[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
و أرخى سدوله و أرخى سدوله
التاريخ:السبت 7 ابريل 2012  القراءات:(5398) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : دكتور محمود عبد الناصر نصر  
* * *

كلما اعتكر عليه الليل و أرخى سدوله , ترقرقت عيناه بالدموع و فاضت . حاول مراراً منع تلك الفكرة من أن تزاحم ما لديه من أفكار , فلم يُكتب له النجاح فى مسعاه . يبدو أنها فكرة متسلطة لا يهدأ لها بال إلا إذا رأته حزينا يائساً . يبدو أنها تستمد سعادتها من رؤية دموعه تنهمر كالسيل العرمرم . إنها الفكرة التى لم تبرح ذاكرته منذ أن حدث ما حدث . تجول بخاطره طوال ساعات يقظته , لا تستريح و لا تمل و لا تفتر , حتى أنه يسير فى الطرقات كالتائه , يدخل أماكناً لا يريد دخولها , و يضل طريقه بين الفينة و الأخرى . فإذا أوى إلى مخدعه , راودته ذات الفكرة فى صورة أوهام و هواجس و كوابيس تنَّغص عليه نومه و تفزعه بين الحين و الآخر , حتى أنه يهب من فراشه صارخاً كما لو كان قد أُلقى به من فوق قمة جبل أشم , فهوى إلى أسفل سافلين فى قاع منخفض امتلأ عن آخره بالأشواك التى خبأت تحت أوراقها حيات انهالت عليه تلدغه واحدة تلو الأخرى .

كيف السبيل إلى الخلاص من تلك الفكرة و صورة ابنه الرضيع لا تغرب عن ذهنه ؟ لقد كان أغلى ما منحته له الحياة بعد طول اشتياق و حنين . كانت ابتسامته بمثابة النعيم الدائم الذى يمشى مختالاً فى حماه . كانت تلك الابتسامة تهُّون عليه ما يلقى من عنت و مشقة . كانت تثلج صدره بعد كل بلية يُبتلى بها . أصابعه الغضة المئيدة كانت تداعب شعرات لحيته فى حبور . نظراته الطفولية البريئة كانت واحة وارفة يستظل بها و يسكن إليها إذا ما استأسدت عليه هموم الحياة و استنسر عليه إنسها و ما ظهر من جنها , خاصة خلال تلك الفترة العصيبة التى قررت فيها الأم أن تنفصل عن زوجها و تترك طفلها الرضيع الذى لم يتجاوز عمره السنة . كانت كلماته الناعمة تقع على مسامعه فتزيل ما قد علق بفكره من هموم و شجون . ما أجمل ما كانت كلمة "بابا" عندما تأتى إلى مسامعه مغلَّفة بضحكات طفولية بريئة ! يا لها من نشوة كانت تداخله و هو يحمل طفله و يداعبه و يلاعبه ! ها هو يتذكر ذلك الموقف الأليم عندما كان يداعبه فى شرفة المنزل بالدور الثالث , و يرفعه فى الهواء ثم يتلقاه بين يديه , و ضحكات الطفل تتزايد مرة تلو الأخرى . و كلما سمع الأب تلك الضحكات رفعه فى الهواء أكثر و أكثر حتى يستمتع بعذوبة ذلك الصوت الملائكى . فجأة , رأى أمام عينيه ذلك الحمل الوديع يطير من بين يديه كما لو كان قصاصة ورق حملتها الرياح لتهوى بها إلى مكان سحيق . ثوان معدودة و ارتطم الجسد الطاهر بالأسفلت الأسود اللعين , الذى كاد من شدة سخونته أن يلتصق بأقدام المارة . لا أحد يعلم إذا ما كان قد نطق بكلمة "آه" أم لم يساعده قلبه البريء بنبضاته الضعيفة على النطق بها . سال الدم الطاهر على وجنتيه كأشطان بئر فى لبان الملاك الجميل . انتشرت بقع الدم فى ثيابه كالبرق فى السماء . صاح الناس و جروا من كل حدب و صوب نحوه , كلُ يحاول فعل ما فى الإمكان . ها هو الأب يتطاير من فوق درجات السلم و يقفز من فوق المحتشدين أمام المنزل كالوحش الكاسر الذى جُن جنونه بسبب غياب وليده عنه . أمسك به يضمه إلى صدره , و يمسح عن وجهه و صدره الدماء الطاهرة البريئة , و يتحسس نبضات قلبه التى اختلطت بنبضاته فلا يكاد يعرف بأيها يشعر . تعالت الصيحات " أحضروا الطبيب . أحضروا سيارة الإسعاف " . و لكنه علم بقلب الأب الحنون و أيقن فى قرارة نفسه أن أمر السماء قد صدر, و أن القرار قد نفذ.

مضت أربعة شهور على الحادثة و لا تزال أحداثها غضة فى ذهنه . ها هو الوجه البرىء الملطخ بالدماء . ها هى الثياب المعطرة بعطر الطفولة قد بقَّعتها الدماء مختلطة بالتراب . ها هو الجسد المكفن يحمله أحد المشايخ تحت عباءته ليواريه الثرى. كلها مشاهد ما تفتأ تتنافس فى الوصول إلى ذهنه فى كل لحظة من لحظات حياته . ها هو دائماً يلوم نفسه و يحَّملها مسؤولية ما حدث . لماذا فعل ذلك بفلذة كبده ؟ لماذا لم يلق بنفسه خلفه من الشرفة ليذوق ما أذاقه ؟ لماذا كُتب عليه أن يعيش و لطفله الرضيع أن يموت هذه الميتة الشنيعة ؟ لماذا كُتب عليه أن يكتوى فى صباحه و مساءه بهذه الأفكار التى أصبحت شبحاً جاثماً على فكره؟ ماذا ينتظر من الحياة بعد اليوم؟

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007