[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نساء في ثياب الحداد  نساء في ثياب الحداد
التاريخ:  القراءات:(5078) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  

* * *

- 1-

لم يدر بخلدها يوماَ،أنها سوف تغادر هذا البيت.جلست وحيدة،تتفكر في حالها.تتفكر في سيد البيت .

سيد البيت الذي رحل،بينما بقيت هي أسيرة الذكريات.استوحشت المكان ملأت الغربة والوحشة كيانها.

هزها الفقدان،وهيجت شجونها الذكريات،شعرت وكأن جزءا من روحها،قد رافقه إلى القبر.

ما أعظم وحدتها؟

ما أفدح شعورها بالخسارة لرجل كان كل حياتها ؟

ما أقسى الليالي الطويلة،التي تقضيها مسهدة،تتفكر في حالها؟

كان يملأ حياتها،حقا لم تنجب منه الولد،ورضيت بالمقدر والمكتوب.لكنه كان هو الزوج والابن والصديق.

تنظر عيناها في وله وأسى إلى الغرفات،والساحة وكل مكان لا يخلو من ذكراه .

تشعر أحياناً وكأن الجدران الصامتة تبكي لحزنها!

هل تبقى مع الذكريات ؟

هذه الجدران الدافئة،ترجع صدى كلماته وصوته وضحكاته،في لحظات الأنس والهناء واجتماع العائلة .

اجل! هنا كان يجلس،يقرأ جريدة عكاظ أو الوطن.ويتحدث معها بلطف،ويبثها همومهُ ومخاوفه

في العصرية ، قبل أن تغرب الشمس ، تعد له قهوته المفضلة ، المزينة بالهيل والزعفران ، ثم يجلسان معا ، يحتسيان القهوة ، ويتحادثان في أمور العائلة ، وأحوال الناس .

استطاع أن يجعلها ، تمتزج بأفراد عائلته ، بل تحبهم كأم أو كأخت حنون .

كذلك كانت امرأة تشيع الحب والسلام في أي مكان ، تذهب إليه ، منحها الله طاقة نورانية من اللطف والرقة والمحبة .

كانت تشعر بالحرمان حقا من الأبناء ، لكن ذلك الشعور ملأها بالمحبة واللطف مع كل الناس . الحرمان لم يجعل منها امرأة قاسية ، تحسد الآخرين على نعمة الأبناء ، لأنها امرأة مؤمنة ، تثق بأن الله سيعوضها خيرا من الأبناء .

بالطبع في بداية زواجها ، واجهت مشكلات مع زوجته الأولى ، وبعض أولاده . كانت تشعر أحيانا بفظاظتهم ، وسوء نظرتهم إليها بأنها " العمة " الغريبة ، التي سرقت أباهم .

عمتي ، هكذا يناديها الجميع ما عدا البنت الصغرى ، فقد كانت تناديها أمي ، وكانت قد تربت في أحضانها ، وعندما جاءت إلى الحياة ، كانت زوجة أبيها ، فلم تشعر أنها غريبة , وقد كانت تحب هذه البنت وتدللها ،وتشتري لها أجمل الثياب وكأنها ابنتها الوحيدة .

* * *

-2-

لا أصدق أبدا ، أنها سوف تغادر ، ستذهب دون رجعة ، ستكون غريبة عنا ، ربما تزورنا في المناسبات .

كأن والدي يموت ثانية . تهزني تلك الذكريات المفجعة تعصف الآلام بقلبي .

آه يا رب إلى متى سأظل أفقد أحبتي واحدا تلو الآخر ؟!

يا رب امنحني الإيمان واليقين والصبر.

فقدت أبي الحبيب ، فقدت جزءا غاليا من روحي ، فقدت الذي رعاني بحب وحنان ، وهأنذا سوف أفقد عمتي كذلك.اقصد أمي فقد كنت محظوظة بأم ولدتني وأخرى رعتني وعطفت علي

لا أصدق ، أنها تستعد للرحيل ، لقد قالت بأنها سوف تعيش معنا ، وأنها لن تخرج أبدا من بيتها ، فما الذي حدث ؟!

* * *

-3-

كانت تحزم أمتعتها ، بدأت بالمطبخ ، ثم غرفة النوم .

كانت تحزم وترتب الأشياء في كراتين كبيرة . آمنت أخيرا أنها سوف ترحل كما رحل هو عن الدنيا ، تصورت أنها سوف تعيش في بيتها مع ذكريات ، ذكريات الزوج الحبيب ، ولكن كما يقولون تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. كان قلبها يدق بعنف ، يكاد يقفز من صدرها لفرط الألم وعيناها تسحان الدموع في صمت

لا تدري أهي حزينة ، ممزقة الفؤاد لفقد المرحوم ، بعد هذه العشرة الطويلة ، أم نادمة وخائفة ، مما ينتظرها في الأيام القادمة !

لا تدري حقا ، لأنها تعيش في دوامة من الألم والفزع والأسى منذ موته .

حزمت أمتعتها ، وتأملت بنظرات كسيرة ، حائرة ذلك البيت ، الذي عاشت فيه أجمل أيام عمرها . عاشت مع رجل كريم ، كان كل سلوتها ، وسندها بعد الله في الحياة . لم يكن مجرد زوجها فقط . كان الأخ والابن والصديق . كان كل عائلتها وكل حياتها

لم تنس مطلقا أنه ساعدها لتحقق حلمها في الإنجاب ، وسافر معها إلى أبرع الأطباء ، دون جدوى .

كانت وحيدة ، كشجرة في صحراء قاحلة ، بينما المرأة الأخرى تزهو وتسعد بأبنائها . تشعر بالوحدة والضعف ، والانكسار ، كلما شاهدت الأطفال يلعبون ويمرحون ، ويتعلقون بأذيال الأمهات .

حرمت من الأمومة ، لكن قلبها يفيض بالمحبة ، ولسانها ينطق أجمل الكلمات وأعذبها . كانت من الرقة واللطافة وحسن التعامل بحيث يحبها كل من يعرفها .

كانت امرأة محبوبة ، من كل الناس ، الأقارب والأهل والجيران . تشع ابتسامتها اللطيفة ، الصادقة في أي مكان تذهب إليه ، وتأسر بحلاوة حديثها من يتعرف إليها أو يراها لأول مرة .

وبالرغم من بعض المشكلات ومظاهر الغيرة المعتادة بين النساء فقد كانت العلاقات جيدة ومتينة وذلك بفضل الله ،ثم بفضل زوج حازم وعادل.

* * *

-4-

عمتي ، لماذا تريدين تركنا ؟ هل أسأنا إليك أو قصرنا في حق من حقوقك ؟

عمتي لقد وعدناك بأن نبرك مثل أمنا ، فأنت غالية على قلوبنا

كان قلبي يرتجف في أسى ، وأنا أتأمل تلك الدموع التي ترقرقت في عينيها ، وملامحها المخضبة بحرارة البكاء والألم .

. ارتعشت شفتاها قليلا ، ثم خنقتها العبرات ثانية وظلت ساهمة ، صامتة ، لا ترد على توسلاتي كانت عيناها تتطلع إلى المجهول في حيرة وأسى .

اقتربت منها ، ولمست كفها الباردة قالت : ابنتي ...... وغصت بكلماتها ثانية وتحشرجت فلم تكمل .

انتظرتها لتهدأ وقلت : بالله عليك يا عمتي من أجل أبي الذي لن يرضيه خروجك من البيت ، بالله عليك أن تفكري في قرارك ثانية .

زفرت وهي تقول : تعلمين كم كنت أود البقاء بل تمنيت أن أعيش في هذا البيت طوال عمري.

يكفيني أن أعيش مع ذكريات الغالي - رحمه الله -

تمنيت أن أحيا في هدوء ، أصلي وأتلو القرآن وأزور الجارات والقريبات ، وأمارس حياتي المعتادة.

ولكن كل ما هو حولي ، يدعوني للرحيل حتى الذكريات تلح علي في أن أغادر هذا البيت ، بل المكان كله ، إلى عالم أخر .

آه يا ابنتي ، آه من تقلب الزمان !

ليس من الضروري أن انتظر الإساءة والتقصير ، والتجريح حتى أرحل .......

* * *

-5-

دعيني أساعدك في حزم أمتعتك ، وترتيبها . هكذا قلت لها بلطف حزمت كل أمتعتي ، بقي أن أحزم الذكريات ، المرسومة على الجدران ،وفي النوافذ وأشجار الحديقة والهواء ، ثم أحملها معي

ذكرياتنا في القلب يا أماه .

آه ما أقسى الموت ، موت الأحبة ، موت الجار ، موت الصديق ، ما أقسى الفراق يا حبيبتي ؟

لقد مت مرتين ، قبل أن أموت حقا ، وأنعم بالراحة إلى جوار الرحمن. مت عندما جاءني نبأ موت والدك . منذ ذلك الوقت شعرت وكأن روحي قد نزعت من جسدي . شعرت وكأنني مجرد امرأة ميتة . وهأنذا أموت ثانية ، عندما قررت الرحيل من حياتي إلى حياة جديدة .

ما أقسى الموت ، بل ما أشد فظاعته ؟

نظرت إليها في رجاء وقلت لها بلطف : ألا تعيدين التفكير في قرارك ؟

امنحينا فرصة أخيرة ، لنعبر لك عن كل الحب والامتنان وكذلك ، امنحي نفسك فرصة أخيرة للتفكير .

تنهدت بأسى ثم قالت : حزمت أمري قبل أن أحزم أمتعتي . فكرت طويلا بالبقاء دون جدوى ، إخوتي وكل أهلي يلحون علي لأغادر بيتي والناس يلومونني ويسخرون مني ، يقولون : لماذا تبقى بلا زوج أو ولد ، عليها أن تعود لأهلها .

علي أن أرحل ولا زالت القلوب تحمل لي المحبة ، فبعد أبيك رحمه الله ، تغيرت الدنيا كلها من حولي .

أجل يبدو لي أحيانا وكأن الوجوه قد تغيرت ، وكذلك الكلمات . لا أعلم فأنا غارقة في حزني وحيرتي ، ربما تغيرت أنا فقط ، فأصبحت أنظر للناس بشكل مختلف .

تؤلمني كلماتهم ، وتلميحاتهم ، وأضيق حتى بمواساتهم لي .

أمي ، قلتها بصدق وإشفاق ، فهرعت نحوي ، واحتضنتني وهي تبكي . قالت من بين الدموع ، أنت حقا بنتي ، ترعرعت في أحضاني . كنت أطعمك وأسرح شعرك وأضفره وأزينه بالشرائط البيضاء .

هل تذكرين ، ثم تتطلع في وجهي ، وابتسامتها العذبة تشع في المكان ؟

بالطبع أذكر ، وكيف لي أن أنسى ، ما أجمل تلك الأيام ؟

وأذكر أنني كنت أنام بجوارك في بعض الليالي . ووجدت نفسي أمسح دموعها بأطراف أصابعي .

قالت في ألم : يبدو أن أيام السعادة والمسرات ، قد ذهبت مع أبيك إلى قبره .

آه يا ابنتي ، آه من تقلب الزمان وفقد الأحباب ! بعد رحيل أبيك حاصرتني الغربة والوحدة ، ومزق الحزن فؤادي ، واستيقظ في أعماقي ذلك الشعور القديم بالحرمان من الأبناء . كان والدك كل سلوتي وبهجتي في الحياة ، عشت في كنفه أجمل الأيام . نعمت بالدفء والسعادة وهناء البال .

كان والدك كريم القلب ، كريم اليد ، يساعد المحتاج ، يفرج الكربات ، يزور القريب ويرعى الجار . من حقك ان تفخري بأبيك .

* * *

-6 –

لم ولن تنتهي أيام الحداد ؟

الحداد في قلبي يزداد يوما بعد يوم ،كل يوم يرحل حبيب أو قريب أو صديق . الموت يتربص بي في كل مكان ، يتهكم علي ، ويقول دون كلمات ، مهما عشت وتنعمت في هذه الحياة ، فسوف تنتهي آمالك بين يدي ، أيتها الشابة الصغيرة ، لا تغتري بدنياك ، فمصيرك إلى التراب ، مثل كل البشر .

رغبت في لحظات الأسى والألم ،أن أموت وأغادر هذه الحياة السقيمة ، إلى حيث يعيش أبي في عالمه الآخر . وبعد أن تلونت الليالي السوداء ببريق الأمل وبهجة المحبة ، قررت عمتي أن تغادرنا فجأة دون تمهيد فشعرت وكأن سكين الفراق تنغرز في فؤادي الممزق والمشتت و الحيران .

شعرت وكأن أبي يموت للتو ، عدت إلى مشاهد العويل والصراخ والدموع . ومرت في مخيلتي كل مشاهد الندب والتفجع والعذاب .

لماذا يا عمتي ؟

لماذا يا عمتي ترحلين عنا ، وتقررين أن تصبحي امرأة غريبة ، لا نكاد نراها إلا في المناسبات ، والمواسم ؟

حقا يا عمتي لن نحتسي القهوة أو الشاي معا ، ولن نتسوق أو نتنزه معا .

لن أشكو إليك آلامي ، ولن تربت يدك اللطيفة على يدي .

لماذا يا عمتي ؟

لماذا تريدين أن أبدأ الحداد من جديد ؟

وددت لو أخلع هذا الثوب القاتم ، الذي تتسربل به روحي ، وددت أن تغرد عصافير الحياة في قلبي . وددت أن أخرج وأعمل وأمارس الحياة مثل كل الناس .

وددت أن تشرق الشمس في قلبي ، ولكن هيهات فأيام الحداد ، تبدأ من جديد ، وكأن دورة الأحزان والعذاب لن تنتهي .

* * *

22 - 10 – 1426

* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007