[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
وحدها بلا قلب  وحدها بلا قلب
التاريخ:  القراءات:(5350) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
وحدها بلا قلب

ـ 1 ـ

وحدها .. تجلس هناك على كرسيها الهزاز... ذلك الكرسي الأثير. وتطل من شرفتها العالية.. تطل على شوارع فسيحة.. تضيق شيئاً فشيئاً.. فتصبح مسارب ضيقة.. تتلألأ أنوارها الخافتة من بعيد وحدها.. لا صديق سوى الأيام. الأيام التي مرقت بسرعة وكأنها الماء يتسرب من بين الأصابع.. فلا نحس به الأيام مرقت.. وهي تفتح فاها كالوحش الكاسر . تبتلع كل شيء.. العمر الجميل.. اللحظات الهنيئة .. الرغبات الحالمة ..

وحدها .. بلا قلب.. قلب حقيقي.. مثل تلك القلوب التي تضج بالحياة.. تتوجع .. تتألم .. تبكي وتتمزق . تفرح .. بل تجن من الفرح ..

وحدها .. تعد الليالي.. ترقب القمر في أمسياته الفضية. تشبك بين أصابعها وتغمض عينيها .. ثم .. ثم تسترخي إلى أقصى درجات الاسترخاء . تسترخي و .. وتنتظر .. تنتظر الغد ولا غد يأتي .. لم يعد يغريها القميص الأبيض.. الطويل الذي طالما حلمت به. رائحة الأدوية والمطهرات تزكم أنفها . لغط النساء وثرثرتهن وحديثهن الذي لا ينقطع عن الأطفال والحمل والتربية ومتاعبهن.. كل ذلك أصبح لا يطاق ..

أجل .. لم تعد تطيق أولئك النسوة.. ولا ثرثرتهن التي لا تنتهي عن الأزواج والأولاد والأمراض .

قررت أن تخرج من الدائرة الملوثة التي تخنقها.. أن تهجر تلك الغرفة بما فيها من معدات ووصفات طبية .. وذلك الممر الطويل الذي يغص بالمراجعات.

هربت إلى نفسها الضائعة .. التائهة في زحمة ا لعمل الشاق المتواصل .

تشبثت كغريق .. بنداء صغير .. تفجر بداخلها .. نداء يدعوها إلى أن تعود من ذلك الطريق الطويل.. الذي سلكته باكراً رغم أنف الجميع .

نداء امرأة مرهقة للغاية.. تود لو تضع رأسها وتستريح ..

لا أحد يلومها .. أو يراجعها .. أو يناقشها .

لا جرس مزعج يناديها .. ولا استغاثة في منتصف الليل تلح عليها .

هناك في نهاية الطريق الطويل .. حيث اشتد الظلام فلم تعد ترى .. توقدت شمعة صغيرة .. فهرعت كالفراشة تحوم حولها. عادت في لحظات طفلة صغيرة.. وبريئة.. لا تفكر بشيء سوى دميتها ..

هربت .. هربت من كل ما أصرت عليه يوماً.. ودفعت ثمنه طوال حياتها..

أجل.. لم يعد الأمر ممتعاً وجميلاً مثلما كان ..! ليس فيه ذلك الشعور المتعاظم بالطموح والزهو.. والرغبة في نشدان ما هو أفضل ..

أصبحت الأمور عادية ومملة .. بل مثيرة للأعصاب، هوت الأحلام المجنحة على أرض الواقع فلم تعد جميلة وبعيدة .

ـ 3 ـ

بحثت في أدراجها عن كتب الشعر.. الكتب التي نسيتها منذ زمن بعيد. أعدت لنفسها بعض الشاي وجلست هناك على ذات الشرفة.. التي اعتادت الجلوس عليها .

أمامها أوراق ملونة ودفاتر قديمة ذات أوراق صفراء.. ودواوين شعر كثيرة .

وفي الركن تتمايل بعض نباتات الزينة التي تحبها ..

تصفحت الدواوين .. قرأت التعليقات على الهوامش بخطها .. بينما تجرع رشفات من الشاي الحار ..

لقد نسيت الشعر.. بل نسيت حتى المشاعر ..!

هل أصبحت حقاً هكذا .. امرأة جليدية بلا شعور .. هل هي حقاً كما يقولون : امرأة باردة .. قاسية .. ميتة بلا قلب ..!

ابتهجت عندما عثرت على رسالة صغيرة بين القصاصات الملونة.كانت تلك الرسالة من إحدى الصديقات . كانت تصفها بسخرية على طريقة الجاحظ.. كنا فتيات مجنونات.. ورائعات بقدر جنوننا..! نعشق الشعر.. ونتبارى في حفظه. نتحايل على الأوزان والقوافي .. فندعي بصلافة أننا قادرات على كتابة الشعر.. نحلم.... ونغازل القمر البعيد العالي. نكتب على جدران الصف عبارات لاذعة كنا يوماً فتيات صغيرات.. مليئات بالشوق للحياة.. الحياة كانت تهدر في عروقنا مثل مياه الشلال وتلمع بقوة في أعيننا.. وتتألق في ضحكاتنا وأغنياتنا..

كنا مليئات بالطموح والحلم ..

أما الآن .. الآن لم يعد هناك جنون أو حلم أو طموح.. لم يعد هناك قمر يشع من بعيد.. ونرقب شعاعه من شرفاتنا في المساء ..

توقفنا .. ومن يتوقف عن الحلم.. يغامر بحياته .. فالقلب لا ينبض إلا عندما تكون حالماً .. أو مغرماً أو متألماً .

ولكن عندما نعيش هكذا .. بلا حب .. بدون أمل أو حتى ألم .. فلماذا تنبض قلوبنا.. ؟ لماذا ترتعش الدماء في عروقنا... ؟

ـ 4 ـ

لا تزال رشيقة الجسم .. يمكنها ارتداء أجمل الملابس وأحدث الأزياء. لا تبدو لمن يراها في السادسة والثلاثين من عمرها .

هناك بعض الشعرات البيضاء ولكن لا أهمية لها .. أحياناً تشعر بالندم.. الندم على ما فات .. ولكن هل ينفع الندم ؟

الدنيا حولها فضاء .. مثل مكان مهجور وموحش .. ليست هناك عائلة .. والدها مات منذ زمن بعيد.. وإخوتها تزوجوا وفرقتهم مشاغل الحياة. لم يبق سوى أمها وهي امرأة كبيرة في السن وقد رفضت رغم ذلك العيش معها . كانت تنوح كلما جاءت لزيارتها .. توبخها وتتحسر على شبابها الذي ضاع بين الكتب .

تذكرها بوحدتها بدون زوج أو ولد. وفي كل مرة ترشح لها رجلاً لتتزوجه.

لم تكن تغضب من أمها .. أو تحزن . ولم تحاول مناقشتها أبداً .. لأنه لا جدوى من نقاش الأمهات . كانت تبتسم لها فقط.. وعندما تسرد عليها مواصفات الرجل المرشح للزواج منها تظل صامته أو تضحك بسخرية .. فتثور ثائرتها وتقسم أنها ستغادرها إلى غير رجعة ..

"ستندمين يا بنتي حيث لا ينفع الندم" ..

عبارة سمعتها مئات المرات ولم تعد تثيرها، حسناً .. لا داعي للندم. لقد كانت دائماً تؤجل فكرة الزواج .. لأنها شديدة الإخلاص لما تفكر به.. فهي تكره مبدأ الوسط في الحياة رغم صحته ..

لا يمكنها أن تنجح في الزواج والدراسة في ذات الوقت .

فضلت أن تتزوج بعد الدراسة والتخصص .

لم يكن الموضوع مهماً بالنسبة إليها.. كانت فكرة الدراسة والنجاح تستحوذ على كل اهتماماتها .. لم تتعجل الارتباط برجل وتسليمه كل أمورها..

الفكرة أحياناً تجلب لها الخوف. الرجال يستحوذون تماماً على المرأة.. يمقتون المرأة ذات التفكير المستقل أو تلك الطموحة الحالمة ..

الرجل يبحث عن امرأة تعتني به فقط.. وتنسى أحلامها لأجله .. وتهتم بإنجازاته هو ولا تفكر مطلقاً بالخروج من دائرته المقدسة .

الفكرة كانت تؤرقها.. ولكنها تؤجل دائماً الارتباط حتى تصبح أكثر استقلالاً وقوة.. ولا يستطيع أي رجل مهما كان أن يرغمها على التخلي عن إنجازاتها والآن .. لم يعد هناك ما يؤرق.. الفكرة المخيفة أصبحت مرفوضة تماماً. لديها مال وفير... ومركز اجتماعي مرموق ومنـزل فخم .

ولديها كذلك سائق وخادمة . لديها كل ما تحتاج إليه .. ما حاجتها لوجود رجل في حياتها ..

ماذا سيمنحها الرجل الآن ...؟!

تشعر أحياناً بشيء من الندم وللحظات فقط ..

تتمنى أحياناً لو تزوجت وأنجبت طفلاً يناديها بحب قائلاً : ماما ...

ولكن ما جدوى التمنيات؟ ما جدوى الندم؟ ألم تحلم يوماً بالقوة والاستقلال والتميز...؟

ألم تنبذ فكرة الارتباط برجل .. أي رجل كان .. هل نسيت سخريتها من صديقاتها اللائي هجرن الدراسة إلى بيوت الزوجية وأنجبن دزينة أطفال ..؟

جحيم الحياة .. ومعاركها الضارية .. وصراعاتها الحادة خير من جنة يحرسها رجل .. أي رجل كان فهي ستتمتَع بالنعيم طالما كان راضياً عنها وعندما يغضب .. فسوف يطردها بكل قسوة .. لتواجه حياة فارغة وقاتلة .

ألم تؤمن بهذه الأفكار يوماً .. وتعلنها على الملأ ..؟

ـ 5 ـ

أنت .. ! يا للمفاجأة !

لم تصدق عينيها وهي تمعن النظر إليه .. من خلف نظارتها الغامقة .

هو .. بدأ مندهشاً ومحرجاً وهو يقف أمامها لم يفتح فمه بكلمة واحدة ..

مرحباً بابن خالتي العزيز... هكذا حيته في صوت واثق وساخر ...

ترى ؟

ما الذي جاء بك إلى هنا ؟

ابنتي مريضة .. ارتفعت حرارتها منذ أيام .

يؤسفني ذلك.. وأتمنى أن تكون بخير خلال أيام ..

إنه لا يختلف كثيراً عن ذي قبل ... ربما بدا أشد سمرة وأسمن قليلاً... ولكنه مثل ما كان .

الذقن الكثيفة غيرت ملامحه قليلاً .. وما سوى ذلك لم يتغير ..

يا للصدف العجيبة ... أراه بعد كل هذه السنوات .

أنت تعملين هنا ... ألقى بسؤاله في لا مبالاة ..

أجل .. منذ خمس سنوات .

ألم تكن تعلم بذلك ؟

وما أدراني...؟ قالها وهو يهز منكبيه وينظر في ساعته ... ثم أردف قائلاً: لقد سكنت هنا منذ سنة تقريباً .

لا بأس ... وماذا تعمل ؟

أعمل في شركة خاصة .

جيد .... وهل أعجبتك الرياض ... فأنا أعلم أنك تحب المدن المعتدلة أو الباردة .

أجل فأنا هنا أعاني من الحر لكن عملي مربح ..

حسناً ... هل تتفضل إذا جئت هنا يوماً بزيارتي .

نظر إليها ملياً ... ثم خفض بصره إلى الأرض وضحك بشيء من الحرج.

هل تستقبلين الرجال الغرباء في مكتبك يا دكتورة مريم ؟

سألها بتهكم وكبرياء .

صمتت برهة من الوقت ... لم يستفزها السؤال أبداً بل ردت بنبرة واثقة ومتحدية قائلة : أنا طبيبة نساء ... ألا تعلم ذلك ....؟

وعلاقتي بالرجال محدودة ....

ذلك أفضل يا بنت خالتي ....!

لماذا يا عزيزي... هل أنتم أيها الرجال كائنات خرافية ومرعبة .

أنكم أحياناً تثيرون الشفقة ...!

ضحك طويلاً وقال : أفكارك جيدة ومستنيرة للغاية.. ولكنها مغلوطة .

ربما ... ربما كانت أفكاري عن الرجال خاطئة .... لكن فكرتي عنك بالذات لم تكن كذلك .

أعرف .. أعرف جيداً ما يدور برأسك الآن ...

كنت تتصور أنك ستقابل فتاة متبرجة بلا حشمة أو حياء وتتمتع بالعمل مع رجال كثيرين يحومون حولها كالذئاب ..

دهش كثيراً لصراحتها وحديثها الصارم ولم يرد بكلمة .

حسناً يا ابن خالتي ... إذا كنت تعتقد أن كل الرجال وأنت منهم ذئاب فأنا لست شاة ضعيفةً .

أنا أيضاً لدي أنياب ويمكنني الدفاع عن نفسي جيداً ...!!

"أنا آسف يا عزيزتي ... اعتذر في هدوء وخجل لماذا تعتذر ...؟

من الجبن أن نعتذر عن أفكار نعتنقها ..

خاطبته في هدوء وجدية .

حسناً ... لدي عمل كثير وعلي أن أذهب الآن وأرجو أن تبلغ تحياتي الصادقة لخالتي ولزوجتك أيضاً .

ـ 6 ـ

عندما تشرق الشمس .. تذوب أكوام الجليد. هكذا شعرت وهي تراه لأول مرة بعد عشر سنوات. تلك هي نظرته التي أسرتها يوماً ... عندما كانت تدرس بالثانوية ..

ليست نظرة جريئة ... وقحة... مقتحمة مثل نظرات الكثير من الرجال.. بل نظرة محايدة .. مبهمة وغامضة أحياناً ... لكنها مترفعة كثيراً .. لم يكن يحدق أو ينظر بإمعان ... دائما يتشاغل أو يخفض بصره ..

كانت مبتهجة في ذلك الصباح .. عندما صادفها في الممر أفاق قلبها الذي اعتقدت يوماً بأنه لن يفيق .. انهار جبل الجليد المتكوم فوقه ودق دقات عنيفة مجنونة .

لكنها تصنعت الثقة والبرودة ... بل حادثته بسخرية وتحد .

النظرة المحايدة ... الشامخة الكلمات القليلة.. الهادئة.. الثقة الكبيرة بالنفس حد الغرور.. هو .. أجل هو ... لم يتغير كثيراً .

حسبت نفسها قد نسيت .. ولكن ... اكتشفت اليوم أنها لم تنس قط ..

ولم تكن مشغوفة بعالم الرجال ... ولا بمفاتيحه وليس لديها فضول الفتيات أو النساء عادة .

كانت غارقة في عالمها الخاص.. سعيدة بذلك العالم ومكتفية به.. ولكن... لكن عبد الرحمن .. ابن خالتها هذا.. يبدو وكأنه يختلف عن كل رجال العالم . لماذا....؟

ربما لأنه تميز بالرزانة والاستقامة .. وكان متفوقاً في دراسته.. والجميع يعاملونه باحترام .

أجل .. كان يتميز عن كل رفاقه .. الذين لا هم لهم سوى ملاحقة الفتيات بالهاتف أو بالرسائل والكلمات البذيئة .

ربما .. من أجل كل تلك الأسباب .. وربما لا فنحن نرى من نحبهم رؤية خاصة.. رؤية جميلة ومتحيزة.

لا تدري بالضبط.. لماذا كانت الهواجس تلح عليها.. وربما الأمنيات.. بأنه يفكر بها أيضاً ..

وأن الطريق بينهما فسيح وما عليه سوى أن يتقدم ويكون أكثر وضوحاً وجرأة .

عبد الرحمن .. وليس سواه .. الرجل الوحيد الذي فكرت بأن تدخل إلى جنته.

وتغامر... تغامر بأحلامها وأفكارها .. لم يتبادلا حديثاً قط.. رغم القرابة كان متحفظاً وهي كذلك .

مشاعر مبهمة ... وحائرة ... ضلت بينهما ..

كلاهما .. ربما اعتقد في لحظة... أن الطرف الآخر منشغل به.. ويشغل جزءاً ولو صغيراً من تفكيره ومشاعره ..

وبعد الثانوية .. قررت الذهاب إلى الرياض لدراسة الطب ... وقامت الدنيا كلها ثائرة حولها ..

قالوا كلاماً كثيراً.. يجرح القلب والكرامة .

"تريد أن تدرس الطب.. لتختلط بالرجال.. وتكشف وجهها لهم... وتحادثهم...".

"تريد أن تنفلت .. وتعيش بدون حياء..."

يا للعيب .. ! يا للعار !

ولا شك .. كان يستمع إلى تلك الصيحات المنكرة والادعاءات الكاذبة.

وبعد سنة من الدراسة.. جاءت إليها الأنباء كان قد تزوج من إحدى القريبات.

لم تأسف كثيراً ... فالرجل الذي يصدق الصيحات الحاقدة والاتهامات الكاذبة لا يستحق الأسف .

ـ 7 ـ

"... أنا ليك على طول ... خليك ليه ..."

أغنية حزينة للغاية .. يبدو صاحبها وكأنه يتشبث بطرف بعيد .. بعيد لا يفكر به .

"أنا ليك على طول ... " تصخب الأغنية الحزينة في الظلام الصامت.. المخيف .

حيث لا أحد .. سوى دقات القلب .. والأنفاس تتلاحق برتابة .

منذ زمن بعيد لم تستمع إلى المذياع ... لم يكن هناك وقت. دائماً كانت مشغولة. وبعد العمل.. ينبغي أن ترتاح .

لم تشغف بالتلفزيون كما شغفت بالإذاعة دائماً كان هناك راديو صغير من نوع سانيو.. يصخب بجوارها. بينما تستلقي في هدأة الليل .. تتحايل لتنام.. تغمض عينيها قسراً وتحلم بغد جميل "أنا ليك على طول..." .

تبدو الأغنية أكثر حزناً من ذي قبل .. فقد سمعتها كثيراً .

لم تبدو نبرات عبد الحليم شديدة الوهن والشجن ...؟

لم ينفسح بفعلها هذا المدى الشاسع من الأحلام والأشواق ...؟

ربما كانت هي الحزينة وليست كلمات الأغنية ... ربما تغيرت مشاعرها فأصبحت أرق مما سبق ..

لا شيء يهزها الآن ... لا شيء يعنيها .. أعماقها مثل أرض يباب.. لا شيء سوى صوت قادم من بعيد .. صوت فياض بالشجن ..

الآن .. مرت سنوات وسنوات .. وسارت هي في طريقها خطوات وخطوات.

الآن .. غاب الصوت وتلاشت النغمات حيث اليباب والفراغ واللاعودة.

انحسر المدى الشاسع.. مدى الحزن والشوق والحلم ..

لم يعد هناك سوى الواقع .. الواقع الذي يتسامق فوق الحلم والهوى.. ويسخر من الأشواق.. ويقتل عواطف الإنسان ..

الواقع الذي يخنقها كل يوم .. عندما تبدأ الدوام في عيادتها ..

العمل الكثير... المرهق والفترات القليلة من الراحة ..

مرت السنوات.. تاهت الخطوات.. غاب الصوت .. وتلاشت النغمات .

وهي .. هي تستسلم يوماً بعد يوم.. لا جدوى من إجازة قصيرة.. لا جدوى من الثورة لا جدوى من الندم ..

وحدها بلا قلب

ـ 1 ـ

وحدها .. تجلس هناك على كرسيها الهزاز... ذلك الكرسي الأثير. وتطل من شرفتها العالية.. تطل على شوارع فسيحة.. تضيق شيئاً فشيئاً.. فتصبح مسارب ضيقة.. تتلألأ أنوارها الخافتة من بعيد وحدها.. لا صديق سوى الأيام. الأيام التي مرقت بسرعة وكأنها الماء يتسرب من بين الأصابع.. فلا نحس به الأيام مرقت.. وهي تفتح فاها كالوحش الكاسر . تبتلع كل شيء.. العمر الجميل.. اللحظات الهنيئة .. الرغبات الحالمة ..

وحدها .. بلا قلب.. قلب حقيقي.. مثل تلك القلوب التي تضج بالحياة.. تتوجع .. تتألم .. تبكي وتتمزق . تفرح .. بل تجن من الفرح ..

وحدها .. تعد الليالي.. ترقب القمر في أمسياته الفضية. تشبك بين أصابعها وتغمض عينيها .. ثم .. ثم تسترخي إلى أقصى درجات الاسترخاء . تسترخي و .. وتنتظر .. تنتظر الغد ولا غد يأتي .. لم يعد يغريها القميص الأبيض.. الطويل الذي طالما حلمت به. رائحة الأدوية والمطهرات تزكم أنفها . لغط النساء وثرثرتهن وحديثهن الذي لا ينقطع عن الأطفال والحمل والتربية ومتاعبهن.. كل ذلك أصبح لا يطاق ..

أجل .. لم تعد تطيق أولئك النسوة.. ولا ثرثرتهن التي لا تنتهي عن الأزواج والأولاد والأمراض .

قررت أن تخرج من الدائرة الملوثة التي تخنقها.. أن تهجر تلك الغرفة بما فيها من معدات ووصفات طبية .. وذلك الممر الطويل الذي يغص بالمراجعات.

هربت إلى نفسها الضائعة .. التائهة في زحمة ا لعمل الشاق المتواصل .

تشبثت كغريق .. بنداء صغير .. تفجر بداخلها .. نداء يدعوها إلى أن تعود من ذلك الطريق الطويل.. الذي سلكته باكراً رغم أنف الجميع .

نداء امرأة مرهقة للغاية.. تود لو تضع رأسها وتستريح ..

لا أحد يلومها .. أو يراجعها .. أو يناقشها .

لا جرس مزعج يناديها .. ولا استغاثة في منتصف الليل تلح عليها .

هناك في نهاية الطريق الطويل .. حيث اشتد الظلام فلم تعد ترى .. توقدت شمعة صغيرة .. فهرعت كالفراشة تحوم حولها. عادت في لحظات طفلة صغيرة.. وبريئة.. لا تفكر بشيء سوى دميتها ..

هربت .. هربت من كل ما أصرت عليه يوماً.. ودفعت ثمنه طوال حياتها..

أجل.. لم يعد الأمر ممتعاً وجميلاً مثلما كان ..! ليس فيه ذلك الشعور المتعاظم بالطموح والزهو.. والرغبة في نشدان ما هو أفضل ..

أصبحت الأمور عادية ومملة .. بل مثيرة للأعصاب، هوت الأحلام المجنحة على أرض الواقع فلم تعد جميلة وبعيدة .

ـ 3 ـ

بحثت في أدراجها عن كتب الشعر.. الكتب التي نسيتها منذ زمن بعيد. أعدت لنفسها بعض الشاي وجلست هناك على ذات الشرفة.. التي اعتادت الجلوس عليها .

أمامها أوراق ملونة ودفاتر قديمة ذات أوراق صفراء.. ودواوين شعر كثيرة .

وفي الركن تتمايل بعض نباتات الزينة التي تحبها ..

تصفحت الدواوين .. قرأت التعليقات على الهوامش بخطها .. بينما تجرع رشفات من الشاي الحار ..

لقد نسيت الشعر.. بل نسيت حتى المشاعر ..!

هل أصبحت حقاً هكذا .. امرأة جليدية بلا شعور .. هل هي حقاً كما يقولون : امرأة باردة .. قاسية .. ميتة بلا قلب ..!

ابتهجت عندما عثرت على رسالة صغيرة بين القصاصات الملونة.كانت تلك الرسالة من إحدى الصديقات . كانت تصفها بسخرية على طريقة الجاحظ.. كنا فتيات مجنونات.. ورائعات بقدر جنوننا..! نعشق الشعر.. ونتبارى في حفظه. نتحايل على الأوزان والقوافي .. فندعي بصلافة أننا قادرات على كتابة الشعر.. نحلم.... ونغازل القمر البعيد العالي. نكتب على جدران الصف عبارات لاذعة كنا يوماً فتيات صغيرات.. مليئات بالشوق للحياة.. الحياة كانت تهدر في عروقنا مثل مياه الشلال وتلمع بقوة في أعيننا.. وتتألق في ضحكاتنا وأغنياتنا..

كنا مليئات بالطموح والحلم ..

أما الآن .. الآن لم يعد هناك جنون أو حلم أو طموح.. لم يعد هناك قمر يشع من بعيد.. ونرقب شعاعه من شرفاتنا في المساء ..

توقفنا .. ومن يتوقف عن الحلم.. يغامر بحياته .. فالقلب لا ينبض إلا عندما تكون حالماً .. أو مغرماً أو متألماً .

ولكن عندما نعيش هكذا .. بلا حب .. بدون أمل أو حتى ألم .. فلماذا تنبض قلوبنا.. ؟ لماذا ترتعش الدماء في عروقنا... ؟

ـ 4 ـ

لا تزال رشيقة الجسم .. يمكنها ارتداء أجمل الملابس وأحدث الأزياء. لا تبدو لمن يراها في السادسة والثلاثين من عمرها .

هناك بعض الشعرات البيضاء ولكن لا أهمية لها .. أحياناً تشعر بالندم.. الندم على ما فات .. ولكن هل ينفع الندم ؟

الدنيا حولها فضاء .. مثل مكان مهجور وموحش .. ليست هناك عائلة .. والدها مات منذ زمن بعيد.. وإخوتها تزوجوا وفرقتهم مشاغل الحياة. لم يبق سوى أمها وهي امرأة كبيرة في السن وقد رفضت رغم ذلك العيش معها . كانت تنوح كلما جاءت لزيارتها .. توبخها وتتحسر على شبابها الذي ضاع بين الكتب .

تذكرها بوحدتها بدون زوج أو ولد. وفي كل مرة ترشح لها رجلاً لتتزوجه.

لم تكن تغضب من أمها .. أو تحزن . ولم تحاول مناقشتها أبداً .. لأنه لا جدوى من نقاش الأمهات . كانت تبتسم لها فقط.. وعندما تسرد عليها مواصفات الرجل المرشح للزواج منها تظل صامته أو تضحك بسخرية .. فتثور ثائرتها وتقسم أنها ستغادرها إلى غير رجعة ..

"ستندمين يا بنتي حيث لا ينفع الندم" ..

عبارة سمعتها مئات المرات ولم تعد تثيرها، حسناً .. لا داعي للندم. لقد كانت دائماً تؤجل فكرة الزواج .. لأنها شديدة الإخلاص لما تفكر به.. فهي تكره مبدأ الوسط في الحياة رغم صحته ..

لا يمكنها أن تنجح في الزواج والدراسة في ذات الوقت .

فضلت أن تتزوج بعد الدراسة والتخصص .

لم يكن الموضوع مهماً بالنسبة إليها.. كانت فكرة الدراسة والنجاح تستحوذ على كل اهتماماتها .. لم تتعجل الارتباط برجل وتسليمه كل أمورها..

الفكرة أحياناً تجلب لها الخوف. الرجال يستحوذون تماماً على المرأة.. يمقتون المرأة ذات التفكير المستقل أو تلك الطموحة الحالمة ..

الرجل يبحث عن امرأة تعتني به فقط.. وتنسى أحلامها لأجله .. وتهتم بإنجازاته هو ولا تفكر مطلقاً بالخروج من دائرته المقدسة .

الفكرة كانت تؤرقها.. ولكنها تؤجل دائماً الارتباط حتى تصبح أكثر استقلالاً وقوة.. ولا يستطيع أي رجل مهما كان أن يرغمها على التخلي عن إنجازاتها والآن .. لم يعد هناك ما يؤرق.. الفكرة المخيفة أصبحت مرفوضة تماماً. لديها مال وفير... ومركز اجتماعي مرموق ومنـزل فخم .

ولديها كذلك سائق وخادمة . لديها كل ما تحتاج إليه .. ما حاجتها لوجود رجل في حياتها ..

ماذا سيمنحها الرجل الآن ...؟!

تشعر أحياناً بشيء من الندم وللحظات فقط ..

تتمنى أحياناً لو تزوجت وأنجبت طفلاً يناديها بحب قائلاً : ماما ...

ولكن ما جدوى التمنيات؟ ما جدوى الندم؟ ألم تحلم يوماً بالقوة والاستقلال والتميز...؟

ألم تنبذ فكرة الارتباط برجل .. أي رجل كان .. هل نسيت سخريتها من صديقاتها اللائي هجرن الدراسة إلى بيوت الزوجية وأنجبن دزينة أطفال ..؟

جحيم الحياة .. ومعاركها الضارية .. وصراعاتها الحادة خير من جنة يحرسها رجل .. أي رجل كان فهي ستتمتَع بالنعيم طالما كان راضياً عنها وعندما يغضب .. فسوف يطردها بكل قسوة .. لتواجه حياة فارغة وقاتلة .

ألم تؤمن بهذه الأفكار يوماً .. وتعلنها على الملأ ..؟

ـ 5 ـ

أنت .. ! يا للمفاجأة !

لم تصدق عينيها وهي تمعن النظر إليه .. من خلف نظارتها الغامقة .

هو .. بدأ مندهشاً ومحرجاً وهو يقف أمامها لم يفتح فمه بكلمة واحدة ..

مرحباً بابن خالتي العزيز... هكذا حيته في صوت واثق وساخر ...

ترى ؟

ما الذي جاء بك إلى هنا ؟

ابنتي مريضة .. ارتفعت حرارتها منذ أيام .

يؤسفني ذلك.. وأتمنى أن تكون بخير خلال أيام ..

إنه لا يختلف كثيراً عن ذي قبل ... ربما بدا أشد سمرة وأسمن قليلاً... ولكنه مثل ما كان .

الذقن الكثيفة غيرت ملامحه قليلاً .. وما سوى ذلك لم يتغير ..

يا للصدف العجيبة ... أراه بعد كل هذه السنوات .

أنت تعملين هنا ... ألقى بسؤاله في لا مبالاة ..

أجل .. منذ خمس سنوات .

ألم تكن تعلم بذلك ؟

وما أدراني...؟ قالها وهو يهز منكبيه وينظر في ساعته ... ثم أردف قائلاً: لقد سكنت هنا منذ سنة تقريباً .

لا بأس ... وماذا تعمل ؟

أعمل في شركة خاصة .

جيد .... وهل أعجبتك الرياض ... فأنا أعلم أنك تحب المدن المعتدلة أو الباردة .

أجل فأنا هنا أعاني من الحر لكن عملي مربح ..

حسناً ... هل تتفضل إذا جئت هنا يوماً بزيارتي .

نظر إليها ملياً ... ثم خفض بصره إلى الأرض وضحك بشيء من الحرج.

هل تستقبلين الرجال الغرباء في مكتبك يا دكتورة مريم ؟

سألها بتهكم وكبرياء .

صمتت برهة من الوقت ... لم يستفزها السؤال أبداً بل ردت بنبرة واثقة ومتحدية قائلة : أنا طبيبة نساء ... ألا تعلم ذلك ....؟

وعلاقتي بالرجال محدودة ....

ذلك أفضل يا بنت خالتي ....!

لماذا يا عزيزي... هل أنتم أيها الرجال كائنات خرافية ومرعبة .

أنكم أحياناً تثيرون الشفقة ...!

ضحك طويلاً وقال : أفكارك جيدة ومستنيرة للغاية.. ولكنها مغلوطة .

ربما ... ربما كانت أفكاري عن الرجال خاطئة .... لكن فكرتي عنك بالذات لم تكن كذلك .

أعرف .. أعرف جيداً ما يدور برأسك الآن ...

كنت تتصور أنك ستقابل فتاة متبرجة بلا حشمة أو حياء وتتمتع بالعمل مع رجال كثيرين يحومون حولها كالذئاب ..

دهش كثيراً لصراحتها وحديثها الصارم ولم يرد بكلمة .

حسناً يا ابن خالتي ... إذا كنت تعتقد أن كل الرجال وأنت منهم ذئاب فأنا لست شاة ضعيفةً .

أنا أيضاً لدي أنياب ويمكنني الدفاع عن نفسي جيداً ...!!

"أنا آسف يا عزيزتي ... اعتذر في هدوء وخجل لماذا تعتذر ...؟

من الجبن أن نعتذر عن أفكار نعتنقها ..

خاطبته في هدوء وجدية .

حسناً ... لدي عمل كثير وعلي أن أذهب الآن وأرجو أن تبلغ تحياتي الصادقة لخالتي ولزوجتك أيضاً .

ـ 6 ـ

عندما تشرق الشمس .. تذوب أكوام الجليد. هكذا شعرت وهي تراه لأول مرة بعد عشر سنوات. تلك هي نظرته التي أسرتها يوماً ... عندما كانت تدرس بالثانوية ..

ليست نظرة جريئة ... وقحة... مقتحمة مثل نظرات الكثير من الرجال.. بل نظرة محايدة .. مبهمة وغامضة أحياناً ... لكنها مترفعة كثيراً .. لم يكن يحدق أو ينظر بإمعان ... دائما يتشاغل أو يخفض بصره ..

كانت مبتهجة في ذلك الصباح .. عندما صادفها في الممر أفاق قلبها الذي اعتقدت يوماً بأنه لن يفيق .. انهار جبل الجليد المتكوم فوقه ودق دقات عنيفة مجنونة .

لكنها تصنعت الثقة والبرودة ... بل حادثته بسخرية وتحد .

النظرة المحايدة ... الشامخة الكلمات القليلة.. الهادئة.. الثقة الكبيرة بالنفس حد الغرور.. هو .. أجل هو ... لم يتغير كثيراً .

حسبت نفسها قد نسيت .. ولكن ... اكتشفت اليوم أنها لم تنس قط ..

ولم تكن مشغوفة بعالم الرجال ... ولا بمفاتيحه وليس لديها فضول الفتيات أو النساء عادة .

كانت غارقة في عالمها الخاص.. سعيدة بذلك العالم ومكتفية به.. ولكن... لكن عبد الرحمن .. ابن خالتها هذا.. يبدو وكأنه يختلف عن كل رجال العالم . لماذا....؟

ربما لأنه تميز بالرزانة والاستقامة .. وكان متفوقاً في دراسته.. والجميع يعاملونه باحترام .

أجل .. كان يتميز عن كل رفاقه .. الذين لا هم لهم سوى ملاحقة الفتيات بالهاتف أو بالرسائل والكلمات البذيئة .

ربما .. من أجل كل تلك الأسباب .. وربما لا فنحن نرى من نحبهم رؤية خاصة.. رؤية جميلة ومتحيزة.

لا تدري بالضبط.. لماذا كانت الهواجس تلح عليها.. وربما الأمنيات.. بأنه يفكر بها أيضاً ..

وأن الطريق بينهما فسيح وما عليه سوى أن يتقدم ويكون أكثر وضوحاً وجرأة .

عبد الرحمن .. وليس سواه .. الرجل الوحيد الذي فكرت بأن تدخل إلى جنته.

وتغامر... تغامر بأحلامها وأفكارها .. لم يتبادلا حديثاً قط.. رغم القرابة كان متحفظاً وهي كذلك .

مشاعر مبهمة ... وحائرة ... ضلت بينهما ..

كلاهما .. ربما اعتقد في لحظة... أن الطرف الآخر منشغل به.. ويشغل جزءاً ولو صغيراً من تفكيره ومشاعره ..

وبعد الثانوية .. قررت الذهاب إلى الرياض لدراسة الطب ... وقامت الدنيا كلها ثائرة حولها ..

قالوا كلاماً كثيراً.. يجرح القلب والكرامة .

"تريد أن تدرس الطب.. لتختلط بالرجال.. وتكشف وجهها لهم... وتحادثهم...".

"تريد أن تنفلت .. وتعيش بدون حياء..."

يا للعيب .. ! يا للعار !

ولا شك .. كان يستمع إلى تلك الصيحات المنكرة والادعاءات الكاذبة.

وبعد سنة من الدراسة.. جاءت إليها الأنباء كان قد تزوج من إحدى القريبات.

لم تأسف كثيراً ... فالرجل الذي يصدق الصيحات الحاقدة والاتهامات الكاذبة لا يستحق الأسف .

ـ 7 ـ

"... أنا ليك على طول ... خليك ليه ..."

أغنية حزينة للغاية .. يبدو صاحبها وكأنه يتشبث بطرف بعيد .. بعيد لا يفكر به .

"أنا ليك على طول ... " تصخب الأغنية الحزينة في الظلام الصامت.. المخيف .

حيث لا أحد .. سوى دقات القلب .. والأنفاس تتلاحق برتابة .

منذ زمن بعيد لم تستمع إلى المذياع ... لم يكن هناك وقت. دائماً كانت مشغولة. وبعد العمل.. ينبغي أن ترتاح .

لم تشغف بالتلفزيون كما شغفت بالإذاعة دائماً كان هناك راديو صغير من نوع سانيو.. يصخب بجوارها. بينما تستلقي في هدأة الليل .. تتحايل لتنام.. تغمض عينيها قسراً وتحلم بغد جميل "أنا ليك على طول..." .

تبدو الأغنية أكثر حزناً من ذي قبل .. فقد سمعتها كثيراً .

لم تبدو نبرات عبد الحليم شديدة الوهن والشجن ...؟

لم ينفسح بفعلها هذا المدى الشاسع من الأحلام والأشواق ...؟

ربما كانت هي الحزينة وليست كلمات الأغنية ... ربما تغيرت مشاعرها فأصبحت أرق مما سبق ..

لا شيء يهزها الآن ... لا شيء يعنيها .. أعماقها مثل أرض يباب.. لا شيء سوى صوت قادم من بعيد .. صوت فياض بالشجن ..

الآن .. مرت سنوات وسنوات .. وسارت هي في طريقها خطوات وخطوات.

الآن .. غاب الصوت وتلاشت النغمات حيث اليباب والفراغ واللاعودة.

انحسر المدى الشاسع.. مدى الحزن والشوق والحلم ..

لم يعد هناك سوى الواقع .. الواقع الذي يتسامق فوق الحلم والهوى.. ويسخر من الأشواق.. ويقتل عواطف الإنسان ..

الواقع الذي يخنقها كل يوم .. عندما تبدأ الدوام في عيادتها ..

العمل الكثير... المرهق والفترات القليلة من الراحة ..

مرت السنوات.. تاهت الخطوات.. غاب الصوت .. وتلاشت النغمات .

وهي .. هي تستسلم يوماً بعد يوم.. لا جدوى من إجازة قصيرة.. لا جدوى من الثورة لا جدوى من الندم ..

وحدها بلا قلب

ـ 1 ـ

وحدها .. تجلس هناك على كرسيها الهزاز... ذلك الكرسي الأثير. وتطل من شرفتها العالية.. تطل على شوارع فسيحة.. تضيق شيئاً فشيئاً.. فتصبح مسارب ضيقة.. تتلألأ أنوارها الخافتة من بعيد وحدها.. لا صديق سوى الأيام. الأيام التي مرقت بسرعة وكأنها الماء يتسرب من بين الأصابع.. فلا نحس به الأيام مرقت.. وهي تفتح فاها كالوحش الكاسر . تبتلع كل شيء.. العمر الجميل.. اللحظات الهنيئة .. الرغبات الحالمة ..

وحدها .. بلا قلب.. قلب حقيقي.. مثل تلك القلوب التي تضج بالحياة.. تتوجع .. تتألم .. تبكي وتتمزق . تفرح .. بل تجن من الفرح ..

وحدها .. تعد الليالي.. ترقب القمر في أمسياته الفضية. تشبك بين أصابعها وتغمض عينيها .. ثم .. ثم تسترخي إلى أقصى درجات الاسترخاء . تسترخي و .. وتنتظر .. تنتظر الغد ولا غد يأتي .. لم يعد يغريها القميص الأبيض.. الطويل الذي طالما حلمت به. رائحة الأدوية والمطهرات تزكم أنفها . لغط النساء وثرثرتهن وحديثهن الذي لا ينقطع عن الأطفال والحمل والتربية ومتاعبهن.. كل ذلك أصبح لا يطاق ..

أجل .. لم تعد تطيق أولئك النسوة.. ولا ثرثرتهن التي لا تنتهي عن الأزواج والأولاد والأمراض .

قررت أن تخرج من الدائرة الملوثة التي تخنقها.. أن تهجر تلك الغرفة بما فيها من معدات ووصفات طبية .. وذلك الممر الطويل الذي يغص بالمراجعات.

هربت إلى نفسها الضائعة .. التائهة في زحمة ا لعمل الشاق المتواصل .

تشبثت كغريق .. بنداء صغير .. تفجر بداخلها .. نداء يدعوها إلى أن تعود من ذلك الطريق الطويل.. الذي سلكته باكراً رغم أنف الجميع .

نداء امرأة مرهقة للغاية.. تود لو تضع رأسها وتستريح ..

لا أحد يلومها .. أو يراجعها .. أو يناقشها .

لا جرس مزعج يناديها .. ولا استغاثة في منتصف الليل تلح عليها .

هناك في نهاية الطريق الطويل .. حيث اشتد الظلام فلم تعد ترى .. توقدت شمعة صغيرة .. فهرعت كالفراشة تحوم حولها. عادت في لحظات طفلة صغيرة.. وبريئة.. لا تفكر بشيء سوى دميتها ..

هربت .. هربت من كل ما أصرت عليه يوماً.. ودفعت ثمنه طوال حياتها..

أجل.. لم يعد الأمر ممتعاً وجميلاً مثلما كان ..! ليس فيه ذلك الشعور المتعاظم بالطموح والزهو.. والرغبة في نشدان ما هو أفضل ..

أصبحت الأمور عادية ومملة .. بل مثيرة للأعصاب، هوت الأحلام المجنحة على أرض الواقع فلم تعد جميلة وبعيدة .

ـ 3 ـ

بحثت في أدراجها عن كتب الشعر.. الكتب التي نسيتها منذ زمن بعيد. أعدت لنفسها بعض الشاي وجلست هناك على ذات الشرفة.. التي اعتادت الجلوس عليها .

أمامها أوراق ملونة ودفاتر قديمة ذات أوراق صفراء.. ودواوين شعر كثيرة .

وفي الركن تتمايل بعض نباتات الزينة التي تحبها ..

تصفحت الدواوين .. قرأت التعليقات على الهوامش بخطها .. بينما تجرع رشفات من الشاي الحار ..

لقد نسيت الشعر.. بل نسيت حتى المشاعر ..!

هل أصبحت حقاً هكذا .. امرأة جليدية بلا شعور .. هل هي حقاً كما يقولون : امرأة باردة .. قاسية .. ميتة بلا قلب ..!

ابتهجت عندما عثرت على رسالة صغيرة بين القصاصات الملونة.كانت تلك الرسالة من إحدى الصديقات . كانت تصفها بسخرية على طريقة الجاحظ.. كنا فتيات مجنونات.. ورائعات بقدر جنوننا..! نعشق الشعر.. ونتبارى في حفظه. نتحايل على الأوزان والقوافي .. فندعي بصلافة أننا قادرات على كتابة الشعر.. نحلم.... ونغازل القمر البعيد العالي. نكتب على جدران الصف عبارات لاذعة كنا يوماً فتيات صغيرات.. مليئات بالشوق للحياة.. الحياة كانت تهدر في عروقنا مثل مياه الشلال وتلمع بقوة في أعيننا.. وتتألق في ضحكاتنا وأغنياتنا..

كنا مليئات بالطموح والحلم ..

أما الآن .. الآن لم يعد هناك جنون أو حلم أو طموح.. لم يعد هناك قمر يشع من بعيد.. ونرقب شعاعه من شرفاتنا في المساء ..

توقفنا .. ومن يتوقف عن الحلم.. يغامر بحياته .. فالقلب لا ينبض إلا عندما تكون حالماً .. أو مغرماً أو متألماً .

ولكن عندما نعيش هكذا .. بلا حب .. بدون أمل أو حتى ألم .. فلماذا تنبض قلوبنا.. ؟ لماذا ترتعش الدماء في عروقنا... ؟

ـ 4 ـ

لا تزال رشيقة الجسم .. يمكنها ارتداء أجمل الملابس وأحدث الأزياء. لا تبدو لمن يراها في السادسة والثلاثين من عمرها .

هناك بعض الشعرات البيضاء ولكن لا أهمية لها .. أحياناً تشعر بالندم.. الندم على ما فات .. ولكن هل ينفع الندم ؟

الدنيا حولها فضاء .. مثل مكان مهجور وموحش .. ليست هناك عائلة .. والدها مات منذ زمن بعيد.. وإخوتها تزوجوا وفرقتهم مشاغل الحياة. لم يبق سوى أمها وهي امرأة كبيرة في السن وقد رفضت رغم ذلك العيش معها . كانت تنوح كلما جاءت لزيارتها .. توبخها وتتحسر على شبابها الذي ضاع بين الكتب .

تذكرها بوحدتها بدون زوج أو ولد. وفي كل مرة ترشح لها رجلاً لتتزوجه.

لم تكن تغضب من أمها .. أو تحزن . ولم تحاول مناقشتها أبداً .. لأنه لا جدوى من نقاش الأمهات . كانت تبتسم لها فقط.. وعندما تسرد عليها مواصفات الرجل المرشح للزواج منها تظل صامته أو تضحك بسخرية .. فتثور ثائرتها وتقسم أنها ستغادرها إلى غير رجعة ..

"ستندمين يا بنتي حيث لا ينفع الندم" ..

عبارة سمعتها مئات المرات ولم تعد تثيرها، حسناً .. لا داعي للندم. لقد كانت دائماً تؤجل فكرة الزواج .. لأنها شديدة الإخلاص لما تفكر به.. فهي تكره مبدأ الوسط في الحياة رغم صحته ..

لا يمكنها أن تنجح في الزواج والدراسة في ذات الوقت .

فضلت أن تتزوج بعد الدراسة والتخصص .

لم يكن الموضوع مهماً بالنسبة إليها.. كانت فكرة الدراسة والنجاح تستحوذ على كل اهتماماتها .. لم تتعجل الارتباط برجل وتسليمه كل أمورها..

الفكرة أحياناً تجلب لها الخوف. الرجال يستحوذون تماماً على المرأة.. يمقتون المرأة ذات التفكير المستقل أو تلك الطموحة الحالمة ..

الرجل يبحث عن امرأة تعتني به فقط.. وتنسى أحلامها لأجله .. وتهتم بإنجازاته هو ولا تفكر مطلقاً بالخروج من دائرته المقدسة .

الفكرة كانت تؤرقها.. ولكنها تؤجل دائماً الارتباط حتى تصبح أكثر استقلالاً وقوة.. ولا يستطيع أي رجل مهما كان أن يرغمها على التخلي عن إنجازاتها والآن .. لم يعد هناك ما يؤرق.. الفكرة المخيفة أصبحت مرفوضة تماماً. لديها مال وفير... ومركز اجتماعي مرموق ومنـزل فخم .

ولديها كذلك سائق وخادمة . لديها كل ما تحتاج إليه .. ما حاجتها لوجود رجل في حياتها ..

ماذا سيمنحها الرجل الآن ...؟!

تشعر أحياناً بشيء من الندم وللحظات فقط ..

تتمنى أحياناً لو تزوجت وأنجبت طفلاً يناديها بحب قائلاً : ماما ...

ولكن ما جدوى التمنيات؟ ما جدوى الندم؟ ألم تحلم يوماً بالقوة والاستقلال والتميز...؟

ألم تنبذ فكرة الارتباط برجل .. أي رجل كان .. هل نسيت سخريتها من صديقاتها اللائي هجرن الدراسة إلى بيوت الزوجية وأنجبن دزينة أطفال ..؟

جحيم الحياة .. ومعاركها الضارية .. وصراعاتها الحادة خير من جنة يحرسها رجل .. أي رجل كان فهي ستتمتَع بالنعيم طالما كان راضياً عنها وعندما يغضب .. فسوف يطردها بكل قسوة .. لتواجه حياة فارغة وقاتلة .

ألم تؤمن بهذه الأفكار يوماً .. وتعلنها على الملأ ..؟

ـ 5 ـ

أنت .. ! يا للمفاجأة !

لم تصدق عينيها وهي تمعن النظر إليه .. من خلف نظارتها الغامقة .

هو .. بدأ مندهشاً ومحرجاً وهو يقف أمامها لم يفتح فمه بكلمة واحدة ..

مرحباً بابن خالتي العزيز... هكذا حيته في صوت واثق وساخر ...

ترى ؟

ما الذي جاء بك إلى هنا ؟

ابنتي مريضة .. ارتفعت حرارتها منذ أيام .

يؤسفني ذلك.. وأتمنى أن تكون بخير خلال أيام ..

إنه لا يختلف كثيراً عن ذي قبل ... ربما بدا أشد سمرة وأسمن قليلاً... ولكنه مثل ما كان .

الذقن الكثيفة غيرت ملامحه قليلاً .. وما سوى ذلك لم يتغير ..

يا للصدف العجيبة ... أراه بعد كل هذه السنوات .

أنت تعملين هنا ... ألقى بسؤاله في لا مبالاة ..

أجل .. منذ خمس سنوات .

ألم تكن تعلم بذلك ؟

وما أدراني...؟ قالها وهو يهز منكبيه وينظر في ساعته ... ثم أردف قائلاً: لقد سكنت هنا منذ سنة تقريباً .

لا بأس ... وماذا تعمل ؟

أعمل في شركة خاصة .

جيد .... وهل أعجبتك الرياض ... فأنا أعلم أنك تحب المدن المعتدلة أو الباردة .

أجل فأنا هنا أعاني من الحر لكن عملي مربح ..

حسناً ... هل تتفضل إذا جئت هنا يوماً بزيارتي .

نظر إليها ملياً ... ثم خفض بصره إلى الأرض وضحك بشيء من الحرج.

هل تستقبلين الرجال الغرباء في مكتبك يا دكتورة مريم ؟

سألها بتهكم وكبرياء .

صمتت برهة من الوقت ... لم يستفزها السؤال أبداً بل ردت بنبرة واثقة ومتحدية قائلة : أنا طبيبة نساء ... ألا تعلم ذلك ....؟

وعلاقتي بالرجال محدودة ....

ذلك أفضل يا بنت خالتي ....!

لماذا يا عزيزي... هل أنتم أيها الرجال كائنات خرافية ومرعبة .

أنكم أحياناً تثيرون الشفقة ...!

ضحك طويلاً وقال : أفكارك جيدة ومستنيرة للغاية.. ولكنها مغلوطة .

ربما ... ربما كانت أفكاري عن الرجال خاطئة .... لكن فكرتي عنك بالذات لم تكن كذلك .

أعرف .. أعرف جيداً ما يدور برأسك الآن ...

كنت تتصور أنك ستقابل فتاة متبرجة بلا حشمة أو حياء وتتمتع بالعمل مع رجال كثيرين يحومون حولها كالذئاب ..

دهش كثيراً لصراحتها وحديثها الصارم ولم يرد بكلمة .

حسناً يا ابن خالتي ... إذا كنت تعتقد أن كل الرجال وأنت منهم ذئاب فأنا لست شاة ضعيفةً .

أنا أيضاً لدي أنياب ويمكنني الدفاع عن نفسي جيداً ...!!

"أنا آسف يا عزيزتي ... اعتذر في هدوء وخجل لماذا تعتذر ...؟

من الجبن أن نعتذر عن أفكار نعتنقها ..

خاطبته في هدوء وجدية .

حسناً ... لدي عمل كثير وعلي أن أذهب الآن وأرجو أن تبلغ تحياتي الصادقة لخالتي ولزوجتك أيضاً .

ـ 6 ـ

عندما تشرق الشمس .. تذوب أكوام الجليد. هكذا شعرت وهي تراه لأول مرة بعد عشر سنوات. تلك هي نظرته التي أسرتها يوماً ... عندما كانت تدرس بالثانوية ..

ليست نظرة جريئة ... وقحة... مقتحمة مثل نظرات الكثير من الرجال.. بل نظرة محايدة .. مبهمة وغامضة أحياناً ... لكنها مترفعة كثيراً .. لم يكن يحدق أو ينظر بإمعان ... دائما يتشاغل أو يخفض بصره ..

كانت مبتهجة في ذلك الصباح .. عندما صادفها في الممر أفاق قلبها الذي اعتقدت يوماً بأنه لن يفيق .. انهار جبل الجليد المتكوم فوقه ودق دقات عنيفة مجنونة .

لكنها تصنعت الثقة والبرودة ... بل حادثته بسخرية وتحد .

النظرة المحايدة ... الشامخة الكلمات القليلة.. الهادئة.. الثقة الكبيرة بالنفس حد الغرور.. هو .. أجل هو ... لم يتغير كثيراً .

حسبت نفسها قد نسيت .. ولكن ... اكتشفت اليوم أنها لم تنس قط ..

ولم تكن مشغوفة بعالم الرجال ... ولا بمفاتيحه وليس لديها فضول الفتيات أو النساء عادة .

كانت غارقة في عالمها الخاص.. سعيدة بذلك العالم ومكتفية به.. ولكن... لكن عبد الرحمن .. ابن خالتها هذا.. يبدو وكأنه يختلف عن كل رجال العالم . لماذا....؟

ربما لأنه تميز بالرزانة والاستقامة .. وكان متفوقاً في دراسته.. والجميع يعاملونه باحترام .

أجل .. كان يتميز عن كل رفاقه .. الذين لا هم لهم سوى ملاحقة الفتيات بالهاتف أو بالرسائل والكلمات البذيئة .

ربما .. من أجل كل تلك الأسباب .. وربما لا فنحن نرى من نحبهم رؤية خاصة.. رؤية جميلة ومتحيزة.

لا تدري بالضبط.. لماذا كانت الهواجس تلح عليها.. وربما الأمنيات.. بأنه يفكر بها أيضاً ..

وأن الطريق بينهما فسيح وما عليه سوى أن يتقدم ويكون أكثر وضوحاً وجرأة .

عبد الرحمن .. وليس سواه .. الرجل الوحيد الذي فكرت بأن تدخل إلى جنته.

وتغامر... تغامر بأحلامها وأفكارها .. لم يتبادلا حديثاً قط.. رغم القرابة كان متحفظاً وهي كذلك .

مشاعر مبهمة ... وحائرة ... ضلت بينهما ..

كلاهما .. ربما اعتقد في لحظة... أن الطرف الآخر منشغل به.. ويشغل جزءاً ولو صغيراً من تفكيره ومشاعره ..

وبعد الثانوية .. قررت الذهاب إلى الرياض لدراسة الطب ... وقامت الدنيا كلها ثائرة حولها ..

قالوا كلاماً كثيراً.. يجرح القلب والكرامة .

"تريد أن تدرس الطب.. لتختلط بالرجال.. وتكشف وجهها لهم... وتحادثهم...".

"تريد أن تنفلت .. وتعيش بدون حياء..."

يا للعيب .. ! يا للعار !

ولا شك .. كان يستمع إلى تلك الصيحات المنكرة والادعاءات الكاذبة.

وبعد سنة من الدراسة.. جاءت إليها الأنباء كان قد تزوج من إحدى القريبات.

لم تأسف كثيراً ... فالرجل الذي يصدق الصيحات الحاقدة والاتهامات الكاذبة لا يستحق الأسف .

ـ 7 ـ

"... أنا ليك على طول ... خليك ليه ..."

أغنية حزينة للغاية .. يبدو صاحبها وكأنه يتشبث بطرف بعيد .. بعيد لا يفكر به .

"أنا ليك على طول ... " تصخب الأغنية الحزينة في الظلام الصامت.. المخيف .

حيث لا أحد .. سوى دقات القلب .. والأنفاس تتلاحق برتابة .

منذ زمن بعيد لم تستمع إلى المذياع ... لم يكن هناك وقت. دائماً كانت مشغولة. وبعد العمل.. ينبغي أن ترتاح .

لم تشغف بالتلفزيون كما شغفت بالإذاعة دائماً كان هناك راديو صغير من نوع سانيو.. يصخب بجوارها. بينما تستلقي في هدأة الليل .. تتحايل لتنام.. تغمض عينيها قسراً وتحلم بغد جميل "أنا ليك على طول..." .

تبدو الأغنية أكثر حزناً من ذي قبل .. فقد سمعتها كثيراً .

لم تبدو نبرات عبد الحليم شديدة الوهن والشجن ...؟

لم ينفسح بفعلها هذا المدى الشاسع من الأحلام والأشواق ...؟

ربما كانت هي الحزينة وليست كلمات الأغنية ... ربما تغيرت مشاعرها فأصبحت أرق مما سبق ..

لا شيء يهزها الآن ... لا شيء يعنيها .. أعماقها مثل أرض يباب.. لا شيء سوى صوت قادم من بعيد .. صوت فياض بالشجن ..

الآن .. مرت سنوات وسنوات .. وسارت هي في طريقها خطوات وخطوات.

الآن .. غاب الصوت وتلاشت النغمات حيث اليباب والفراغ واللاعودة.

انحسر المدى الشاسع.. مدى الحزن والشوق والحلم ..

لم يعد هناك سوى الواقع .. الواقع الذي يتسامق فوق الحلم والهوى.. ويسخر من الأشواق.. ويقتل عواطف الإنسان ..

الواقع الذي يخنقها كل يوم .. عندما تبدأ الدوام في عيادتها ..

العمل الكثير... المرهق والفترات القليلة من الراحة ..

مرت السنوات.. تاهت الخطوات.. غاب الصوت .. وتلاشت النغمات .

وهي .. هي تستسلم يوماً بعد يوم.. لا جدوى من إجازة قصيرة.. لا جدوى من الثورة لا جدوى من الندم ..

وحدها بلا قلب

ـ 1 ـ

وحدها .. تجلس هناك على كرسيها الهزاز... ذلك الكرسي الأثير. وتطل من شرفتها العالية.. تطل على شوارع فسيحة.. تضيق شيئاً فشيئاً.. فتصبح مسارب ضيقة.. تتلألأ أنوارها الخافتة من بعيد وحدها.. لا صديق سوى الأيام. الأيام التي مرقت بسرعة وكأنها الماء يتسرب من بين الأصابع.. فلا نحس به الأيام مرقت.. وهي تفتح فاها كالوحش الكاسر . تبتلع كل شيء.. العمر الجميل.. اللحظات الهنيئة .. الرغبات الحالمة ..

وحدها .. بلا قلب.. قلب حقيقي.. مثل تلك القلوب التي تضج بالحياة.. تتوجع .. تتألم .. تبكي وتتمزق . تفرح .. بل تجن من الفرح ..

وحدها .. تعد الليالي.. ترقب القمر في أمسياته الفضية. تشبك بين أصابعها وتغمض عينيها .. ثم .. ثم تسترخي إلى أقصى درجات الاسترخاء . تسترخي و .. وتنتظر .. تنتظر الغد ولا غد يأتي .. لم يعد يغريها القميص الأبيض.. الطويل الذي طالما حلمت به. رائحة الأدوية والمطهرات تزكم أنفها . لغط النساء وثرثرتهن وحديثهن الذي لا ينقطع عن الأطفال والحمل والتربية ومتاعبهن.. كل ذلك أصبح لا يطاق ..

أجل .. لم تعد تطيق أولئك النسوة.. ولا ثرثرتهن التي لا تنتهي عن الأزواج والأولاد والأمراض .

قررت أن تخرج من الدائرة الملوثة التي تخنقها.. أن تهجر تلك الغرفة بما فيها من معدات ووصفات طبية .. وذلك الممر الطويل الذي يغص بالمراجعات.

هربت إلى نفسها الضائعة .. التائهة في زحمة ا لعمل الشاق المتواصل .

تشبثت كغريق .. بنداء صغير .. تفجر بداخلها .. نداء يدعوها إلى أن تعود من ذلك الطريق الطويل.. الذي سلكته باكراً رغم أنف الجميع .

نداء امرأة مرهقة للغاية.. تود لو تضع رأسها وتستريح ..

لا أحد يلومها .. أو يراجعها .. أو يناقشها .

لا جرس مزعج يناديها .. ولا استغاثة في منتصف الليل تلح عليها .

هناك في نهاية الطريق الطويل .. حيث اشتد الظلام فلم تعد ترى .. توقدت شمعة صغيرة .. فهرعت كالفراشة تحوم حولها. عادت في لحظات طفلة صغيرة.. وبريئة.. لا تفكر بشيء سوى دميتها ..

هربت .. هربت من كل ما أصرت عليه يوماً.. ودفعت ثمنه طوال حياتها..

أجل.. لم يعد الأمر ممتعاً وجميلاً مثلما كان ..! ليس فيه ذلك الشعور المتعاظم بالطموح والزهو.. والرغبة في نشدان ما هو أفضل ..

أصبحت الأمور عادية ومملة .. بل مثيرة للأعصاب، هوت الأحلام المجنحة على أرض الواقع فلم تعد جميلة وبعيدة .

ـ 3 ـ

بحثت في أدراجها عن كتب الشعر.. الكتب التي نسيتها منذ زمن بعيد. أعدت لنفسها بعض الشاي وجلست هناك على ذات الشرفة.. التي اعتادت الجلوس عليها .

أمامها أوراق ملونة ودفاتر قديمة ذات أوراق صفراء.. ودواوين شعر كثيرة .

وفي الركن تتمايل بعض نباتات الزينة التي تحبها ..

تصفحت الدواوين .. قرأت التعليقات على الهوامش بخطها .. بينما تجرع رشفات من الشاي الحار ..

لقد نسيت الشعر.. بل نسيت حتى المشاعر ..!

هل أصبحت حقاً هكذا .. امرأة جليدية بلا شعور .. هل هي حقاً كما يقولون : امرأة باردة .. قاسية .. ميتة بلا قلب ..!

ابتهجت عندما عثرت على رسالة صغيرة بين القصاصات الملونة.كانت تلك الرسالة من إحدى الصديقات . كانت تصفها بسخرية على طريقة الجاحظ.. كنا فتيات مجنونات.. ورائعات بقدر جنوننا..! نعشق الشعر.. ونتبارى في حفظه. نتحايل على الأوزان والقوافي .. فندعي بصلافة أننا قادرات على كتابة الشعر.. نحلم.... ونغازل القمر البعيد العالي. نكتب على جدران الصف عبارات لاذعة كنا يوماً فتيات صغيرات.. مليئات بالشوق للحياة.. الحياة كانت تهدر في عروقنا مثل مياه الشلال وتلمع بقوة في أعيننا.. وتتألق في ضحكاتنا وأغنياتنا..

كنا مليئات بالطموح والحلم ..

أما الآن .. الآن لم يعد هناك جنون أو حلم أو طموح.. لم يعد هناك قمر يشع من بعيد.. ونرقب شعاعه من شرفاتنا في المساء ..

توقفنا .. ومن يتوقف عن الحلم.. يغامر بحياته .. فالقلب لا ينبض إلا عندما تكون حالماً .. أو مغرماً أو متألماً .

ولكن عندما نعيش هكذا .. بلا حب .. بدون أمل أو حتى ألم .. فلماذا تنبض قلوبنا.. ؟ لماذا ترتعش الدماء في عروقنا... ؟

ـ 4 ـ

لا تزال رشيقة الجسم .. يمكنها ارتداء أجمل الملابس وأحدث الأزياء. لا تبدو لمن يراها في السادسة والثلاثين من عمرها .

هناك بعض الشعرات البيضاء ولكن لا أهمية لها .. أحياناً تشعر بالندم.. الندم على ما فات .. ولكن هل ينفع الندم ؟

الدنيا حولها فضاء .. مثل مكان مهجور وموحش .. ليست هناك عائلة .. والدها مات منذ زمن بعيد.. وإخوتها تزوجوا وفرقتهم مشاغل الحياة. لم يبق سوى أمها وهي امرأة كبيرة في السن وقد رفضت رغم ذلك العيش معها . كانت تنوح كلما جاءت لزيارتها .. توبخها وتتحسر على شبابها الذي ضاع بين الكتب .

تذكرها بوحدتها بدون زوج أو ولد. وفي كل مرة ترشح لها رجلاً لتتزوجه.

لم تكن تغضب من أمها .. أو تحزن . ولم تحاول مناقشتها أبداً .. لأنه لا جدوى من نقاش الأمهات . كانت تبتسم لها فقط.. وعندما تسرد عليها مواصفات الرجل المرشح للزواج منها تظل صامته أو تضحك بسخرية .. فتثور ثائرتها وتقسم أنها ستغادرها إلى غير رجعة ..

"ستندمين يا بنتي حيث لا ينفع الندم" ..

عبارة سمعتها مئات المرات ولم تعد تثيرها، حسناً .. لا داعي للندم. لقد كانت دائماً تؤجل فكرة الزواج .. لأنها شديدة الإخلاص لما تفكر به.. فهي تكره مبدأ الوسط في الحياة رغم صحته ..

لا يمكنها أن تنجح في الزواج والدراسة في ذات الوقت .

فضلت أن تتزوج بعد الدراسة والتخصص .

لم يكن الموضوع مهماً بالنسبة إليها.. كانت فكرة الدراسة والنجاح تستحوذ على كل اهتماماتها .. لم تتعجل الارتباط برجل وتسليمه كل أمورها..

الفكرة أحياناً تجلب لها الخوف. الرجال يستحوذون تماماً على المرأة.. يمقتون المرأة ذات التفكير المستقل أو تلك الطموحة الحالمة ..

الرجل يبحث عن امرأة تعتني به فقط.. وتنسى أحلامها لأجله .. وتهتم بإنجازاته هو ولا تفكر مطلقاً بالخروج من دائرته المقدسة .

الفكرة كانت تؤرقها.. ولكنها تؤجل دائماً الارتباط حتى تصبح أكثر استقلالاً وقوة.. ولا يستطيع أي رجل مهما كان أن يرغمها على التخلي عن إنجازاتها والآن .. لم يعد هناك ما يؤرق.. الفكرة المخيفة أصبحت مرفوضة تماماً. لديها مال وفير... ومركز اجتماعي مرموق ومنـزل فخم .

ولديها كذلك سائق وخادمة . لديها كل ما تحتاج إليه .. ما حاجتها لوجود رجل في حياتها ..

ماذا سيمنحها الرجل الآن ...؟!

تشعر أحياناً بشيء من الندم وللحظات فقط ..

تتمنى أحياناً لو تزوجت وأنجبت طفلاً يناديها بحب قائلاً : ماما ...

ولكن ما جدوى التمنيات؟ ما جدوى الندم؟ ألم تحلم يوماً بالقوة والاستقلال والتميز...؟

ألم تنبذ فكرة الارتباط برجل .. أي رجل كان .. هل نسيت سخريتها من صديقاتها اللائي هجرن الدراسة إلى بيوت الزوجية وأنجبن دزينة أطفال ..؟

جحيم الحياة .. ومعاركها الضارية .. وصراعاتها الحادة خير من جنة يحرسها رجل .. أي رجل كان فهي ستتمتَع بالنعيم طالما كان راضياً عنها وعندما يغضب .. فسوف يطردها بكل قسوة .. لتواجه حياة فارغة وقاتلة .

ألم تؤمن بهذه الأفكار يوماً .. وتعلنها على الملأ ..؟

ـ 5 ـ

أنت .. ! يا للمفاجأة !

لم تصدق عينيها وهي تمعن النظر إليه .. من خلف نظارتها الغامقة .

هو .. بدأ مندهشاً ومحرجاً وهو يقف أمامها لم يفتح فمه بكلمة واحدة ..

مرحباً بابن خالتي العزيز... هكذا حيته في صوت واثق وساخر ...

ترى ؟

ما الذي جاء بك إلى هنا ؟

ابنتي مريضة .. ارتفعت حرارتها منذ أيام .

يؤسفني ذلك.. وأتمنى أن تكون بخير خلال أيام ..

إنه لا يختلف كثيراً عن ذي قبل ... ربما بدا أشد سمرة وأسمن قليلاً... ولكنه مثل ما كان .

الذقن الكثيفة غيرت ملامحه قليلاً .. وما سوى ذلك لم يتغير ..

يا للصدف العجيبة ... أراه بعد كل هذه السنوات .

أنت تعملين هنا ... ألقى بسؤاله في لا مبالاة ..

أجل .. منذ خمس سنوات .

ألم تكن تعلم بذلك ؟

وما أدراني...؟ قالها وهو يهز منكبيه وينظر في ساعته ... ثم أردف قائلاً: لقد سكنت هنا منذ سنة تقريباً .

لا بأس ... وماذا تعمل ؟

أعمل في شركة خاصة .

جيد .... وهل أعجبتك الرياض ... فأنا أعلم أنك تحب المدن المعتدلة أو الباردة .

أجل فأنا هنا أعاني من الحر لكن عملي مربح ..

حسناً ... هل تتفضل إذا جئت هنا يوماً بزيارتي .

نظر إليها ملياً ... ثم خفض بصره إلى الأرض وضحك بشيء من الحرج.

هل تستقبلين الرجال الغرباء في مكتبك يا دكتورة مريم ؟

سألها بتهكم وكبرياء .

صمتت برهة من الوقت ... لم يستفزها السؤال أبداً بل ردت بنبرة واثقة ومتحدية قائلة : أنا طبيبة نساء ... ألا تعلم ذلك ....؟

وعلاقتي بالرجال محدودة ....

ذلك أفضل يا بنت خالتي ....!

لماذا يا عزيزي... هل أنتم أيها الرجال كائنات خرافية ومرعبة .

أنكم أحياناً تثيرون الشفقة ...!

ضحك طويلاً وقال : أفكارك جيدة ومستنيرة للغاية.. ولكنها مغلوطة .

ربما ... ربما كانت أفكاري عن الرجال خاطئة .... لكن فكرتي عنك بالذات لم تكن كذلك .

أعرف .. أعرف جيداً ما يدور برأسك الآن ...

كنت تتصور أنك ستقابل فتاة متبرجة بلا حشمة أو حياء وتتمتع بالعمل مع رجال كثيرين يحومون حولها كالذئاب ..

دهش كثيراً لصراحتها وحديثها الصارم ولم يرد بكلمة .

حسناً يا ابن خالتي ... إذا كنت تعتقد أن كل الرجال وأنت منهم ذئاب فأنا لست شاة ضعيفةً .

أنا أيضاً لدي أنياب ويمكنني الدفاع عن نفسي جيداً ...!!

"أنا آسف يا عزيزتي ... اعتذر في هدوء وخجل لماذا تعتذر ...؟

من الجبن أن نعتذر عن أفكار نعتنقها ..

خاطبته في هدوء وجدية .

حسناً ... لدي عمل كثير وعلي أن أذهب الآن وأرجو أن تبلغ تحياتي الصادقة لخالتي ولزوجتك أيضاً .

ـ 6 ـ

عندما تشرق الشمس .. تذوب أكوام الجليد. هكذا شعرت وهي تراه لأول مرة بعد عشر سنوات. تلك هي نظرته التي أسرتها يوماً ... عندما كانت تدرس بالثانوية ..

ليست نظرة جريئة ... وقحة... مقتحمة مثل نظرات الكثير من الرجال.. بل نظرة محايدة .. مبهمة وغامضة أحياناً ... لكنها مترفعة كثيراً .. لم يكن يحدق أو ينظر بإمعان ... دائما يتشاغل أو يخفض بصره ..

كانت مبتهجة في ذلك الصباح .. عندما صادفها في الممر أفاق قلبها الذي اعتقدت يوماً بأنه لن يفيق .. انهار جبل الجليد المتكوم فوقه ودق دقات عنيفة مجنونة .

لكنها تصنعت الثقة والبرودة ... بل حادثته بسخرية وتحد .

النظرة المحايدة ... الشامخة الكلمات القليلة.. الهادئة.. الثقة الكبيرة بالنفس حد الغرور.. هو .. أجل هو ... لم يتغير كثيراً .

حسبت نفسها قد نسيت .. ولكن ... اكتشفت اليوم أنها لم تنس قط ..

ولم تكن مشغوفة بعالم الرجال ... ولا بمفاتيحه وليس لديها فضول الفتيات أو النساء عادة .

كانت غارقة في عالمها الخاص.. سعيدة بذلك العالم ومكتفية به.. ولكن... لكن عبد الرحمن .. ابن خالتها هذا.. يبدو وكأنه يختلف عن كل رجال العالم . لماذا....؟

ربما لأنه تميز بالرزانة والاستقامة .. وكان متفوقاً في دراسته.. والجميع يعاملونه باحترام .

أجل .. كان يتميز عن كل رفاقه .. الذين لا هم لهم سوى ملاحقة الفتيات بالهاتف أو بالرسائل والكلمات البذيئة .

ربما .. من أجل كل تلك الأسباب .. وربما لا فنحن نرى من نحبهم رؤية خاصة.. رؤية جميلة ومتحيزة.

لا تدري بالضبط.. لماذا كانت الهواجس تلح عليها.. وربما الأمنيات.. بأنه يفكر بها أيضاً ..

وأن الطريق بينهما فسيح وما عليه سوى أن يتقدم ويكون أكثر وضوحاً وجرأة .

عبد الرحمن .. وليس سواه .. الرجل الوحيد الذي فكرت بأن تدخل إلى جنته.

وتغامر... تغامر بأحلامها وأفكارها .. لم يتبادلا حديثاً قط.. رغم القرابة كان متحفظاً وهي كذلك .

مشاعر مبهمة ... وحائرة ... ضلت بينهما ..

كلاهما .. ربما اعتقد في لحظة... أن الطرف الآخر منشغل به.. ويشغل جزءاً ولو صغيراً من تفكيره ومشاعره ..

وبعد الثانوية .. قررت الذهاب إلى الرياض لدراسة الطب ... وقامت الدنيا كلها ثائرة حولها ..

قالوا كلاماً كثيراً.. يجرح القلب والكرامة .

"تريد أن تدرس الطب.. لتختلط بالرجال.. وتكشف وجهها لهم... وتحادثهم...".

"تريد أن تنفلت .. وتعيش بدون حياء..."

يا للعيب .. ! يا للعار !

ولا شك .. كان يستمع إلى تلك الصيحات المنكرة والادعاءات الكاذبة.

وبعد سنة من الدراسة.. جاءت إليها الأنباء كان قد تزوج من إحدى القريبات.

لم تأسف كثيراً ... فالرجل الذي يصدق الصيحات الحاقدة والاتهامات الكاذبة لا يستحق الأسف .

ـ 7 ـ

"... أنا ليك على طول ... خليك ليه ..."

أغنية حزينة للغاية .. يبدو صاحبها وكأنه يتشبث بطرف بعيد .. بعيد لا يفكر به .

"أنا ليك على طول ... " تصخب الأغنية الحزينة في الظلام الصامت.. المخيف .

حيث لا أحد .. سوى دقات القلب .. والأنفاس تتلاحق برتابة .

منذ زمن بعيد لم تستمع إلى المذياع ... لم يكن هناك وقت. دائماً كانت مشغولة. وبعد العمل.. ينبغي أن ترتاح .

لم تشغف بالتلفزيون كما شغفت بالإذاعة دائماً كان هناك راديو صغير من نوع سانيو.. يصخب بجوارها. بينما تستلقي في هدأة الليل .. تتحايل لتنام.. تغمض عينيها قسراً وتحلم بغد جميل "أنا ليك على طول..." .

تبدو الأغنية أكثر حزناً من ذي قبل .. فقد سمعتها كثيراً .

لم تبدو نبرات عبد الحليم شديدة الوهن والشجن ...؟

لم ينفسح بفعلها هذا المدى الشاسع من الأحلام والأشواق ...؟

ربما كانت هي الحزينة وليست كلمات الأغنية ... ربما تغيرت مشاعرها فأصبحت أرق مما سبق ..

لا شيء يهزها الآن ... لا شيء يعنيها .. أعماقها مثل أرض يباب.. لا شيء سوى صوت قادم من بعيد .. صوت فياض بالشجن ..

الآن .. مرت سنوات وسنوات .. وسارت هي في طريقها خطوات وخطوات.

الآن .. غاب الصوت وتلاشت النغمات حيث اليباب والفراغ واللاعودة.

انحسر المدى الشاسع.. مدى الحزن والشوق والحلم ..

لم يعد هناك سوى الواقع .. الواقع الذي يتسامق فوق الحلم والهوى.. ويسخر من الأشواق.. ويقتل عواطف الإنسان ..

الواقع الذي يخنقها كل يوم .. عندما تبدأ الدوام في عيادتها ..

العمل الكثير... المرهق والفترات القليلة من الراحة ..

مرت السنوات.. تاهت الخطوات.. غاب الصوت .. وتلاشت النغمات .

وهي .. هي تستسلم يوماً بعد يوم.. لا جدوى من إجازة قصيرة.. لا جدوى من الثورة لا جدوى من الندم ..

وحدها بلا قلب

ـ 1 ـ

وحدها .. تجلس هناك على كرسيها الهزاز... ذلك الكرسي الأثير. وتطل من شرفتها العالية.. تطل على شوارع فسيحة.. تضيق شيئاً فشيئاً.. فتصبح مسارب ضيقة.. تتلألأ أنوارها الخافتة من بعيد وحدها.. لا صديق سوى الأيام. الأيام التي مرقت بسرعة وكأنها الماء يتسرب من بين الأصابع.. فلا نحس به الأيام مرقت.. وهي تفتح فاها كالوحش الكاسر . تبتلع كل شيء.. العمر الجميل.. اللحظات الهنيئة .. الرغبات الحالمة ..

وحدها .. بلا قلب.. قلب حقيقي.. مثل تلك القلوب التي تضج بالحياة.. تتوجع .. تتألم .. تبكي وتتمزق . تفرح .. بل تجن من الفرح ..

وحدها .. تعد الليالي.. ترقب القمر في أمسياته الفضية. تشبك بين أصابعها وتغمض عينيها .. ثم .. ثم تسترخي إلى أقصى درجات الاسترخاء . تسترخي و .. وتنتظر .. تنتظر الغد ولا غد يأتي .. لم يعد يغريها القميص الأبيض.. الطويل الذي طالما حلمت به. رائحة الأدوية والمطهرات تزكم أنفها . لغط النساء وثرثرتهن وحديثهن الذي لا ينقطع عن الأطفال والحمل والتربية ومتاعبهن.. كل ذلك أصبح لا يطاق ..

أجل .. لم تعد تطيق أولئك النسوة.. ولا ثرثرتهن التي لا تنتهي عن الأزواج والأولاد والأمراض .

قررت أن تخرج من الدائرة الملوثة التي تخنقها.. أن تهجر تلك الغرفة بما فيها من معدات ووصفات طبية .. وذلك الممر الطويل الذي يغص بالمراجعات.

هربت إلى نفسها الضائعة .. التائهة في زحمة ا لعمل الشاق المتواصل .

تشبثت كغريق .. بنداء صغير .. تفجر بداخلها .. نداء يدعوها إلى أن تعود من ذلك الطريق الطويل.. الذي سلكته باكراً رغم أنف الجميع .

نداء امرأة مرهقة للغاية.. تود لو تضع رأسها وتستريح ..

لا أحد يلومها .. أو يراجعها .. أو يناقشها .

لا جرس مزعج يناديها .. ولا استغاثة في منتصف الليل تلح عليها .

هناك في نهاية الطريق الطويل .. حيث اشتد الظلام فلم تعد ترى .. توقدت شمعة صغيرة .. فهرعت كالفراشة تحوم حولها. عادت في لحظات طفلة صغيرة.. وبريئة.. لا تفكر بشيء سوى دميتها ..

هربت .. هربت من كل ما أصرت عليه يوماً.. ودفعت ثمنه طوال حياتها..

أجل.. لم يعد الأمر ممتعاً وجميلاً مثلما كان ..! ليس فيه ذلك الشعور المتعاظم بالطموح والزهو.. والرغبة في نشدان ما هو أفضل ..

أصبحت الأمور عادية ومملة .. بل مثيرة للأعصاب، هوت الأحلام المجنحة على أرض الواقع فلم تعد جميلة وبعيدة .

ـ 3 ـ

بحثت في أدراجها عن كتب الشعر.. الكتب التي نسيتها منذ زمن بعيد. أعدت لنفسها بعض الشاي وجلست هناك على ذات الشرفة.. التي اعتادت الجلوس عليها .

أمامها أوراق ملونة ودفاتر قديمة ذات أوراق صفراء.. ودواوين شعر كثيرة .

وفي الركن تتمايل بعض نباتات الزينة التي تحبها ..

تصفحت الدواوين .. قرأت التعليقات على الهوامش بخطها .. بينما تجرع رشفات من الشاي الحار ..

لقد نسيت الشعر.. بل نسيت حتى المشاعر ..!

هل أصبحت حقاً هكذا .. امرأة جليدية بلا شعور .. هل هي حقاً كما يقولون : امرأة باردة .. قاسية .. ميتة بلا قلب ..!

ابتهجت عندما عثرت على رسالة صغيرة بين القصاصات الملونة.كانت تلك الرسالة من إحدى الصديقات . كانت تصفها بسخرية على طريقة الجاحظ.. كنا فتيات مجنونات.. ورائعات بقدر جنوننا..! نعشق الشعر.. ونتبارى في حفظه. نتحايل على الأوزان والقوافي .. فندعي بصلافة أننا قادرات على كتابة الشعر.. نحلم.... ونغازل القمر البعيد العالي. نكتب على جدران الصف عبارات لاذعة كنا يوماً فتيات صغيرات.. مليئات بالشوق للحياة.. الحياة كانت تهدر في عروقنا مثل مياه الشلال وتلمع بقوة في أعيننا.. وتتألق في ضحكاتنا وأغنياتنا..

كنا مليئات بالطموح والحلم ..

أما الآن .. الآن لم يعد هناك جنون أو حلم أو طموح.. لم يعد هناك قمر يشع من بعيد.. ونرقب شعاعه من شرفاتنا في المساء ..

توقفنا .. ومن يتوقف عن الحلم.. يغامر بحياته .. فالقلب لا ينبض إلا عندما تكون حالماً .. أو مغرماً أو متألماً .

ولكن عندما نعيش هكذا .. بلا حب .. بدون أمل أو حتى ألم .. فلماذا تنبض قلوبنا.. ؟ لماذا ترتعش الدماء في عروقنا... ؟

ـ 4 ـ

لا تزال رشيقة الجسم .. يمكنها ارتداء أجمل الملابس وأحدث الأزياء. لا تبدو لمن يراها في السادسة والثلاثين من عمرها .

هناك بعض الشعرات البيضاء ولكن لا أهمية لها .. أحياناً تشعر بالندم.. الندم على ما فات .. ولكن هل ينفع الندم ؟

الدنيا حولها فضاء .. مثل مكان مهجور وموحش .. ليست هناك عائلة .. والدها مات منذ زمن بعيد.. وإخوتها تزوجوا وفرقتهم مشاغل الحياة. لم يبق سوى أمها وهي امرأة كبيرة في السن وقد رفضت رغم ذلك العيش معها . كانت تنوح كلما جاءت لزيارتها .. توبخها وتتحسر على شبابها الذي ضاع بين الكتب .

تذكرها بوحدتها بدون زوج أو ولد. وفي كل مرة ترشح لها رجلاً لتتزوجه.

لم تكن تغضب من أمها .. أو تحزن . ولم تحاول مناقشتها أبداً .. لأنه لا جدوى من نقاش الأمهات . كانت تبتسم لها فقط.. وعندما تسرد عليها مواصفات الرجل المرشح للزواج منها تظل صامته أو تضحك بسخرية .. فتثور ثائرتها وتقسم أنها ستغادرها إلى غير رجعة ..

"ستندمين يا بنتي حيث لا ينفع الندم" ..

عبارة سمعتها مئات المرات ولم تعد تثيرها، حسناً .. لا داعي للندم. لقد كانت دائماً تؤجل فكرة الزواج .. لأنها شديدة الإخلاص لما تفكر به.. فهي تكره مبدأ الوسط في الحياة رغم صحته ..

لا يمكنها أن تنجح في الزواج والدراسة في ذات الوقت .

فضلت أن تتزوج بعد الدراسة والتخصص .

لم يكن الموضوع مهماً بالنسبة إليها.. كانت فكرة الدراسة والنجاح تستحوذ على كل اهتماماتها .. لم تتعجل الارتباط برجل وتسليمه كل أمورها..

الفكرة أحياناً تجلب لها الخوف. الرجال يستحوذون تماماً على المرأة.. يمقتون المرأة ذات التفكير المستقل أو تلك الطموحة الحالمة ..

الرجل يبحث عن امرأة تعتني به فقط.. وتنسى أحلامها لأجله .. وتهتم بإنجازاته هو ولا تفكر مطلقاً بالخروج من دائرته المقدسة .

الفكرة كانت تؤرقها.. ولكنها تؤجل دائماً الارتباط حتى تصبح أكثر استقلالاً وقوة.. ولا يستطيع أي رجل مهما كان أن يرغمها على التخلي عن إنجازاتها والآن .. لم يعد هناك ما يؤرق.. الفكرة المخيفة أصبحت مرفوضة تماماً. لديها مال وفير... ومركز اجتماعي مرموق ومنـزل فخم .

ولديها كذلك سائق وخادمة . لديها كل ما تحتاج إليه .. ما حاجتها لوجود رجل في حياتها ..

ماذا سيمنحها الرجل الآن ...؟!

تشعر أحياناً بشيء من الندم وللحظات فقط ..

تتمنى أحياناً لو تزوجت وأنجبت طفلاً يناديها بحب قائلاً : ماما ...

ولكن ما جدوى التمنيات؟ ما جدوى الندم؟ ألم تحلم يوماً بالقوة والاستقلال والتميز...؟

ألم تنبذ فكرة الارتباط برجل .. أي رجل كان .. هل نسيت سخريتها من صديقاتها اللائي هجرن الدراسة إلى بيوت الزوجية وأنجبن دزينة أطفال ..؟

جحيم الحياة .. ومعاركها الضارية .. وصراعاتها الحادة خير من جنة يحرسها رجل .. أي رجل كان فهي ستتمتَع بالنعيم طالما كان راضياً عنها وعندما يغضب .. فسوف يطردها بكل قسوة .. لتواجه حياة فارغة وقاتلة .

ألم تؤمن بهذه الأفكار يوماً .. وتعلنها على الملأ ..؟

ـ 5 ـ

أنت .. ! يا للمفاجأة !

لم تصدق عينيها وهي تمعن النظر إليه .. من خلف نظارتها الغامقة .

هو .. بدأ مندهشاً ومحرجاً وهو يقف أمامها لم يفتح فمه بكلمة واحدة ..

مرحباً بابن خالتي العزيز... هكذا حيته في صوت واثق وساخر ...

ترى ؟

ما الذي جاء بك إلى هنا ؟

ابنتي مريضة .. ارتفعت حرارتها منذ أيام .

يؤسفني ذلك.. وأتمنى أن تكون بخير خلال أيام ..

إنه لا يختلف كثيراً عن ذي قبل ... ربما بدا أشد سمرة وأسمن قليلاً... ولكنه مثل ما كان .

الذقن الكثيفة غيرت ملامحه قليلاً .. وما سوى ذلك لم يتغير ..

يا للصدف العجيبة ... أراه بعد كل هذه السنوات .

أنت تعملين هنا ... ألقى بسؤاله في لا مبالاة ..

أجل .. منذ خمس سنوات .

ألم تكن تعلم بذلك ؟

وما أدراني...؟ قالها وهو يهز منكبيه وينظر في ساعته ... ثم أردف قائلاً: لقد سكنت هنا منذ سنة تقريباً .

لا بأس ... وماذا تعمل ؟

أعمل في شركة خاصة .

جيد .... وهل أعجبتك الرياض ... فأنا أعلم أنك تحب المدن المعتدلة أو الباردة .

أجل فأنا هنا أعاني من الحر لكن عملي مربح ..

حسناً ... هل تتفضل إذا جئت هنا يوماً بزيارتي .

نظر إليها ملياً ... ثم خفض بصره إلى الأرض وضحك بشيء من الحرج.

هل تستقبلين الرجال الغرباء في مكتبك يا دكتورة مريم ؟

سألها بتهكم وكبرياء .

صمتت برهة من الوقت ... لم يستفزها السؤال أبداً بل ردت بنبرة واثقة ومتحدية قائلة : أنا طبيبة نساء ... ألا تعلم ذلك ....؟

وعلاقتي بالرجال محدودة ....

ذلك أفضل يا بنت خالتي ....!

لماذا يا عزيزي... هل أنتم أيها الرجال كائنات خرافية ومرعبة .

أنكم أحياناً تثيرون الشفقة ...!

ضحك طويلاً وقال : أفكارك جيدة ومستنيرة للغاية.. ولكنها مغلوطة .

ربما ... ربما كانت أفكاري عن الرجال خاطئة .... لكن فكرتي عنك بالذات لم تكن كذلك .

أعرف .. أعرف جيداً ما يدور برأسك الآن ...

كنت تتصور أنك ستقابل فتاة متبرجة بلا حشمة أو حياء وتتمتع بالعمل مع رجال كثيرين يحومون حولها كالذئاب ..

دهش كثيراً لصراحتها وحديثها الصارم ولم يرد بكلمة .

حسناً يا ابن خالتي ... إذا كنت تعتقد أن كل الرجال وأنت منهم ذئاب فأنا لست شاة ضعيفةً .

أنا أيضاً لدي أنياب ويمكنني الدفاع عن نفسي جيداً ...!!

"أنا آسف يا عزيزتي ... اعتذر في هدوء وخجل لماذا تعتذر ...؟

من الجبن أن نعتذر عن أفكار نعتنقها ..

خاطبته في هدوء وجدية .

حسناً ... لدي عمل كثير وعلي أن أذهب الآن وأرجو أن تبلغ تحياتي الصادقة لخالتي ولزوجتك أيضاً .

ـ 6 ـ

عندما تشرق الشمس .. تذوب أكوام الجليد. هكذا شعرت وهي تراه لأول مرة بعد عشر سنوات. تلك هي نظرته التي أسرتها يوماً ... عندما كانت تدرس بالثانوية ..

ليست نظرة جريئة ... وقحة... مقتحمة مثل نظرات الكثير من الرجال.. بل نظرة محايدة .. مبهمة وغامضة أحياناً ... لكنها مترفعة كثيراً .. لم يكن يحدق أو ينظر بإمعان ... دائما يتشاغل أو يخفض بصره ..

كانت مبتهجة في ذلك الصباح .. عندما صادفها في الممر أفاق قلبها الذي اعتقدت يوماً بأنه لن يفيق .. انهار جبل الجليد المتكوم فوقه ودق دقات عنيفة مجنونة .

لكنها تصنعت الثقة والبرودة ... بل حادثته بسخرية وتحد .

النظرة المحايدة ... الشامخة الكلمات القليلة.. الهادئة.. الثقة الكبيرة بالنفس حد الغرور.. هو .. أجل هو ... لم يتغير كثيراً .

حسبت نفسها قد نسيت .. ولكن ... اكتشفت اليوم أنها لم تنس قط ..

ولم تكن مشغوفة بعالم الرجال ... ولا بمفاتيحه وليس لديها فضول الفتيات أو النساء عادة .

كانت غارقة في عالمها الخاص.. سعيدة بذلك العالم ومكتفية به.. ولكن... لكن عبد الرحمن .. ابن خالتها هذا.. يبدو وكأنه يختلف عن كل رجال العالم . لماذا....؟

ربما لأنه تميز بالرزانة والاستقامة .. وكان متفوقاً في دراسته.. والجميع يعاملونه باحترام .

أجل .. كان يتميز عن كل رفاقه .. الذين لا هم لهم سوى ملاحقة الفتيات بالهاتف أو بالرسائل والكلمات البذيئة .

ربما .. من أجل كل تلك الأسباب .. وربما لا فنحن نرى من نحبهم رؤية خاصة.. رؤية جميلة ومتحيزة.

لا تدري بالضبط.. لماذا كانت الهواجس تلح عليها.. وربما الأمنيات.. بأنه يفكر بها أيضاً ..

وأن الطريق بينهما فسيح وما عليه سوى أن يتقدم ويكون أكثر وضوحاً وجرأة .

عبد الرحمن .. وليس سواه .. الرجل الوحيد الذي فكرت بأن تدخل إلى جنته.

وتغامر... تغامر بأحلامها وأفكارها .. لم يتبادلا حديثاً قط.. رغم القرابة كان متحفظاً وهي كذلك .

مشاعر مبهمة ... وحائرة ... ضلت بينهما ..

كلاهما .. ربما اعتقد في لحظة... أن الطرف الآخر منشغل به.. ويشغل جزءاً ولو صغيراً من تفكيره ومشاعره ..

وبعد الثانوية .. قررت الذهاب إلى الرياض لدراسة الطب ... وقامت الدنيا كلها ثائرة حولها ..

قالوا كلاماً كثيراً.. يجرح القلب والكرامة .

"تريد أن تدرس الطب.. لتختلط بالرجال.. وتكشف وجهها لهم... وتحادثهم...".

"تريد أن تنفلت .. وتعيش بدون حياء..."

يا للعيب .. ! يا للعار !

ولا شك .. كان يستمع إلى تلك الصيحات المنكرة والادعاءات الكاذبة.

وبعد سنة من الدراسة.. جاءت إليها الأنباء كان قد تزوج من إحدى القريبات.

لم تأسف كثيراً ... فالرجل الذي يصدق الصيحات الحاقدة والاتهامات الكاذبة لا يستحق الأسف .

ـ 7 ـ

"... أنا ليك على طول ... خليك ليه ..."

أغنية حزينة للغاية .. يبدو صاحبها وكأنه يتشبث بطرف بعيد .. بعيد لا يفكر به .

"أنا ليك على طول ... " تصخب الأغنية الحزينة في الظلام الصامت.. المخيف .

حيث لا أحد .. سوى دقات القلب .. والأنفاس تتلاحق برتابة .

منذ زمن بعيد لم تستمع إلى المذياع ... لم يكن هناك وقت. دائماً كانت مشغولة. وبعد العمل.. ينبغي أن ترتاح .

لم تشغف بالتلفزيون كما شغفت بالإذاعة دائماً كان هناك راديو صغير من نوع سانيو.. يصخب بجوارها. بينما تستلقي في هدأة الليل .. تتحايل لتنام.. تغمض عينيها قسراً وتحلم بغد جميل "أنا ليك على طول..." .

تبدو الأغنية أكثر حزناً من ذي قبل .. فقد سمعتها كثيراً .

لم تبدو نبرات عبد الحليم شديدة الوهن والشجن ...؟

لم ينفسح بفعلها هذا المدى الشاسع من الأحلام والأشواق ...؟

ربما كانت هي الحزينة وليست كلمات الأغنية ... ربما تغيرت مشاعرها فأصبحت أرق مما سبق ..

لا شيء يهزها الآن ... لا شيء يعنيها .. أعماقها مثل أرض يباب.. لا شيء سوى صوت قادم من بعيد .. صوت فياض بالشجن ..

الآن .. مرت سنوات وسنوات .. وسارت هي في طريقها خطوات وخطوات.

الآن .. غاب الصوت وتلاشت النغمات حيث اليباب والفراغ واللاعودة.

انحسر المدى الشاسع.. مدى الحزن والشوق والحلم ..

لم يعد هناك سوى الواقع .. الواقع الذي يتسامق فوق الحلم والهوى.. ويسخر من الأشواق.. ويقتل عواطف الإنسان ..

الواقع الذي يخنقها كل يوم .. عندما تبدأ الدوام في عيادتها ..

العمل الكثير... المرهق والفترات القليلة من الراحة ..

مرت السنوات.. تاهت الخطوات.. غاب الصوت .. وتلاشت النغمات .

وهي .. هي تستسلم يوماً بعد يوم.. لا جدوى من إجازة قصيرة.. لا جدوى من الثورة لا جدوى من الندم ..

وحدها بلا قلب

ـ 1 ـ

وحدها .. تجلس هناك على كرسيها الهزاز... ذلك الكرسي الأثير. وتطل من شرفتها العالية.. تطل على شوارع فسيحة.. تضيق شيئاً فشيئاً.. فتصبح مسارب ضيقة.. تتلألأ أنوارها الخافتة من بعيد وحدها.. لا صديق سوى الأيام. الأيام التي مرقت بسرعة وكأنها الماء يتسرب من بين الأصابع.. فلا نحس به الأيام مرقت.. وهي تفتح فاها كالوحش الكاسر . تبتلع كل شيء.. العمر الجميل.. اللحظات الهنيئة .. الرغبات الحالمة ..

وحدها .. بلا قلب.. قلب حقيقي.. مثل تلك القلوب التي تضج بالحياة.. تتوجع .. تتألم .. تبكي وتتمزق . تفرح .. بل تجن من الفرح ..

وحدها .. تعد الليالي.. ترقب القمر في أمسياته الفضية. تشبك بين أصابعها وتغمض عينيها .. ثم .. ثم تسترخي إلى أقصى درجات الاسترخاء . تسترخي و .. وتنتظر .. تنتظر الغد ولا غد يأتي .. لم يعد يغريها القميص الأبيض.. الطويل الذي طالما حلمت به. رائحة الأدوية والمطهرات تزكم أنفها . لغط النساء وثرثرتهن وحديثهن الذي لا ينقطع عن الأطفال والحمل والتربية ومتاعبهن.. كل ذلك أصبح لا يطاق ..

أجل .. لم تعد تطيق أولئك النسوة.. ولا ثرثرتهن التي لا تنتهي عن الأزواج والأولاد والأمراض .

قررت أن تخرج من الدائرة الملوثة التي تخنقها.. أن تهجر تلك الغرفة بما فيها من معدات ووصفات طبية .. وذلك الممر الطويل الذي يغص بالمراجعات.

هربت إلى نفسها الضائعة .. التائهة في زحمة ا لعمل الشاق المتواصل .

تشبثت كغريق .. بنداء صغير .. تفجر بداخلها .. نداء يدعوها إلى أن تعود من ذلك الطريق الطويل.. الذي سلكته باكراً رغم أنف الجميع .

نداء امرأة مرهقة للغاية.. تود لو تضع رأسها وتستريح ..

لا أحد يلومها .. أو يراجعها .. أو يناقشها .

لا جرس مزعج يناديها .. ولا استغاثة في منتصف الليل تلح عليها .

هناك في نهاية الطريق الطويل .. حيث اشتد الظلام فلم تعد ترى .. توقدت شمعة صغيرة .. فهرعت كالفراشة تحوم حولها. عادت في لحظات طفلة صغيرة.. وبريئة.. لا تفكر بشيء سوى دميتها ..

هربت .. هربت من كل ما أصرت عليه يوماً.. ودفعت ثمنه طوال حياتها..

أجل.. لم يعد الأمر ممتعاً وجميلاً مثلما كان ..! ليس فيه ذلك الشعور المتعاظم بالطموح والزهو.. والرغبة في نشدان ما هو أفضل ..

أصبحت الأمور عادية ومملة .. بل مثيرة للأعصاب، هوت الأحلام المجنحة على أرض الواقع فلم تعد جميلة وبعيدة .

ـ 3 ـ

بحثت في أدراجها عن كتب الشعر.. الكتب التي نسيتها منذ زمن بعيد. أعدت لنفسها بعض الشاي وجلست هناك على ذات الشرفة.. التي اعتادت الجلوس عليها .

أمامها أوراق ملونة ودفاتر قديمة ذات أوراق صفراء.. ودواوين شعر كثيرة .

وفي الركن تتمايل بعض نباتات الزينة التي تحبها ..

تصفحت الدواوين .. قرأت التعليقات على الهوامش بخطها .. بينما تجرع رشفات من الشاي الحار ..

لقد نسيت الشعر.. بل نسيت حتى المشاعر ..!

هل أصبحت حقاً هكذا .. امرأة جليدية بلا شعور .. هل هي حقاً كما يقولون : امرأة باردة .. قاسية .. ميتة بلا قلب ..!

ابتهجت عندما عثرت على رسالة صغيرة بين القصاصات الملونة.كانت تلك الرسالة من إحدى الصديقات . كانت تصفها بسخرية على طريقة الجاحظ.. كنا فتيات مجنونات.. ورائعات بقدر جنوننا..! نعشق الشعر.. ونتبارى في حفظه. نتحايل على الأوزان والقوافي .. فندعي بصلافة أننا قادرات على كتابة الشعر.. نحلم.... ونغازل القمر البعيد العالي. نكتب على جدران الصف عبارات لاذعة كنا يوماً فتيات صغيرات.. مليئات بالشوق للحياة.. الحياة كانت تهدر في عروقنا مثل مياه الشلال وتلمع بقوة في أعيننا.. وتتألق في ضحكاتنا وأغنياتنا..

كنا مليئات بالطموح والحلم ..

أما الآن .. الآن لم يعد هناك جنون أو حلم أو طموح.. لم يعد هناك قمر يشع من بعيد.. ونرقب شعاعه من شرفاتنا في المساء ..

توقفنا .. ومن يتوقف عن الحلم.. يغامر بحياته .. فالقلب لا ينبض إلا عندما تكون حالماً .. أو مغرماً أو متألماً .

ولكن عندما نعيش هكذا .. بلا حب .. بدون أمل أو حتى ألم .. فلماذا تنبض قلوبنا.. ؟ لماذا ترتعش الدماء في عروقنا... ؟

ـ 4 ـ

لا تزال رشيقة الجسم .. يمكنها ارتداء أجمل الملابس وأحدث الأزياء. لا تبدو لمن يراها في السادسة والثلاثين من عمرها .

هناك بعض الشعرات البيضاء ولكن لا أهمية لها .. أحياناً تشعر بالندم.. الندم على ما فات .. ولكن هل ينفع الندم ؟

الدنيا حولها فضاء .. مثل مكان مهجور وموحش .. ليست هناك عائلة .. والدها مات منذ زمن بعيد.. وإخوتها تزوجوا وفرقتهم مشاغل الحياة. لم يبق سوى أمها وهي امرأة كبيرة في السن وقد رفضت رغم ذلك العيش معها . كانت تنوح كلما جاءت لزيارتها .. توبخها وتتحسر على شبابها الذي ضاع بين الكتب .

تذكرها بوحدتها بدون زوج أو ولد. وفي كل مرة ترشح لها رجلاً لتتزوجه.

لم تكن تغضب من أمها .. أو تحزن . ولم تحاول مناقشتها أبداً .. لأنه لا جدوى من نقاش الأمهات . كانت تبتسم لها فقط.. وعندما تسرد عليها مواصفات الرجل المرشح للزواج منها تظل صامته أو تضحك بسخرية .. فتثور ثائرتها وتقسم أنها ستغادرها إلى غير رجعة ..

"ستندمين يا بنتي حيث لا ينفع الندم" ..

عبارة سمعتها مئات المرات ولم تعد تثيرها، حسناً .. لا داعي للندم. لقد كانت دائماً تؤجل فكرة الزواج .. لأنها شديدة الإخلاص لما تفكر به.. فهي تكره مبدأ الوسط في الحياة رغم صحته ..

لا يمكنها أن تنجح في الزواج والدراسة في ذات الوقت .

فضلت أن تتزوج بعد الدراسة والتخصص .

لم يكن الموضوع مهماً بالنسبة إليها.. كانت فكرة الدراسة والنجاح تستحوذ على كل اهتماماتها .. لم تتعجل الارتباط برجل وتسليمه كل أمورها..

الفكرة أحياناً تجلب لها الخوف. الرجال يستحوذون تماماً على المرأة.. يمقتون المرأة ذات التفكير المستقل أو تلك الطموحة الحالمة ..

الرجل يبحث عن امرأة تعتني به فقط.. وتنسى أحلامها لأجله .. وتهتم بإنجازاته هو ولا تفكر مطلقاً بالخروج من دائرته المقدسة .

الفكرة كانت تؤرقها.. ولكنها تؤجل دائماً الارتباط حتى تصبح أكثر استقلالاً وقوة.. ولا يستطيع أي رجل مهما كان أن يرغمها على التخلي عن إنجازاتها والآن .. لم يعد هناك ما يؤرق.. الفكرة المخيفة أصبحت مرفوضة تماماً. لديها مال وفير... ومركز اجتماعي مرموق ومنـزل فخم .

ولديها كذلك سائق وخادمة . لديها كل ما تحتاج إليه .. ما حاجتها لوجود رجل في حياتها ..

ماذا سيمنحها الرجل الآن ...؟!

تشعر أحياناً بشيء من الندم وللحظات فقط ..

تتمنى أحياناً لو تزوجت وأنجبت طفلاً يناديها بحب قائلاً : ماما ...

ولكن ما جدوى التمنيات؟ ما جدوى الندم؟ ألم تحلم يوماً بالقوة والاستقلال والتميز...؟

ألم تنبذ فكرة الارتباط برجل .. أي رجل كان .. هل نسيت سخريتها من صديقاتها اللائي هجرن الدراسة إلى بيوت الزوجية وأنجبن دزينة أطفال ..؟

جحيم الحياة .. ومعاركها الضارية .. وصراعاتها الحادة خير من جنة يحرسها رجل .. أي رجل كان فهي ستتمتَع بالنعيم طالما كان راضياً عنها وعندما يغضب .. فسوف يطردها بكل قسوة .. لتواجه حياة فارغة وقاتلة .

ألم تؤمن بهذه الأفكار يوماً .. وتعلنها على الملأ ..؟

ـ 5 ـ

أنت .. ! يا للمفاجأة !

لم تصدق عينيها وهي تمعن النظر إليه .. من خلف نظارتها الغامقة .

هو .. بدأ مندهشاً ومحرجاً وهو يقف أمامها لم يفتح فمه بكلمة واحدة ..

مرحباً بابن خالتي العزيز... هكذا حيته في صوت واثق وساخر ...

ترى ؟

ما الذي جاء بك إلى هنا ؟

ابنتي مريضة .. ارتفعت حرارتها منذ أيام .

يؤسفني ذلك.. وأتمنى أن تكون بخير خلال أيام ..

إنه لا يختلف كثيراً عن ذي قبل ... ربما بدا أشد سمرة وأسمن قليلاً... ولكنه مثل ما كان .

الذقن الكثيفة غيرت ملامحه قليلاً .. وما سوى ذلك لم يتغير ..

يا للصدف العجيبة ... أراه بعد كل هذه السنوات .

أنت تعملين هنا ... ألقى بسؤاله في لا مبالاة ..

أجل .. منذ خمس سنوات .

ألم تكن تعلم بذلك ؟

وما أدراني...؟ قالها وهو يهز منكبيه وينظر في ساعته ... ثم أردف قائلاً: لقد سكنت هنا منذ سنة تقريباً .

لا بأس ... وماذا تعمل ؟

أعمل في شركة خاصة .

جيد .... وهل أعجبتك الرياض ... فأنا أعلم أنك تحب المدن المعتدلة أو الباردة .

أجل فأنا هنا أعاني من الحر لكن عملي مربح ..

حسناً ... هل تتفضل إذا جئت هنا يوماً بزيارتي .

نظر إليها ملياً ... ثم خفض بصره إلى الأرض وضحك بشيء من الحرج.

هل تستقبلين الرجال الغرباء في مكتبك يا دكتورة مريم ؟

سألها بتهكم وكبرياء .

صمتت برهة من الوقت ... لم يستفزها السؤال أبداً بل ردت بنبرة واثقة ومتحدية قائلة : أنا طبيبة نساء ... ألا تعلم ذلك ....؟

وعلاقتي بالرجال محدودة ....

ذلك أفضل يا بنت خالتي ....!

لماذا يا عزيزي... هل أنتم أيها الر

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007