[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
إني لاجد ريح جدتي ..... إني لاجد ريح جدتي .....
التاريخ:  القراءات:(3861) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عبد الله المطمي  

لملمت بقية أغراضي على عجل، وحزمت حقيبتي ثم ودعت أسرتي ،خرجت مستعجلاً لألحق

برحلتي، ودون شعور مني وجدتني أقف أمام باب غرفتها، وقبل أن أدق بابها وعيت واقعي 0

تحتل غرفتها الصغيرة المعتقة برائحتها الزكية المؤلفة من أعشاب عطرية وزهور برية تحرص

على حشوها في صدرها أو ربطها في أطراف منديلها الأصفر ، مكاناً وسطاً ولا تخلو من بنيها

وأحفادها أعتدنا أن لا نسافر أو نغادر إلا بعد المرور بها قرب المكان أو بعد ، تغضب كثيراً إن

خالفنا هذه العادة ، كانت تكره السفر وتخاف منه وتسألنا عن سبب كثرة هذه الأسفار ، كنا نتلطف

بالحديث معها ونتزود بنصائحها وحديثها الحميم 0

رغم ضيق غرفتها إلا أنها الملاذ لنا بحميميتها وفضائها المحبب لنا من جفاء وسع بيوتنا ،

كانت أثار الشيخوخة المتأخرة قد رسمت خطوطها ،وندوبها قد حفرت على وجهها وسائر جسدها

، منديلها الأصفر يكاد يتماهى مع شعرها الذهبي الذي أخذ لونه من صراع بياض شيبه مع

صبغة الحنا المحببة لها 0

بدأ المرض هجومه عليها، أنشب أظفاره بلا هوادة في جسمها الواهن من سفر السنين الطويلة

التي برحتها في الحياة ، ورغم مقاومتها له وتجاسرها أمام عنفوانه فقد كانت ترينا أنها بخير رغم

علمنا بحالها ، كثر توافد أقربائها البعيدين من كل مكان فقد علموا أنه الوداع الأخير 0

دخلت لألقي عليها النظرة الأخيرة وأقبل وجهها القبلة الأخيرة الذي طالما قبلني بحنو، مسجاة

بين بناتها وقد بدت خصلات شعرها الذهبي ووجها الندي وأنا أبكي صامتاً ، ورهبة الموت

تفرض سكينة على المكان إلا من نحيب خافت وهسيس بكاء من كل زاوية في البيت ،

ليلي الطويل يسيل سواده الكئيب فيطفي ما تبقى من ضوء آمال بائسة ، يتيه في فجاج همي

الواسعة ، يلقم جروحي ملح الحقيقة ، ماتت جدتي ، وصمت الكلام في حلقي وجفت الدمعة في

عيني حتى أغشتها ، ونايات ليلي المهترئة تواصل عزف لحونها الحزينة 0

غادرت المكان جسدا مواصلاً طريقي ، أكرر هذا المرور، أصبح ديدناً لي ، لم أعد استغربه ،

صرت أتعمده ، وبقيت صورتها ، صوتها ، رائحتها ، في المكان لم تبرحه ، كائنات تعيش معي

أحس بها ، أتحدث معها وأسمع صوتها وأشم رائحتها، إن صوت جدتي لم أكن أجهله، فجدتي

دائماً تحدثني، وجدتي دائماً تنشدني، أنا أعرف رائحة جدتي ، أنا أعرف صوت جدتي 0

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007