[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
وراء الأكمة ما وراءها 
التاريخ:  القراءات:(5769) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : دكتور محمود عبد الناصر نصر  

* * *

-1-

ارتسمت بسمة فاترة على وجهها و هي تودع زوجها. لم يشأ أن ينصرف إلا بعد أن تعطيه ما اعتاد عليه صبيحة كل يوم في مثل ذلك الموع, قُبلة يصَّبر بها نفسه حتى يعود آخر النهار. انصرف الزوج فسرعان ما اختفت الابتسامة, و عاد الوجه الخالي من أي أثر من المشاعر إلى سابق عهده. أغلقت الباب و عادت إلى حجرتها تشاهده من النافذة و هو يبتعد و يبتعد, و كلما ابتعد أحس قلبها بانفراجة حتى اختفي وسط الزحام, فأحس القلب بكامل حريته. لقد حان الوقت لأن تجد نفسها في خلوة مع تلك النفس. خلوة تسترقها بين الحين و الآخر على مدار السنين لتجد في أحضانها شيئاً من المتعة و السلوان. خلوة تجد فيها نفسها في غياب هذا الزوج الذي لا يعلم شيئاً عن خبايا ما هو مكنون في صدرها. امتدت يدها فأخرجت حقيبة كانت قد خبأتها في مكان أمين. فتحت الحقيبة و بحثت في محتوياتها فأمسكت صورة قديمة. ما أن نظرت إليها حتى ارتعدت يداها و اتسعت عيناها و تواترت أنفاسها و تسارعت خفقات قلبها, و كان الدمع على كل ذلك من الشاهدين. صورة تظهر فيها مع شخص غير الذي غادر المنزل منذ قريب. لقطة تبدو عليها كل مظاهر الرومانسية و السعادة في جو أفعمه الحب فأترعه, و عمَّره الغرام وسكنه. عشر سنوات مضت على هذه الصورة, و ما تزال بين الحين و الآخر تختطف نظرة إليها في خلوتها, و في كل مرة يزداد الحنين و يشتد الشوق و يستعر القلب لهيباً, و لكن أنَّى لها من سبيل؟

-2-

ها هي أسرار في السنة الأخيرة من دراستها بالكلية. فتاة وقف الجمال خجولاً من نفسه في واحتها النضرة العطرة. فتاة رُسمت معالمها, فأجيد إبداعها. معالم وضع الجمال بصماته موَّثقة في كل جزء منها. تبارت الأجزاء في مملكة الجمال, ففاز كل جزء بالمرتبة الأولى في منافسة حامية الوطيس لم يكن بها مجال سوى لتلك المرتبة. تراصت الأجراء و تناسقت فنتج عنها مخلوق ترك ملكوت الملائكة و آثر أن يعيش بين بني البشر. جلَّ من سواه فأبدعه , و سبحان من جمَّل خلقته و جعلها فتنة للناظرين, و ها هو واحد منهم ممن رأى جمالاً متوجاً يتربع على عرش نُصب على وجه لم ير له أي نظير.

-3-

انتهت المحاضرة في وقت متأخر من ذلك النهار الموعود, و ما أن انصرف الدكتور خارجاً من باب القاعة حتى تسارعت الطالبات ثم الطلاب جرياً, كل يحاول الإسراع قدر الإمكان لكسب دقيقة يعود خلالها إلى المنزل بعد يوم توالت فيه المحاضرات فأنهكت قواهم العقلية و الجسمية. ها هي أسرار تعدو و تعدو وسط زميلاتها و بإحدى يديها كتبها و بالأخرى حقيبة يدها. تسارعت خطواتها عندما سمعت صوت نفير سيارة والدها و هو يستعجلها, خاصة و أنه ينتظرها منذ أكثر من ربع الساعة. هرولت صوب السيارة مرتبكة, تحاول إعداد الأجوبة لما سوف يُوجَه إليها من تساؤلات. ما أن أغلقت باب السيارة حتى انطلق والدها سائلاً إياها عن سبب التأخير, و عن موعد بداية و نهاية المحاضرة, و عن اسم الدكتور, و عن المادة التي كانت المحاضرة بصددها, و عن, و عن ... . و عند سماعه لكل إجابة يبدى من التشكك كما لو كانت تكذب عليه أو تحاول الدفاع عن نفسها في قضية توَجَه إليها فيها الاتهامات متوالية. يبدو أنه من النوع الذي يتدخل في كل صغيرة و كبيرة. و يحب أن يطَّلع على مجريات كل ما يحدث أمامه و من خلفه و من فوقه, و إن شاء من تحته, و تلك هي المشكلة. غابت أسرار في السيارة, و اختفت السيارة وسط الزحام, و لكنها لم تغب عن نظر من كان يرقبها طوال المحاضرة, و لا يطيق أن يبعد عينيه عنها. لقد كان الدكتور و الطلاب و الطالبات في عالم, و هو في عالم خاص به. لم يكن يرى أمامه سواها. أما الباقون فقد كانوا مجرد هياكل متراصة في خلفيتها. أحياناً يزينون تلك الخلفية, و أحياناً يشتتون انتباهه عنها. كان يعيش في عالم لا يسمع فيه ما يسمعه الآخرون من شروح الدكتور و مداخلات الطلاب و الطالبات التي تأتى من هنا و من هناك. بل كان يؤنس نفسه بما يُسمِعُه لنفسه من أحاديث ظل يتخيلها بينه و بينها, علَّه يجد الجرأة و الفرصة المناسبة لجعلها حوارات حقيقية, فظلَّ يدرب نفسه عليها في صمت حتى أنه بين الفينة و الأخرى يهمهم ببعض الكلمات غير المفهومة مما يستلفت انتباه الجالسين حوله, فتمر على البعض مرور الكرام, خاصة من ركَّزوا انتباههم على شرح الدكتور, و منهم من يتابعه بنظراته ليعلم سره, فلا يجد سوى نظرات مركَّزة على مكان محدد و هدف معين. فهم البعض حالته. سرت بينهم الإشارات للسخرية و إطلاق النكات عليه, خاصة و أن سلوكه هذا قد تكرر مرات و مرات.

-4-

غابت أسرار و لكنها ما زالت مرسومة في عقله كما لو كانت شاخصة أمامه. سارت به قدماه نحو المكان الذي كانت السيارة تقف فيه انتظارا لها. ما هذا؟ هناك شيء يلمع على الأرض في مكان السيارة. جرى إليه مسرعاً. هل هذا حقيقة أم أنه يتخيل ضمن تخيلاته؟ إنها ساعة. يبدو أنها سقطت من يدها و هي مرتبكة بسبب استعجال والدها لها. لم يصَّدق عينيه إلا عندما مال عليها و أمسكها بيده. فليبتعد قليلاً عن عيون الواقفين حتى لا تزداد سخريتهم منه و تعليقاتهم عليه. ها هو قد اختفي عن عيونهم فليتأكد من كنهها. فعلاً , إنها ساعة غاية في رقتها مثل صاحبتها. أمسكها بأطراف أصابعه خشية أن يؤذى جمالها الذي يبدو أنها قد استمدته من جمال صاحبتها. سطعت الساعة في ضوء الشمس محدثة بريقاً اجتمعت فيه مختلف الألوان فخاف أن يطيل النظر إليها خشية أن تسلب منه بصره بسحرها, كما سلبت صاحبتها منه عقله و قلبه و إحساسه, بل و كل كيانه.

-5-

لم يكن ليعلم إذا ما كان الليل قد انتصف أم أن الصباح قد أوشك أن يطلع. ساعات تمر و غيرها تتلوها و هو جالس في سريره يتأمل ساعة يرى فيها ما لا يراه الآخرون. يبدو أن الرواء الأنثوي قد فاض على الساعة فكساها و ألبسها من حُلله مما جعلها تزدان هي الأخرى و تختال سحراً, و ها هو لا يجد سبيلاً للهرب من أسرها. لقد استحوذت على فكره و فؤاده و كل جوارحه, فوضعها أمامه جاعلاً إياها قِبلة له, و ظل طوال ليلته مسَّبحاً بها. أطلقت تلك الساعة لسانه المعقود فنطق بكلمات لا يعرف من أين تأتى له. اعتقد أن الفرصة قد واتته ليقف أمام معبودته, و التي لا تعرف شيئاً عنه حتى الآن, و لا تدرى حتى بوجوده قريباً أو بعيداً عنها. فلينتهز الفرصة لإعادة الساعة إليها, و يسترق من وقتها ثانية أو بضع ثوان ليقحم نفسه في عالمها. أعدَّ من الحوارات و معسول الكلام ما يحتاج إلى ساعات لإلقائه. فكيف السبيل إلى تلخيص كل ذلك في ثانية أو ثوان معدودة؟ تُرى هل ستسمح له بتلك الثوان, أم أن أحلامه ستضيع هباءً منثورا؟ هب أنها سمحت له بالثوان, فهل سيجد بعد ذلك فرصة للقائها ثانية و الحديث معها لثوان أطول, أم أنها ستكون مرة و للأبد؟ هب أنها أعطته فرصة ثانية, فهل سيكون لها ثالثة و رابعة و خامسة؟ هب أن الساعة لم تكن ساعتها فماذا سيكون ردها عليه؟ تكاثرت الأسئلة و تسارعت وتيرتها في عقله, و جاشت العواطف و اتقدت المشاعر في قلبه الذي أضحى قلعة ضربها فيروس الهوى فقَّوض جدرانها و جعلها عرضة للغزو من كل اتجاه, فما أن يخلص من سؤال سُلِط عليه حتى يجد نفسه في مواجهة الآخر, و يا ليت لتلك الأسئلة من إجابة!

-6-

أعدَّ نفسه جسمياً و نفسياً للقاء. وصل إلى الكلية في موعد مبكر, و قد لفت انتباه و أنظار زملائه بما بدا عليه ذلك اليوم من جمال مظهر و أناقة لم يكن معتاداً عليها من قبل. جلس بعيداً عن زملاءه و عيناه ترقبان كل من يدخل من باب الكلية, و بين لحظة و أخرى يعيد الحوار الذي أعدَّه في ذهنه حتى لا ينسى منه كلمة. ها هي تنزل من سيارة والدها الذي لازمها حتى دخلت من باب الكلية, ثم قال لها محذراً, "إلى القاعة مباشرة, و بعد المحاضرة ستجدينني منتظراً في مكاني." لم ينصرف والدها حتى رآها بعينيه و هي تدخل القاعة. هرول العاشق الولهان خلفها, فإذا بها تجلس بمفردها في القاعة انتظاراً لموعد المحاضرة. هل يُقدم على تنفيذ مخططه أم يتراجع؟ ارتفع صوت ضربات قلبه حتى أنه يسمعها كما لو كانت هزيم رعد يجلجل في أحشاءه. تتابعت أنفاسه بسرعة حتى أحس بضيق في تنفسه. ارتعدت أصابعه فلا تكاد تحتمل الإمساك بشيء. كل هذا يحدث و هي لا ترفع عينها نحوه. لم تعره أدنى اهتمام, بل فتحت كتبها و بدأت تعد محاضراتها. خشي أن تضيع منه الفرصة. أمامه دقائق معدودة, بعدها سيأتي الدكتور و من خلفه الطلاب و الطالبات. فليقدم على تنفيذ ما أعدَّه. "صباح الخير يا آنسة" , خرجت الكلمات من بين شفتيه كما لو كانت جبلاً ألقى به من على كاهله ليستريح منه. "صباح الخير" , جاء ردها على استحياء دون أن ترفع عينيها إليه. هل ردت عليه فعلاً, أم أنها مجرد تهيؤات تترى إلى مسامعه؟ جف ريقه و تلجلج لسانه, و لكنه نطق قائلاً "هل هذه ساعتك؟" ممسكاً بها في يمينه كما لو أنها قد صارت جزءاً من جسده لا يستطيع التخلي عنه. "نعم, شكراً", ردت عليه و قد بدا عليها الاهتمام بعض الشيء . يبدو أن ذلك الاهتمام قد زاد من قدرته على الحديث فواصل قائلاً "لقد وجدتها أمام الكلية أمس في مكان انتظار السيارة". امتدت يدها لتأخذ الساعة, و هو لا يشعر ما إذا كان مستيقظاً أم يعيش في أحلامه. التقطت الساعة من يده المرتعدة و التي ذهب لونها من هول الموقف. تسلطت عيناه على يدها و على عينيها يقلبهما بين هذه تارة و بين هاتين تارة أخرى. وضعت الساعة في حقيبتها, حيث لاحظ أن في يدها ساعة أخرى, و ما كان منها إلا أعادت "شكراً" رافعة عينيها قليلاً فالتقت بعينيه, و كفي بها نظرة. هل ينصرف أم يحاول إطالة الحديث؟ يبدو أنه ليس له خيار. لقد دخل الدكتور فليسرع إلى مكانه قبل أن تناله الأعين بالنظرات و الألسن بالكلمات.

-7-

باتت الساعة بعيدة عن صاحبتها ليلة كاملة بين أيدي و في حضن عاشق اكتوى بنار الهيام. عادت الساعة لصاحبتها, و قد حملت بين ثناياها فيروساً نشطاً ما أقواه! يبدو أن الفيروس قد بدأ يلعب لعبته منذ هذه اللحظة. لأول مرة في حياتها تضيع منها بعض أجزاء من المحاضرة بسبب بدء انشغال عقلها بشيء لم يعهده من قبل. لقد بدأ العقل البريء يتحرر شيئاً فشيئاً من قيود فُرضت عليه طيلة سنوات و سنوات. أحس القلب الغض بانطلاقة, فأعلن بداية تمرده على حظر الإقامة المفروض عليه داخل و خارج البيت. يبدو أن رسول الغرام قد بدأ يزاول مهمته الرسمية بتبادل الزيارات بين قلب أعياه الحب و أضناه الغرام و آخر لا يعرف شيئاً عن هذا و لا ذاك, و هذا هو أول عهده بعالم العشاق. فليأخذ من هذا و ليعط ذاك, و ما يفعل من خير فإن كيوبيد به عليم.

-8-

ضاعت أجزاء من المحاضرة في الكلية, و ها هي أجزاء من دقائق تضيع و هي تجلس لتذاكر في حجرتها في ليلتها تلك. بين لحظة و أخرى يشرد عقلها مفكراً فيما فعلته في ذلك اليوم. إنها تشعر بأنها قد فعلت شيئاً كبيراً لا يمكن تصديقه. قد يرى الآخرون من زملائها و زميلاتها انه أمر عادى, و لكن في ظل ما تربت عليه من قيود صارمة فاقت قيود السجن و السجناء, فإن ما قامت به يعد أمراً غير عادى. لقد حُرِم عليها الحديث مع أي شخص خارج المنزل, و أي شخص يقصد به شخص من جنسها, فما بال الأب إذا علم بأنها تحادثت و لو لثوان مع شخص من الجنس الآخر, و أنها رفعت عينيها و نظرت إليه أثناء الحديث؟ لقد مُنعت من مشاهدة التلفاز أو استخدام التليفون المنزلي أو حمل تليفون محمول. كل ذلك تحت وطأة الأب المتشكك في كل شيء, الذي يكاد يعد أصابعه في صباحه و مساءه خشية أن يكون قد نقص منهم شيء. باتت أسرار ليلتها تلك و صورة العاشق الولهان الذي كان يرتعد أمامها تتراءى لها بين الفينة و الأخرى. ذهبت لكليتها صبيحة اليوم التالي, و لأول مرة في حياتها تتطلع بعينيها باحثة عن شخص. التقت العينان ثانية فوصلت الرسالة و استوعبها كل منهما , و كان أمير الغرام خير الشاهدين .

-9-

أوشكت السنة الجامعية على الانتهاء, و قد أصبح القلبان مفعمين و العقلان مترعين, و فكره كفكرها و شعوره كشعورها. أحسنت صنيعاً يا رسول الغرام. و ها هو الرسول مازال يتبادل الزيارات, ساعة هنا و ساعة هناك. و لكن إلى متى ستظل الأسرار حبيسة, و الأبواب موصدة, و الحب الطاهر خلف القضبان؟ يبدو أن هناك بارقة أمل تلوح في الأفق. لقد جاءت فرصة لم تكن في الحسبان. يبدو أن الحظ قد ساقها حتى يتحرر العاشقان مما كبلهما, و يبوحا بمكنون ما كان من أسرار. لقد أُضطر الأب الطاغية أن يسافر شهراً في مهمة عمل لدولة أجنبية. فيا لسعادة القلبين, و يا لهناء العقلين! فلينتهزا الفرصة, عسى أن يطول الشهر فيصبح عاماً, أو يصبح عمراً مديداً.

-10-

ما أجمل و أعذب هذا المنظر الذي أظله كيوبيد تحت كنفه و فرد عليه جناح حمايته! اثنان من العاشقين في إحدى المتنزهات تحت ستار الليل و في ضوء القمر. يبث كل منهم للآخر ما قد أخفاه من حب يؤرقه و يؤلمه و يشتت انتباهه. باحت القلوب بما خبأته من أسرار دون خوف من أعين الناظرين أو ألسنة المتحدثين. لحظات تمر سريعاً و كأنها هواء منطلق يجرى خشية أن يمسك به خصم, أو يعتدي عليه معتد. نطقت الألسن بما في الصدور. همسات تليها نظرات تصطحبها لمسات تحرر كل ما ظل مكتوماً تحت أكوام من الكبت و الحرمان. التقطا عدة صور تذكارية لهذه الجلسة الغرامية للاحتفاظ بها, فلا يعلم أحد تقلبات الزمن. عبَّر الفارس عن رغبته, فكان السكوت أفضل رد, و السكوت علامة الرضا كما يقولون, و لكن كيف السبيل ؟

-11-

عاد الأب في اليوم الثلاثين, لم يتأخر ثانية عن موعده. عاد ليجد السجن كما تركه. الأبواب موصدة, و السلاسل مصفدة, و كل ذرة غبار في موضعها. لم يكن ليعلم أن انتفاضة عاطفية جرت أثناء غيابه. و قد جرى أثنائها تحرير قلب و لو بصورة مؤقتة من سلطان تلك العبودية التي ظل يرزح تحتها أعواماً و أعوام. عاد الأب و قد أحضر لابنته التي قد أنهت دراستها هدية, و يا لها من هدية! تُرى ماذا تكون؟ إنها عريس. زميل له في العمل طلب التقدم إليها, و قد وافق الأب مبدئياً حتى بدون استشارتها, و ها هو يطير من الفرح اعتقاداً منه بأن الخبر سيجعل ابنته تطير معه. فيا لها من كارثة! نزل الخبر على مسامعها كالصاعقة. رجل يفوقها في السن ثلاثين عاماً. لم تره, و لم تعرف عنه شيئاً. كل ما تعلمه أنه من اختيار الحاكم الآمر الناهي. لله درك يا أسرار.

-12-

طال عليها الليل و هي تبث شكواها لقلبها الصغير الذي المَّ بمصيبتها, فلا تجد من قلبها سوى البكاء و الحيرة و الانكسار. حار العقل الصغير و تشتت و كاد يفقد صوابه, إن لم يكن قد فقده بالفعل. هاجت عواطفها معلنة حالة الطوارئ. لم يجد القلب و لا العقل و لا العواطف من يقدم لهم المشورة و لا المساندة. أصاب العقل ثم القلب شلل, فما يجدا حلاً, و كان الجسد على فجيعتهما من المصدقين. أيام تمر و ليال تنقضي, و أسرار تتقلب في جحيم فغر فاه نحوها. جحيم يتلوى الحب الطاهر و يستغيث بين جنباته و في قاع سِجِينه, فيكتوي بجمره و يحترق بناره, و أنَّى لها من نصير؟ أصاب رسول الغرام قسطاً من العذاب فافقده صوابه. لم يعد يعرف الصواب من الخطأ, بل أنه بدأ يتوه في مساعيه فيذهب إلى قلوب عن طريق الخطأ فإذا بها غير بغيته. يبدو أن قلبها قد سقط من جدول أعماله فلم يعد يزوره أو يسأل عنه. انقطعت أخبار الفارس المتيم و أصبحت لا تعلم أي شيء عنه منذ عودة والدها بهديته. أين ذهبت يا كيوبيد و تركت العذراء البائسة تتلظى في هذا السعير؟ ألا ترحمها مما هي فيه؟ أم أنك راض عما يحدث لها؟ يبدو أن مشاغل كيوبيد قد زادت فأنسته أن هناك عاشقة ترزح تحت لواءه و تصرخ طالبة الرحمة فلا تجدها .

-13-

قُضى الأمر الذي فيه تستفتيان أيها القلب و أيها العقل. فلترضيا بالمكتوب, حيث ليس هناك سواه. أضحت أسرار و من يسمى زوجها تحت سقف واحد , فهل ينسى القلب من كان سبباً في تحريره يوماً ما و لو لساعات؟ هل يطرد العقل من ذكرياته من أخرجه ذات مرة من خلف القضبان و جعله يرى نور الحب و جماله؟ هل تمحى أسرار فترة من فترات عمرها, و تبدأ صفحة فُرضت عليها مع شخص لا تجد في عقلها مكاناً له, و لا تجد في قلبها شعوراً نحوه؟

-14-

تنهدت أسرار و هي تعيد الصورة إلى حقيبتها. زالت الرعدة من يديها و عادت عيناها إلى طبيعتهما بعد أن جفت مآقيهما من الدموع. هدأت أنفاسها, و انتظمت خفقات قلبها, و يبقى وراء الأكمة ما وراءها.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007