[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
وخز الضمير 
التاريخ:الخميس 26 ابريل 2012  القراءات:(5473) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : دكتور محمود عبد الناصر نصر  
* * *

هب مفزوعاً من مخدعه في مستشفى للأمراض العقلية, وقد انتصف الليل. انتفض من فراشه صارخاً "أطلقوا علىَّ الرصاص كما أطلقته عليها. دعوا دمى يسيل كما سال دمها. أطلقوا و أطلقوا, و لا تأخذكم بي رحمة, حتى أذوق ما ذاقت. شاهدوني و أنا ألفظ أنفاسي الأخيرة كما شاهدتها. كفنوني أو اتركوني غارقاً في دمائي. استأذنوها في أن تسمح لي أن أُدفن بجوارها حتى أضمها إلى صدري طالباً منها العفو و الغفران. فإن عفت عنى, فهذا أملى فيها. و إن لم تعف فأعيدوني ثانية و أطلقوا علىَّ الرصاص ثانية و ثالثة و رابعة. ثم أشعلوا النيران في جثتي المتهاوية, و ذروني حتى أصير رماداً, ثم احملوني إلى قبرها. اطلبوا منها أن تغفر لي. فإن فعلت فهذا أملى فيها. و إن لم تفعل فذرُوا رمادرى في الهواء حتى يعبث به و يفرقه عسى أن تتبعثر آثامي و تتفرق ذنوبي هنا و هناك.

سمح ذات ليلة لأذنيه أن تصغيا إلى ما تقوله أفعى من أفاعي البشر ممن شاءت أقداره الرعناء أن تكون زوجته الثانية الراقدة بجواره. رقدت بجسدها, و لكن عقلها و لسانها لم يعرفا للرقاد أي سبيل. ظل العقل المارد يتفتق عن حيل, و يحيك مخططات شيطانية نجسة, و ما أن يفرغ من مخطط حتى يفصح عنه اللسان البذيء السليط في أذني من ترك أذنيه تستقبلان فحش القول و نفاياته. رقدت الحرباء تقلِب عقله و قلبه ضد ملاك طاهر بريء. لولا انه وُلد من بشر لقيل عنه أنه سليل ملائكة السماء. فتاة لم تبلغ الثانية و العشرين من عمرها الغض بعد. شاءت أقدارها الوعثاء أن تكون ابنة لهذا الأب الخاوي. كُتب لها أن تذوق معنى اليتم في سن مبكرة. كان سن الخامسة آخر عهدها بمعنى كلمة "ماما" بما تحمله الكلمة من دفء و حنان و رحمة بل كل معاني الإنسانية متجسدة. شاء مصيرها أن تنطق بتلك الكلمة إلى من لا تستحقها و لا تعرف معناها. شاء حكم القدر أن تعيش أيام طفولتها و بداية شبابها تحت قبضة من تحجر قلبها, إن كان بين ضلوعها قلب. ثعلبة ارتدت ثياباً لتبدو في صورة البشر, و لكن هيهات لتلك الثياب أن تحجب خباياها. لم يكن للطفلة البريئة ذنب سوى أنها طفلة, بينما هي غير قادرة على أن تأتى بمثلها. لم يكن للشابة الطاهرة خطيئة سوى أن جنات جمالها و فراديس دلالها قد بدأت تؤتى أُكلها. بدأت مفاتنها تظهر للعيان. بدأ سحر أنوثتها يأخذ بالألباب معلناً عن نفسه. بدأ رواءها يستلفت انتباه من حولها. بدأت تؤذن بدخول مرحلة جديدة من حق أي فتاة في سنها أن تدخلها بكامل حريتها. و لكن , صعُب على الرقطاء أن ترى مثل هذا يحدث أمام عينيها المحرومتين. عظُم عليها أن تحقق تلك اليتيمة ما حرمها قدرها من تحقيقه. عز عليها أن تجد السعادة ترتسم و لو لثوان على ذلك الوجه الذي تسببت في تربع الحزن و الكآبة عليه سنوات و سنوات. أوعز إليها عقلها الدنس بمخطط للخلاص منها, و يا له من مخطط قذر كصاحبته! بدأت العقرباء تزِن في أذني الراقد بجوارها بقصص ملفقة تؤجج قلبه على فلذة كبده. تارة تحكى عما ادعته من سماعها لمكالمات تليفونية بين ابنته و بين (واحد) من عشاقها. و أخرى تقص عليه ما ادعت أنها رأته من سير ابنته في أحد الشوارع ذات مرة تحت جنح الظلام مع (واحد) آخر. و ثالثة تعرض عليه بعض صور لشباب تفننت في الحصول عليها مدعية أنها وجدتها في حجرة ابنته و تحت وسادتها. و رابعة, و تلك كانت الضربة القاضية, عندما أقنعته بأن ابنته قد تواعدت مع (واحد) منهم ليلة أمس عندما كان هو و زوجته في زيارة لأحد الأقارب. أكدت اللعينة تأكيد الشاهد العيان أن ذلك (الواحد) قد تسلل إلى المنزل بترتيب من ابنته ليقضى معها ساعة أو يزيد. ادعت الخبيثة أن إحدى جاراتها قد لمحته أثناء خروجه من المنزل. و إن أراد تأكيداً لما حدث فالدليل كائن في الحجرة التي شهدت ما شهدت, و لم يشهده سواها. اندفع الموهوم خلف من ألقت الوهم في روعه. وقفت ابنة إبليس تتنصت, فإذا بالصمت يلف البيت. اقتربت و دنا خلفها. فتحت باب الغرفة بهدوء, فإذا بالمسكينة تغط في نوم عميق هادئ مطمئن. دخلت الشوهاء و جرَّته خلفها كالدمية. دسَّت يدها الدنيئة في دولاب تلك النائمة لتخرج حقيبة صغيرة كانت قد دسَّتها بيدها النجسة أثناء غياب صاحبة الغرفة عنها. خرج على أطراف أصابعه تتبعه حشرة من الحشرات لتريه ما احتوته الحقيبة من ملابس داخلية لا تصلح للاستعمال الأنثوي, فمن أتى بها إلى حجرتها؟ استغلت الملعونة الفرصة التي لن تتكرر حتى تبلغ مأربها. توسلت إليه أن يتصرف في الحال, فالموضوع لا يحتمل التأجيل. فيوم بعد يوم سيتضح على الفتاة نتيجة فعلتها التي لن تستتر, و هي أدرى منه بأمور النساء. لعب شيطان الجن بعقله لثوان, كما لعبت به شيطانة الإنس,فإذا بها تقدم إليه ما سيجد به حلاً, مسدساً جاهزاً للاستعمال. تراجعت يده و ارتعدت, فعيَّرته الحرباء بالعار و الشنار الذين ينتظرانه إذا ما مضى على الموضوع شهر واحد, و الطبيعة سوف تفضح ذلك العار عاجلاً أو آجلاً. أمسك المسدس بيده ميمماً صوب الغرفة ثانية. لا يدرى الملاك الطاهر ما يحاك حوله ضده. ألا توقظيه أيتها الملائكة حتى يهرب من هذا الفخ اللعين؟ ألا تذودي عنه ذلك المخطط الدنيء؟ ألا تكُفى ذلك المارد و تلك الخسيسة عما انتويا عمله؟ أم أنكم اخترتم له مكاناً وسطكم في العلياء؟ انطلقت رصاصة طائشة متهورة خائنة لتستقر في جبهة بيضاء ناصعة. جبهة كريمة جليلة شريفة طاهرة. جبهة آثرت العلياء عن تلك الحمأة القذرة.

لم يفق من غيبوبته إلا تحت أيدي الأطباء. أفاق ليجد الجثة قد خرجت من المشرحة إلى مثواها الأخير. أفاق ليطَّلع على التقرير الذي كتبه أحد الأطباء الذين تولوا تشريح الجثة ليجد أن المتوفاة كانت عذراء. أفاق ليظل يصرخ ليل نهار طالباً العفو و الرحمة ممن لم تجد من يرحمها.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007