلات، والوصفات.

بعد شهر تقريباً ، فجعنا بموتها، كان يوماً كئيباً، لا ينتهي.

هرع والدي إلى أمي، أسر في أذنها بكلمات، فصعدت من فورها إلى غرفة عمتي .

وفجأة سمعنا صرخة مفجعة، علمنا أنها قد ماتت .

ران الصمت والأسى على بيتنا ، لفترة طويلة.

كانت فاجعة كبيرة بالنسبة لنا.. رحلت عمتي بعد أن أحببناها جميعاً.

رحلت، رحيلاً مفاجئاً ومفجعاً للغاية، ربما لأنها كانت صغيرة وجميلة.

تحدثت النسوة بحقد مسموم، دون مراعاة لمشاعر أحد، قلن بحقد وكذب: لقد قتلتها فاطمة من يقدر على فاطمة!

أسفت أمي، أسفاً بالغاً، لمثل هذه الأكاذيب وحزنت على موت عمتي، حزناً كبيراً .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007