[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
طوق الحمامة  طوق الحمامة
التاريخ:  القراءات:(5165) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
طوق الحمامة

ـ1ـ

لمن ذلك الخطاب ؟

تململت مثل أسير، يتوق إلى الحرية. اقتربت من النافذة ، أزاحت الستارة الثقيلة قليلاً، ثم تطلعت إلى الخارج .

كل شيء هادئ وساكن، ذلك السكون الجنائزي، المرعب.

بدت الأشجار ، مثل نساء وقورات، يقفن متشامخات، ويأنفن من التضاحك والمرح. أما السماء فهي صافية خالية من السحب الكثيرة القاتمة.

تساءلت بضجر: أين ذهبت العصافير؟

تلك العصافير، الرمادية، التي كانت تحط على الأغصان، وتتناثر أحياناً على الأسطح والجدران، وتغرد في كل وقت، وكيفما تشاء، في الفجر، وعندما يشتد حر الظهيرة، وكذلك في المساء.

تغني ، وتغني، ولا ندري، أهي سعيدة فتغني، أم شقية فتبكي..!

أي مساء كئيب هذا !

رنت إلى الأزهار البيضاء، زهورها المفضلة، تبدت لها شاحبة خالية من الألق، تتقاسم معها الشعور بالكآبة، والأسى.. نادت الخادمة، بلهجة سيدة البيت المتأمرة، النكدة القاسية ووبختها بعنف قائلة: لماذا لم تسقي الأزهار يا أمينة؟

ماذا تفعلين طوال النهار ؟

بهتت الخادمة، أطرقت في صمت وخوف، ثم رمقت سيدتها بحقدٍ ، وولت مسرعة.

يطيب لها أحياناً أن تتفقد الأزهار، والشجيرات بنفسها، وتمتزج بذلك الجو العبق، وتطير مثل فراشة ملونة هنا، وهناك .

غرقت في بحر التفكر، غرقت فترة من الوقت، ونسيت كل ما حولها ترى؟ لمن ذلك الخطاب ؟

خطاب وحيد، لغته منمقة، ثرية، مليئة بالعاطفة.

ربما كتبه شاعر.. فالشعراء يتحايلون على مفردات اللغة، ينتقونها، يصففونها بعناية، فتبدو أنيقة وعذبة .

شاعر ..! هو .. هو يكتب الشعر !

بدت لها الفكرة غريبة، ومضحكة، ورغم الاندهاش ضحكت في أعماقها، ضحكت كمن يسمع دعابة ظريفة بدا لها كطائر في سماء غريبة، طائر غامض وحزين يصفق بجناحيه، ليمضي بعيداً عن السرب.

طائر وحيد، لم تلمحه سحابة عابرة، ولا عاتبه قمر أو داعبته نجمة، تتسلى في جنبات السماء.. لمن ذلك الخطاب ؟

خطاب وحيد، يكاد يشتعل لفرط الكلمات الملتاعة، المنثورة بين سطوره.

يبدأ الخطاب هكذا: الحب ـ أعزك الله ـ أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة ، وليس بمنكر في الديانة، ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل ..

أين قرأت هذه الكلمات، لا تبدو غريبة بالنسبة إليّ آه، تذكرت، هذا ما قاله ابن حزم في كتابه المشهور "طوق الحمامة" .

بداية رائعة، وخطاب غريب، وطويل .

خطاب كتبه، حبيب مشتاق، لا حيلة له في أشواقه، ولا يملك زمام قلبه، ولا يدري كيف يصف حالته، حبيب واله حد الجنون بمحبوبته .. ومن، من تكون يا ترى؟

تلك المحبوبة الغالية ، البعيدة، كنجمة تومض، في ليلة مقمرة..

من أين جاءت تلك الغريبة؟ كيف تسللت إلى سمائهما؟

شيء غامض، غلالة شفيفة من الأوهام، تحاصر الحقيقة، فلا نرى إلا الضباب.

امرأة من نسج الخيال، امرأة من الوهم، امرأة من الظل والعطر وعبق الأزهار.

امرأة بعيدة عن أهل الدنيا، تبدو كخيوط الفجر الفضية عندما تنسل من ثنايا الليل البهيم .

كيف لي أن ألومه، هو مسكين، أسير الهوى والفتنة هل أقول ، كما قال ابن حزم: الحب أوله هزل، وآخره جد، أم أقول كما أشعر: أوله فتنة، وآخره جنون وحطام .

ـ2ـ

ذهبت إلى المطبخ، أعدت لنفسها بعض القهوة، قهوة ثقيلة، محلاة بالهيل والزنجبيل والزعفران .

أخذت ترتشف القهوة، "ربما تروق أعصابي قليلاً" هكذا تمتمت، وهي تجلس وحيدة .

عندما تود التفكير بهدوء، تشعل اللمبة الحمراء، الخافتة الضوء، وتأوي إلى ركن معتم.

رشفت فناجين عديدة من القهوة، كانت تحتسي القهوة دون وعي .

تحاول أن تهدأ ، لكن أعصابها تزداد توتراً.

ربما أحتاج إلى بعض المهدئات، أشعر بجسدي وكأنه يرتجف.

هل هو الشعور بالصدمة؟

هل هو الشعور بالغضب والغبن؟

لابد أن تعترف بالحقيقة، ولنفسها فقط، فهي تواجه صدمة كبيرة، تتجاوز قدرتها على التحمل "لا باس" .

أخذت تتعزى وتتصبر .

لا بأس .

لا بد لي من الهدوء، والتفكير بعقلانية ..

لن أنساق خلف الغضب والحنق والألم ..

إنها تكاد أن تقترب من حافة الجنون.. كلما فكرت أو تخيلت أن هناك امرأة أخرى..

منذ متى؟ كيف حدث ذلك؟ ولماذا ؟

أسئلة مجنونة ، ثائرة ، فارغة.

وبخت نفسها قائلة: كيف قررت بكل بساطة، أن هناك امرأة أخرى . أخطاب واحد ، يشعل كل هذه الحرائق .. ويخلق هذه الدوامة المفزعة، من الشكوك والأوهام.

ليس هناك ما يؤكد ، أنه صاحب هذا الخطاب .

ليس هناك توقيع عليه ، أو حتى مجرد إشارة ..

ربما كان الخطاب لأحد آخر سواه ، ربما كان لصديق مثلاً هيا، تعقلي واهدئي، ولا تتصرفي بغباء ..

تذكري جيداً، هل كان يخرج لغير حاجة، وفي أوقات غريبة؟

هل تغيب عن المنـزل، لعدة أيام، دون سبب واضح؟

هل يسافر كثيراً؟

آه ...!

إنه يسافر كثيراً، بحكم عمله. وربما التقيا في إحدى جولاته ..

ربّ، يا رب . ساعدني يا الله، إنني سأفقد صوابي إذا بقيت هكذا .

ـ3ـ

فكري جيداً، ما الذي يجعل زوجك ، يفر إلى امرأة أخرى؟ نهضت بسرعة، دخلت غرفتها، وأشعلت الضوء تطلعت جيداً إلى المرآة.

هيا، أخبريني يا مرآتي ، هل فقدت جمالي؟ هل صرت أقل جاذبية؟

لا ، أنا أعتني بنفسي جيداً، ولا زلت كما أنا .

ربما صرت امرأة مملة، تتحدث طوال الوقت عن الأولاد ، ومشكلاتهم، والجيران، والصديقات، وتنسى الحديث الحميم ، الخاص .

والعناية بمشاعر زوجها، واهتماماته، كما كانت تفعل في السنوات الأولى.

لا أدري ، ربما أهملت قليلاً، وقد أشعر بالضجر، وأتحدث عن الجارات،وتفوتني اللمسات الحلوة، المبهجة. لا أعلم ربما غرقت مثل كل النساء، في تفاصيل الحياة اليومية المضجرة .

ربما صرت امرأة مضجرة ، وتافهة. تتناقل أخبار الجيران، والأهل، وآخر صيحات الموضة.

اعترفي إذن ، قولي بصراحة، إنك صرت مملة ومضجرة. واهتماماتك تافهة. والضجر يقضي على بهجة الحياة. لابد من تغيير، من كلمة رقيقة تقال، من لمحة عابرة ومليئة بالحب، من عناية ومداراة وانتباه .

فالتفاصيل الصغيرة تتراكم، لتصبح حواجز صلدة .

ـ4ـ

تلقته بعينين والهتين، وقلب حائر وممزق. دهشت لرؤيته يقف عند الباب.

هتف بمرح: هل سأقف هنا طويلاً ؟

ابتعدت قليلاً لتفسح له الطريق، صافحته بيد باردة، سحبتها بسرعة.

اتسعت ابتسامتها الصغيرة، لتداري شعورها بالحرج والصدمة .

أهذه هي المرأة التي تستقبلني ، في كل مرة ؟!

أين اللوعة، والأشواق والحنين ؟

هكذا، تستقبلني ببرود، لا ألق ولا تزين ولا أشواق مجرد ترحاب بارد، وابتسامة مصطنعة !

ظل يمعن النظر إليها ، من خلف زجاج نظارته الغامقة بدت له شاحبة، كئيبة، وغير سعيدة بقدومه . كلماتها تخلو من الرقة والدفء المعتاد، كلماتها مثل مكعبات الثلج ، استقرت في أعماق قلبه فملأتها بالبرد .

انتبهت لنظراته المتفحصة، بينما كانت ترتب المكان. انتابها الارتباك والخوف، واختلطت أشواقها، بظنونها وأوهامها.. بذلت جهوداً كبيرة، لتتصرف بشكل عادي.. أعدت له قهوته المفضلة ..

جلست قبالته في صمت وحذر .

سألت في تودد: مالك؟ ألا تشرب القهوة، سوف تبرد

نظر إليها ملياً ، ثم قال: بلى، فأنا مشتاق لقهوتك الحلوة.

تبسمت في حرج، وقالت : شكراً على هذا الإطراء، لطيف منك أن تحب قهوتي!

ضحك، وهو يتناول الفنجان .

ها .. ما هي أخباركم؟ كيف حال الأولاد ؟

الحمد لله، نحن بخير، أما الأولاد، فقد سئمت من سؤالهم الدائم عنك .

لقد تأخرت ، مما أثار مخاوفي وقلقي .

كان لديّ أعمال كثيرة لابد من إنجازها.

كان هناك توتر وحذر خفي، يملأ الجو بينهما .

وأنت،ما بك ؟

فاجأها السؤال، فتلعثمت، وارتبكت ، وهي تقول: أنا ماذا بي؟ ماذا تقصد؟

لست أدري، تبدين شاحبة قليلاً، فهل مرضت في غيابي؟ ارتعشت شفتاها الصغيرتان، واختلج جفناها.. حاولت أن تداري شعورها بالألم .

ـ5ـ

كان يتحدث بالهاتف من غرفة المكتب، صوته يتعالى، وصدى ضحكاته، يتردد في المكان .

توقفت قليلاً قبل الذهاب إليه، ملأها الهاجس اللعين، وحاصرتها الشكوك.

تفكرت بألم وحسرة: ربما كان يتحدث إليها، يبثها الشوق واللوعة، يحدثها بما كان. وربما كانا يسخران مني، أنا المرأة المغفلة ، التي تعيش مثل نبتة الظل ضحكاته العالية، المبتهجة، ظلت تطاردها كأشباح مرعبة.. تسمرت في مكانها، لم تبرحه ، بدأت ترتجف وامتلأت عيناها بالدموع .

ـ6ـ

جلست أمام المرآة، صديقتها الوحيدة ، التي لا تكذب عليها أبداً قالت: انتبهي، فأنت مثل الوردة، بهية، عبقة، تأسر القلب، ولكن عندما تذوي الوردة، وتذبل أوراقها ثم تسقط، تدوسها الأقدام. ولا يبقى منها سوى أريج خافت، يضيع في الهواء .

الوردة، عندما تموت، تصبح بلا قيمة، لا أحد يولع بها .. عندما تتغلغل التعاسة في قلوبنا نفتقد الألق، والحيوية اللطف والبصيرة معاً .

انتبهي لنفسك، ثم ضحكت المرآة الودودة، الحكيمة.

تناولت هي قلم الكحل، ثم رسمت حدود عينيها، الذابلتين بدقة صبغت شفتيها بلون قرمزي، نثرت القليل من "البودرة" على قسمات وجهها .

سرحت شعرها المتناثر في فوضى.

سألت مرآتها: ما رأيك الآن ؟

ضحكت المرآة طويلاً ثم قالت: أنت جميلة ومثيرة مثل "باربي" .

اغتاظت وصرخت : أنا مثل تلك الدمية ..!

صاحت المرآة محتدة وقالت: ماذا تريدين أن أقول ؟

هل تودين أن أشبهك بشهرزاد ؟

سوف تغتاظين، وتقولين مالي ولشهرزاد !

تهكمت قائلة: ولم لا أكون مثل شهرزاد ؟!

حسناً : جمال المرأة الحقيقي لا يكمن في الملامح أو الشكل قد تكون المرأة الجميلة في الواقع قبيحة ولا تطاق ..!

أنا حائرة، أيتها المرآة، هلا أوضحت أكثر .

الجمال الحقيقي مثل نور عميق.. ينبع من بعيد .. شكلنا مجرد إطار لصورة جامدة ، رغم حركتها، جمالنا الظاهر مجرد باب، وخلف الباب ألف باب، ووراء تلك الأبواب البعيدة يكمن السر، سر الحب، سر الشغف ، سر الكره، سر الصداقة أجل هناك بعيداً، ونظل نحن نتعذب، ونتساءل وربما نتحطم في منتصف الطريق .

ربما ينبغي على كل امرأة أن تكون جميلة، ومثيرة ذلك الجمال الظاهر ، وينبغي أن تتحلى بالذكاء ولكن تظل عاجزة عن التواصل، لا تحظى بالرضا والحب الصادق، لأن روحها ميتة، فالروح المتألقة، السامية، هي منبع الجمال .

إن الرجل أحياناً تأسره روح امرأة ما، ولا يلتفت لأخرى رغم جمالها الظاهر مهما كان فاتناً .

أيتها المرآة، أنت تتحدثين كالفلاسفة ، وأنا عجزت عن فهمك. ما أ ريده هو كيف يمكنني أن أظل امرأة مرغوبة، ومحبوبة، ولا يهجرني زوجي لأجل امرأة أخرى ..!

ألم تفهمي .. تساءلت المرآة بتعجب : ربما كنت غبية والغباء سر القبح أحياناً .

أنا غبية، أيتها المرآة لقد تجاوزت حدودك، فاتركيني وشأني ..!

ـ7ـ

كان يتمدد على الأريكة، في استرخاء بالغ.. ونظراته، هائمة شاردة .

كانت تراقبه في صمت ، وقلبها يمزقه الأسى.

لمست جبينه، ثم قالت برقة: ما بك؟

التفت إليها، وتساءل: منذ متى وأنت هنا !

منذ تلك النظرات، الساهمة، الشاردة خلف المجهول!

ثم ضحكت بنبرات خفيضة .

مالك ؟ وبم تفكر؟

تنهد قائلاً: أفكر بمشروعي الجديد، لقد اختلفت مع شركائي .

غمغمت في ارتياب : يفكر بمشروعه الجديد، كم هو مخادع؟

حسناً ، لماذا لا تغير المشروع ؟

إنه حلم حياتي ! هل تتخلين عن أحلامك ؟

بالطبع لا، ولكن أحياناً تتخلى عنا الأحلام !

لم تخبريني يوماً عن حلمك المهم .

صمتت، تأملته جيداً، ثم قالت: كنت أحلم دائماً بأن أكون امرأة محبوبة.

زوى حاجبيه، ثم قال: وهل حققت هذا الحلم؟

غامت ملامحها، وتنهدت بأسف: لست أدري، فهذا يتوقف عليك!

ضحك طويلاً، وقال: ما أغرب النساء !

آه، بالطبع، نحن غريبات، ونبدو أحياناً تافهات لأن آمالنا، وأحلامنا، تتعلق بكم أيها الرجال!

ومن ثمَّ نواجه الخيبة، والخسارة !

دهش لما سمع منها ثم قال: ظننتك امرأة بسيطة وأحببتك كثيراً لأجل ذلك.

سوف أصارحك وأقول: إن أفكارك السابقة صدمتني .

ربما كنت بسيطة، وعفوية، ويرضيني القليل.. ولكنني لست غبية، أو مغفلة!

ـ8ـ

قالت أعرابية، ولا شك أنها كانت رائقة الأعصاب للغاية: العاشق كل شيء عدوه، هبوب الريح يقلقه، ولمعان البرق زوارقه، ووجوم الديار يحرقه، والعذل يؤلمه، والتذكير يسقمه، والرقاد يهرب منه .

وقال ابن حزم: ولو كان علة الحب، حسن الصورة الجسدية، لوجب ألا يستحسن الأنقص من الصور، ونحن نجد كثيراً ممن يؤثر الأدنى ، ويعلم فضل غيره، ولا يجد محيداً لقلبه عنه .

وتزعم مرآتي الحكيمة، بأن سر الشغف يكمن خلف الصور، والأشكال والإطارات .

وأنا حائرة، يملأني الخوف والقلق، وتتلاعب بي الأوهام والشكوك.

كلما أرى زوجي، تتملكني الحيرة، ويقلقني الشك .

وأتسـاءل بمرارة: أهو عاشق أم محب ممزق بين بيته وامرأة أخرى فتنته.

أحدق في عينيه، أحدق طويلاً ، وأرقب ، وأنتظر ويبدو لي أنني قد ألمح ظلها أو خيالها. وأبحث عنها في ضحكته المجلجلة، كما أبحث عنها في عينيه الشاردتين أنا في حيرة وقلق وشكوكي تمتد وتتسع كنبتة خبيثة أدقق كثيراً عندما يتحدث، رغم عدم عنايته بترتيب كلماته .. فهو رجل عملي للغاية ..

هو عملي، لا يرتب الكلمات، ويتميز بالفوضى عندما يأتي إلى المنـزل، وينتظر مني أن أعتني بكل صغيرة وكبيرة لديه ..

ولكنه رجل مليء بالعواطف الإنسانية ، ولطالما عاملني بكل رقة ولطف ..

إنني أتساءل بجنون : هل يمكن له أن يخونني ؟

ـ9ـ

كانت تقف لوحدها، غارقة في الهواجس، تسحقها الظنون والأوهام .

طوقها بذراعه من الخلف، انتفضت وارتاعت ، وابتعدت عنه بسرعة.

نظر إليها في دهشة وغضب ..

لقد أخفتني..! لماذا فعلت ذلك؟

قلب شفتيه، وهز كتفيه في ارتياب .

ظل صامتاً، وفي صمته غضب وحنق وشك ما بك؟ منذ قدومي من السفر، وأنت تصرفين بشكل غريب!

كل ليلة تتسللين من الفراش، وتنامين في غرفة أخرى. هل تظنين أنني لم أشعر بك ؟!

وربما تظلين ساهرة، حتى الفجر، فلماذا؟

أخبريني بالحقيقة ؟

هل حدث أمر ما في غيابي؟

هل أنت مريضة

تبدين لي نحيلة، ألم تلاحظي ذلك ؟

كلماتك، نظرات عينيك، كل شيء صار غريباً فلماذا؟

والآن ترتاعين مني، كأنني رجل غريب ، وتدعين الخوف والمفاجأة.

هيا، صارحيني بالحقيقة، فالحقيقة مهما كانت أفضل من اللف والدوران، والأكاذيب .

ظلت صامتة، لم ترد عليه بكلمة واحدة .

ـ10ـ

كانت تتمدد تحت لحاف أبيض، اقترب قليلاً من سريرها. رنا إليها ملياً، لمس جبينها بأطراف أصابعه. أنت محمومة ..

منذ متى، وأنت على هذه الحال ؟

سألها بتودد،ولطف، بينما تعلقت هي بحبال الصمت كانت نظراتها غائمة، شاردة، حائرة. وبدت له شديدة الشحوب والوهن .

مالك؟

هل ترفضين الحديث معي ؟

أهذا خصام، أم عناد وتدلل .؟!

طرحت أسئلة عديدة، ولم أجد جواباً.

رمقته بنظرة ملؤها الحيرة والأسى ..

"لا بأس" أبقي هكذا صامتة، وعنيدة، فأنت الخاسرة ..

نفذت الكلمة، مثل سهم مسموم إلى أعماق قلبها، فزادته جراحاً وألماً .

أنا آسف للغاية، لقد جئت لأخبرك بأنني مسافر بعد المغرب، وليس لدي وقت لهذا التدلل الزائد عن الحد ، فلدي أعمال هامة، ينبغي إنجازها ..

صعّدت في وجهه نظرة باردة، ثم قالت بنبرة ضعيفة منكسرة: أنت تهتم بعملك وكأنه كل حياتك.

ابتسم ثم قال: الحمد لله، نطقت أخيراً ! ظننت أنك ربما فقدت لسانك!!

أجل، أنا أهتم بأعمالي ولولا ذلك لما كنت رجلاً ناجحاً وكنت تعيشين في هذا البيت الفاخر، ولديك خادمة وسائق، وتقتنين أغلى المجوهرات!

أنا أشقى كثيراً لتعيشي هانئة وسعيدة .

وهأنت تلمحين تارة، وتصرحين تارة متهمة إياي بعدم الاهتمام بك.

فأخبريني، بالله عليك ماذا تريدين بالضبط!؟

اذهب حيثما تشاء، فلست أريد منك شيئاً ..!

ـ11ـ

هل كانت السعادة التي عشتها كاذبة ؟

هل كنت أعيش في وهم كبير، وهو يخدعني طوال الوقت.

يخونني مع امرأة أخرى، ويتظاهر بالإخلاص.

لست أدري، لم أ عد أرى الحقيقة أو أميز بين الصواب والخطأ لقد فقدت بصيرتي، وثقتي في كل ما هو حولي .

كلما حاولت الوصول إلى الحقيقة، غرقت في الشك ويوماً بعد يوم تزداد حيرتي، وأغرق في المرارة والعذاب .

سقطت كل تلك الأقنعة المزيفة، التي كانت تغلف الأشياء فرغت روحي من الهدوء والسكينة، نخر الشك في أعماقها حتى صارت موحشة كالخرائب ..

والآن، ماذا أفعل ؟

هل أغرق في دوامة الشك ؟

هل سأظل هكذا، تتنازعني الشكوك، وتحطم أعصابي؟

لا أريد أن أكون هكذا ؟

لا أريد أن أقوم بدور المرأة المسكينة، المخدوعة، التي لا حول لها ولا قوة؟

ولكن ماذا أفعل؟

أتوسل إليك يا رب، أتوسل إليك أن تلهمني الصواب .

ساعدني يا الله، لم أعد أحتمل، أكاد أفقد عقلي ..ماذا أفعل ؟

هل أنسى الحكاية كلها ، وأتابع حياتي ؟

هل أواجه زوجي بكل شكوكي؟ هل أجرؤ على ذلك؟ ترى؟ لو صارحته بشكوكي، فماذا سيقول؟ سوف يدعي أنني واهمة، وأنني مجرد امرأة غيورة.

ماذا أفعل؟ وأين هو الخلاص؟

وهل هناك خلاص مما أعانيه ..

لست أدري ..

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007