[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
زحام في فراغ 
التاريخ:  القراءات:(5675) قراءة  التعليقات:(8) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : دكتور محمود عبد الناصر نصر  
* * *

ضاق فراغ عقلها فازداد اتساعاً. و امتد خواء فكرها فضجَ ازدحاماً. و تواترت خواطرها فانتظم تتابعها و أُحكم منوالها و توالت رتابتها. انطلقت قاطرة ذكرياتها تسير بسرعة لم يصبح في الإمكان التحكم فيها. لم تعد القاطرة تعترف بما يقابلها من محطات, و لا إشارات, و لا بما يصدر لها من تعليمات. لقد قُدح زناد فكرها فأفلت العيار, و انطلق يعدو و يعدو, و لم يعد لها من سلطان عليه سوى أن تسلِم بالأمر الواقع, و ترضى بالمكتوب, و تشاهد حلقات متصلة من دراما أُجيد تأليفها و تمثيلها و إخراجها. كادت الفروق أن تختفي فيما بينها, حتى أنها حفظتها عن ظهر قلب, و أصبحت على أتم استعداد أن تحكى أحداثها, و تروى وقائعها جملةً جملةً , و كلمةً كلمةً , بل إن شاءت حرفاً حرفاً.

لقد أصبح الندم رفيقها و أليفها و ملازمها الأوحد الذي لا تستطيع منه فكاكاً , و لا تجد منه خلاصاً و لا مفراً إلا إليه. لقد صار الارتباط بينها و بين الندم أشبه بما كان بينها و بين من أوصلها إلى حالتها تلك. أصبحت علاقتها بالندم أكثر قوة من علاقتها بمن ترك لها لا شيء سوى الفراغ و الخواء في مملكة الندم الأبدي. كيف لا يفارقها الندم و هو يوجِه إليها طوال ليلها و نهارها نفس السؤال الذي ودت مرات و مرات أن تجد له إجابة, عسى أن يكون فيها البلسم الشافي لجراحها التي لا تلتئم؟ علَها تجد إجابة ترضى ضميرها, و تريحها مما تجد من تأنيب و عقاب و وخز للضمير كدَر عليها حياتها, و سمم فرحتها, و أطفأ بسمتها, و أذهب البهجة عن وجهها ذهاباً بلا عودة. تلك البهجة التي تتحسر و تعض أناملها على فقدانها عندما تراها ترتسم على وجوه مثيلاتها من نفس سنها ممن ينعمن بشبابهن بما ينطوي عليه ذلك الشباب, و يضحكن ضحكات ترن فى مسامعها فتزيد من عذابها و آلامها. ذاك السؤال الذي يتردد في أذنيها أثناء يقظتها, لا يفارقها لحظة, حتى أصبح كالضيف الثقيل الذي لا يظهر له رحيل. فإذا أوت إلى فراشها تمثل لها في صورة كوابيس بلغت قمة الكمال في رعبها و إفزاعها, حتى أنها لتصارع النوم و تحاول طرده من عينيها خشية أن ترى ما ترى في نومها. "لماذا خضعت و استسلمت له؟" سؤال ما أن يهاجمها حتى يجر خلفه جيش خميس مما على شاكلته: لماذا ضعفت أمامه؟ لماذا ائتمنته على أغلى ما تمتلك فتاة من نفس عمرها؟ لماذا صدَقت ما كان يحكيه لها من قصص غرام؟ لماذا لم ترجع بعد أن حذَّرها القريبون منها؟ لماذا تعلق قلبها به بهذه الصورة التي لم ينجم عنها سوى ما تراه من مآسي, و ما تعيشه من ويلات؟ لماذا لم تحتكم إلى عقلها, و تستخدم حدسها قبل أن تتسرع في الموافقة على الذهاب معه؟ أين الملاك الوديع الذي كان يرتدى حلة الطهر و النقاء, و يتظاهر بما فيه من الدعة و البراءة؟ لقد تحول إلى شيطان مارد, لا ينظر إلا إلى مفاتنها, و لا يرى فيها سوى شفتين و عينين و خدين, و القائمة تطول. لقد أصبح شغله الشاغل اللعب على نقاط ضعفها, و الإكثار من محاولاته الدنيئة لاستمالتها, حتى تحول ذاك الملاك إلى وحش كاسر لا يرحم . أنقض عليها بكل ما أوتى من قوة, فأنشب مخالبه المسمومة في جسدها الغض. أمتص رحيقها, و أقتطف زهرة شبابها. قضى عليها, و أنتزع منها كل ما هو غالٍ و ثمين. أين الحصان الأبيض الذي ظلت تحلم أياماً و ليال أن يأتي و على صهوته فارسه فيلتقطها من يدها, و يأخذها معه الى عالم لا يوجد به أنس و لا جان, أو إلى نجمة بعيدة لا يسمع فيها أحد ما يقولان و لا يرى ما يفعلان؟ لقد أوقعها الحصان تحت حوافره و دب فيها سنابكه بدون رحمة و لا هوادة, و لم تجد من ينقذها مما هي فيه. أين قارب الأحلام الذي ظل يعدها به في ليالي الغرام التي قضياها معاً؟ ظلت تعيش على أمل الرحيل معه فى قاربه الذى سيبحر بهما فى هدوء و سكينة تحت رعاية إله الحب الأعظم و فى كنفه إلى عالم خالد لا يعرف الفناء, و ليس للعشق فيه نهاية. فجأة وجدت نفسها تركب قارباً مثقوباً تتسرب المياه إليه من كل ناحية. علت أمواج البحر و تلاطمت. تطوح القارب يميناً و يساراً, و أخيراً آثر أن ينكفئ على وجهه حتى لا يرى ما يحدث لمن تعتليه. لم تشعر بنفسها الا و هى تغرق, و تغرق, و تغرق فى بحر من الظلام و الخوف و الرعب و الضياع. و فوق هذا و ذاك كان العار خير الشاهدين. حاولت أن تنادى بأعلى صوتها على من ينقذها من تحت براثن من أركبها ذلك القارب, و ملأ أذنيها بمعسول الكلام, فلم تجد سوى أُجاج الماء يسد فمها و يكتم أنفاسها, و كأنه يقول لها "ذاك كان اختياركِ فاقنعي بما اخترتِ". أين الفردوس الذى ظل يغريها به مرات و مرات؟ لم تجد منه سوى الأوهام تزينها الأكاذيب و الهواجس. أين القصور التى ظل يبنيها لها من كلمات الحب و الغرام, و يفرشها لها ببسط العشق و الهيام؟ ها هى القصور قد تهاوت فوق رأسها, و لم يبق منها سوى أطلال تنوح عليها الغربان و البوم و ما شابهها من رموز الشؤم و الضياع.

حكم عليها الزمن حكماً لا طعن فيه بأن تظل حبيسة ألمها و عذابها, بأن تتحمل نتيجة فعلتها التى لم يجبرها عليها أحد, بأن تذوق عاقبة خيارها الذى اختارته بمحض أرادتها,بأن تواجه مصيراً مجهولاً لا تعلم شيئاً عنه, بأن يكون الندم صاحبها و نديمها المقرب الذى لا فراق عنه و لا وجود بدونه, بأن تغدو الجمجمة الصغيرة بما تحويه من عقل أسير كسير مرتعاً خصباً يبذر فيه العذاب بذوره المسمومة, و يسقيها بمياهه المكدرة, و ينثر عليها من حبات الأسى و الحسرة. حتى إذا نبت نبته, و اشتد عوده, و طرح ثمره, لم تجد فى الثمر سوى العذاب. و تدور الدورة ثانية و ثالثة و رابعة و إلى ما لا نهاية. و يدوم العذاب, و يزداد الألم, و يشتد الزحام فى الفراغ.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007