[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
صابحة  
التاريخ:  القراءات:(3529) قراءة  التعليقات:(10) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
صابحة

إنها تحاول أن تفكر في الطريق الذي سارت فيه. في الأرض الموحلة التي حاولت انتزاع قدميها منها كي تصل إلى هدفها. كان عليها أن تجاهد بكل قواها كي تفلت من المكيدة التي دبرت لها بليل.

" صابحة " هو اسمها ، والاسم لا يكشف مطلقا عن ظروفها الصعبة ، فبعد موت أبيها في طفولتها تزوجت أمها من تاجر فاكهة بالجملة . الرجل لم يعاملها مطلقا بخشونة بل كان يلاعبها ويقبلها في فمها فتنفر منه ، ويضحك فتضحك الأم ، وتشير عليها : كائنة برية .

لما كبرت واستدار رمانها لمحت في نظرته شيئا ما مريبا . شيئاً لم تستطع تحديده رغم أنها كانت ذكية وواعية. كانت تتلهف لمشاهدة الأفلام الحديثة في السينما وخاصة تلك المعلق فوق مبانيها لافتة " للكبار فقط" . تمنعها أمها ، ويشجعها على الخروج من معطف الأم .

كانت وكالته مفتوحة الأبواب ليلا ونهارا. الليل وقت قدوم العربات من جوف القرى البعيدة لتفريغ الحمولات بكل ما لذ وطاب ، والنهار للبيع للسريحة الصغار على عربات تجر بالأيدي المعروقة ، وفي مقدمتها ميزان حديدي مثبت حتى لا يتقلقل وضعه.

سألت نفسها يوما عن المستقبل . لم تشعر بالقلق لأن عينيها كانتا مكتحلتين بكحل رباني تنظر بهما للحياة بفضول مقترن بالمودة . كانت تتأمل عنقها العاجي في المرآة الإيطالية فتراه يشير إلى عقد من اللؤلؤ لابد أن يحضره عريس قادم.

حصلت في نهاية المرحلة الثانوية على درجات تؤهلها لدخول كلية الطب ، ورغبت في الالتحاق بالحقوق ، بعد شد وجذب ناصرها زوج الأم المعلم معاطي فاستقرت بالكلية التي أرادتها ودخلت المدينة الجامعية.

لاحظت أن المعلم في زياراته يغدق عليها الهدايا ، ويجلس معها ساعة واحدة فينفض رماد سيجارته في منفضة زجاجية ، ويستمع إليها تحدثه عن الكلية ، وأساتذتها ورحلاتها وشبانها.

أمها شعرت أن البيت بدونها أفضل ، فهي لم تعد قلقة عليها ، ولا هي مستعدة للشجار اليومي فيما ترتديه فوق جسدها البض وما تخلعه ، فرأس ابنتها أكثر صلابة من ثمرة جوز الهند .

فجأة وبلا ترتيب وجدت نفسها تحرص على مخالطة أبناء الطبقة الراقية ، تعرفهم من ملابسهم الغالية ونوع العطر الباريسي ، وماركات سيارتهم . هي تأتي من المدينة الجامعية القريبة سائرة على قدميها.

للمعلم معاطي زيارات محسوبة إلى العاصمة ، وحين نجحت في الفترة الأولى من الدراسة قام ، واحتضنها بشدة ، وأقسم أن يشتري لها العقد الذي حلمت به قبل أن يهبط الليل ويطوق المدينة بالنيون .

كانت تنتظر أن يأتيها من عريس يتقدم لها فتعارض وتتمنع ثم تقبل الهدية على مضض ، لكنها في إحدى زيارات زوج أمها أفلتت منها عبارة تشي بالحلم الذي ظلت سنوات تشتهيه.

العقد الذي ألبسه إياها في استراحة لها جلسات أسرية بطريق سقارة أتبعه بقبلة لم تكن بريئة أبدا، وقد تاه عقلها عن الفعل المناسب ، لكنها في غمرة اندهاشها فوتت المسألة ولم تتوقف أمامها دقيقة . بعد أسبوع واحد قدم ومعه نصف دستة من الفساتين الغالية ، أخبرها ألا تصارح أمها بأنه هو من أحضر لها تلك الهدايا ، فمن حقها أن تتجمل وتعيش حياتها فالبخل لا ينفع من خلقه الله في مثل حسنها .

في مرة طلب منها أن تأتي لترتب أشياءه في الشقة المفروشة التي اشتراها للراحة عند السفر للعاصمة ليوم واحد. لم تكن غريرة فرفضت بدعوى المذاكرة ، واقتراب العام من نهايته. لقد فهمت وكانت ترفض الفكرة من أساسها ، المطلوب هو علاقة شائنة لا ترضاها لنفسها ولا لأمها العزيزة على قلبها رغم مشاجرات الثانوي ومطباتها المألوفة.

وصلها صوته من طرف الهاتف يدل على أنه مريض ، تلجلجت في ردها عليه . ربما هو كذلك فأخذت العنوان وزارته فوجدته مصفر الوجه ، ممددا على فراش مغطى بملاءة بيضاء.

عادة لا تحب اللون الأبيض في الفراش ، لكن الشمس المتسللة من ستائر الحجرة بلونها الوردي مسحت كآبة روحها، ذهبت للمطبخ وأعدت كوبين من الشاي له ولها .

في اليوم التالي وقرب الخامسة عاودت الزيارة فوجدته جالسا بالروب ، بدون أي حديث سلمت عليه وجلست بلا كلمة. كان شيء ما معلقاً في فضاء الغرفة . لا هي قادرة على طرده ، ولا الضوء الشحيح يمكنه لملمة شعورها بالضعف الغريب.

تستغرق في تفكير عميق لكونها ربما ساعدته بتصرفاتها كي يتجرأ عليها ، ويحاول أن يمد حبل الوداد حتى نهايته. كم تود أن تذهب إلى حيث يرقد والدها في القرافة كي تعترف له بخطئها المميت ، تريد أن تفضي إليه بطمعها حين ألمحت لرغبتها في الحصول على عقد اللؤلؤ . لن تستريح قبل أن تفضي للأب البعيد ، بهواجسها حتى وإن لم يسمعها لمرور زمن طويل على فقدها إياه .

لحظة أن انتهت من تناول كوب الشاي انخرطت في بكاء منكسر فهوت روحها للحضيض ، وهو لم يمكنه استيعاب الموقف ، فخرج من البيت بعد أن طرق الباب بنصف احتجاج.

يمكنها أن تقطع أسبوعها الدراسي لتزور قبر الأب الذي انقطعت عن زيارته ، لابد أن تعاتب أمها لأن ألما ما دسته في صدرها.

نزلت ، ركضت على السلالم ، اندفعت لأقرب تاكسي ، وعادت إلى مدينتها الجامعية. استأذنت مشرفة المدينة الجامعية بحجة مقبولة . بكت صابحة وهي تجهز حقيبتها ، وبكت أكثر وهي تتجه لمحطة القطار.

خلدت إلى الاسترخاء ، والقطار يمرق بين النخيل . بينما هي في نومها حلمت بيد توضع على كتفها برفق ، قال صوت كادت تنساه: أنا أبوك يا صابحة. لست وحدك في هذا العالم. ألم تشعري أني معك في كل خطوة؟

هزها المحصل هزة خفيفة فسلمت تذكرتها بيد مرتجفة ، فثقبها ومد يده بها ثانية فوضعتها في حقيبة يدها .

عند مدخل المحطة كانت دموعها قد اختفت تماما. لم تذهب للبيت ولم تجد أي معنى لزيارة عمها الذي ترتاح إليه. استقلت تاكسي ، واتجهت صوب القرافة. عند ضريح الأب وضعت سعف النخيل ، وركنت رأسها على قوالب الطوب المتربة. تسلل النمل نحو عنقها ، مدت يدها فاصطدم بالعقد. خلعته ورمته في فتحة صغيرة بالبناء المحدودب.

حملتها قدماها بصعوبة كي تعود ثانية إلى المحطة ، ومنها يبدأ القطار عدوه نحو العاصمة. كان القطار يقوم بمناورة صعبة ليعدل اتجاهه ، وكان السائق ببدلته الزرقاء يحرك عصا القيادة ، والقضبان الممدودة لا تتلاقى أبدا .

18/4/2012

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007