[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الأسير  
التاريخ:  القراءات:(3477) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
الأسير

بقلم : سمير الفيل

هناك مكان يحلو له الوقوف فيه . ترتاح نفسه لرؤية الأسماك وهي تحرك زعانفها ، وتشق الماء لتختبئ وراء الطحالب الخضراء الناعمة في استوائها الأملس ، ورجرجتها المروحية . إن الطنين الذي يدوي في أذنيه يدفعه دفعا للإمساك برأسه ، وهزها مرات ومرات حتى تسكن الدمدمات الملعونة .

نداوة الصباح ، والشمس إذ تترى هادئة تثب من جهة الشرق وثبات محسوبة ، أما العصافير فتقف على الأغصان المتدلية في النهر الساكن غير دومات قليلة قادمة من الجنوب .

كان بطل الكتيبة في الرماية ، وحصل على عدة ميداليات على مستوى اللواء ، كما حصد المركز الأول في مسابقة الجيش الثاني الميداني ، بعدها ألحق بسرية المدفعية المضادة للدبابات باعتباره المصوب الأبرز في الكتيبة المقاتلة .

حين نشبت الحرب ، وضعته الأقدار في محنة الأسر . لم يكن مهيئا لدخول المعسكر المسور بالأسلاك الشائكة والكشافات الدوارة ليلا ، خلع الأفرول الميري ولبس زيا أشبه بالهلاهيل . وجد نفسه مع أفراد من كتيبته وجنود آخرين نالهم ما ناله من فقدان الحرية. فكان يقطع الملل بالاستماع لغناء صاحبه " نوفل " فرد المشاة لمواويل حمراء ، بديعة ، غارقة في الشجن .

..............................................

أن تصوب نحوك طلقات الفيكرز وأنت في حفرة فهذا معناه أن الموت على بعد بوصات منك. لذلك فضلت أن تغطس في الحفرة البرميلية حتى يأتيك الموت فلا يتعب رفاقك في دفنك. لكنك وقعت في أيديهم ، ووضعت خلف الأسوار العالية ، نبحت في وجهك كلاب الحراسة . وزعت عليك بطانية متهالكة ، وأرونة طعام صغيرة من الصاج ، وسجلت برقم غير الذي علق في صدرك قبل بدء العمليات الحربية.

حين تمردت مع زملائك على لوائح السجن أخرجوك ، ووقفت في صف طويل أمام تبة لضرب النار. مارسوا لعبة سخيفة قاتلة ، وهي وجود ثلاث رصاصات فقط في البنادق المصوبة بإحكام نحو مجموعة مختارة من الأسرى ، بقية البنادق فيها رصاص " فشنك" .

في لحظات قليلة سقط ثلاثة جنود ، لست منهم. لم تكن شجاعا بما فيه الكفاية فصرخت ويداك مرتجفتان : أوقفوا الرمي .لا تفعلوا ما حرم الله يا قتلة .

مر القائد المتغطرس بالطابور وعلى كتفيه رتبة عقيد . توقف أمامك بلؤم ، فأنت بالذات من نطقت تلك العبارة . تفرس في وجهك بكراهية . استدعاك لمكتبه. قدم لك سيجارة " هوليود" كنت تحبها . صفقة حاول تمريرها ، وأنت أخذت بما قال ، حتى ارتعبت قسماتك . طلب كوبا من الليمون المثلج . مد يده وطلب منك أن تشربه . هل كان يحوي سما قاتلا؟

ما حاجتهم إلى سم ، والرصاصة أسهل وأسرع وليست لها ثمن . شربت الكوب فيما المرارة تملأ فمك. لكنك لم تشكره . لم تحاول النظر إليه .

أنت الرقيب أول مصطفى بركات حلمي . ، الرتبة رقيب ، رقمك العسكري هو 6234768 ، فصيلة دمك A، تسليحك: رشاش خفيف كسلاح فردي ، مهمتك : مصوب على المدفع م/د.

هل هذه معلومات كافية عنك؟

هي نفس المعلومات المنقوشة بالعربية على قطعة الصاج المربعة ، والمتدلية من عنقك. أما قطعة الصاج الأحدث التي نقشت بالعبرية فأنت تمقتها ، وتشعر أنها تسبيك كل ثانية .

ـ ستساعدنا في نوبة الغد في التسلية الوحيدة المعترف بها هنا.

ـ لا أفهم؟

ـ لعبة الحظ .

ـ ماهي ؟

ـ ستعطى لك بندقية ، تشارك بها مع فريق الرماة .

ـ ولماذا أنا؟

ـ عرفنا أنك مصوب ماهر .

ـ هذا ليس مبررا لاختياري ؟

ـ أنت الوحيد الذي ثار على ما نفعل.

ـ وماذا في ذلك . رأيت زملائي يسقطون قتلى ، فصرخت حزنا والتياعا .

ـ جزاؤك أن تشاركنا متعة اللعب.

ـ وإن رفضت ؟

ـ ستكون واحدا ممن سيطلق عليهم النار في الغد . ستكون ضحية بدلا من قناص ؟!

تركوك تعود إلى عنبر الأسر ، التف حولك الزملاء ، سألوك عن سبب استدعائك . لم يكن بمقدورك أن تخبرهم بالصفقة. كنت تريد الانفراد بنفسك كي تواجه ضعفك ، وتقرر الرفض أو القبول .

في اليوم التالي أدخلوك المكتب عنوة للمرة الثانية . قابلك العقيد بنصف ابتسامة ساخرة. يده امتدت بسيجارة كنت تحتاج إليها. سألك وهو يصوب نظراته في عينيك: هل اقتنعت؟

أطفأت بقية السيجارة في منفضة عبارة عن محارة بحر بلون الفضة . قلت بحدة : لست لعبة في أيديكم؟!

كاد يصفعك. أنت رأيت عينين تقدحان الشرر . خلع حذاءه وطلب منك سرعة مسحه بالورنيش . كانت إهانة لم تستطع تمريرها. بصقت على وجه العقيد المتعجرف ، بسرعة البرق وجدت ثلاثة جنود بيدهم البنادق الآلية في وضع الاستعداد لإطلاق النار عليك.

قال العقيد ، وهو يمسح بظهر يده البصقة : أتركوه.

تقدم منك خطوتين وصفعك بيده الموشومة برسم رأس أسد ذي لون ذهبي : ستدفع الثمن غاليا.

جاء عسكري بدلو مليء بماء شديد البرودة ، غطّسوا رأسك فيه مرات ومرات حتى كدت تختنق. في نهاية الأمر قررت أن تقبل بالمهمة القذرة.

....................................................

إنه يقف الآن وبيده بندقية من آسريه . عليه فور سماع الصفارة أن يطلق النار على فرد يواجهه مباشرة في صف الجنود المصريين . هو يعتقد أن بندقيته محشوة بالرصاص . هذا شيء مؤكد. وإلا لماذا ورطوه في اللعبة؟

قبل الاستعداد فكر أن يستدير ويصوب الفوهة ناحية القائد ، لكن هذا الأمر فيه موته المحتوم. ليس بالشجاعة التي تصورها في نفسه . قيل له : لو امتنعت عن الضرب فسوف تلقى حتفك حتما برصاصة الملازم الذي يقف خلفك ويتولى مراقبتك.

على هذا فإن عقله قد التاث قليلا ، ويده تمتد وتمسك بالبندقة فيلصقها بتجويف الصدرحتى تصبح قطعة من جسده . عليه أن يطلق الرصاصة في صدر الجندي المواجه له بالضبط ضمن الطابور البائس .

ثلاث رصاصات فقط ستنطلق حاملة الموت ، أما بقية البنادق فستطلق رصاصات كاذبة ، ليس لها غير الصوت والدخان.

كان زميله الجندي الذي شاركه الخدمة على المدفع م/د يقف أمامه ، ينظر نحوه باستعطاف. وكانت أسنانه الأمامية كرامٍ ماهر تصطك بصوت مسموع.

حين دوت الصفارة في محيط المعسكر تمهل لحظة ، يريد أن يهرب من لحظة المواجهة ، ثم هصر الزناد فجأة ، لحظة جمعت هدوء الثكنة وضجيج الكون . رأى جسد صديقه نوفل عبدالحق يهوي. رمى البندقية وأسرع نحوه يحتضنه ويبكي كي يسامحه.

ظلت النظرة المستعطفة تذبل حتى ارتجف ارتجافته الأخيرة ، والدم ينبثق من فتحة الصدر.

ـ سامحني يا صاحبي . لم أكن قاتلك؟!

سحبوا بقية الصف الذي نجا ، وتركوا الجثث الثلاث في الميدان لبعض الوقت. تخشبت يداه وهو يحتضن الزميل الذي سكن سكونا تاما.

ـ أنا الذي قتلتك.

هذا ما قاله للجسد المسجى بين يديه قبل أن يأتي الدوي الهائل فيملأ أذنيه. أصيب بصمم مروع ، فلم يعد يسمع شيئا .

حين عاد للعنبر توقع أن يفتك به الزملاء ، لكنهم حين رأوه يسقط مغشيا عليه ، حملوه بعناية ، ومددوه على سريره المتهالك .

لم يكن بإمكانه أن يسمعهم وهم يحدثونه كي يسروا عنه. كانت أعينهم تقول بعتاب خفي : كل أسير من الممكن أن يمر بهذه التجربة.

لم يكن مقتنعا ببراءته . كانت نظرته تتسع لتستوعب كل أحزان العالم . عليه أن يهاجر من قريته الوادعة في شمال الدلتا تاركا أسرته التي تعمل في الحقل ، حين يعود من قبضة الأسر ليحيا في صحراء كالتي يعيش فيها الآن مع العقارب والثعابين .

سينسى خطيبته "أحلام" ، لن يشتري لها عقد الخرز بحباته الفيروزية اللون ، ولا المنديل ذي الشراشيب البنفسجية ، ولا الجوارب المشجرة التي تصل حتى منتصف الركبة ، والتي لا يرى نهايتها أحد سواه .

حين جاءت لجنة الصليب الأحمر لمنطقة النقب حيث معسكر الأسرى ، تفاوضت مع قائد المعسكر على العدد المسموح له بالمغادرة كفوج أول ، تمنى أن يكون ترتيبه الأخير حتى لا يواجه ذاته المنهزمة، وحتى يمكنه أن يلملم شتات نفسه .

اتضح له أنه من الدفعة الأولى المفرج عنها ، هكذا تقول القوائم الممهورة بتوقيع قائد أعلى رتبة يجلس على مقعده الدوار في تل أبيب . لم يشعر بأي فرحة . صاحبه انكسار مؤلم وتمنى ألا يعود إليه سمعه.

فيما هو يجهز حاجياته نظر للسرير الشاغر الذي كان ينام عليه نوفل عبد الحق . اقترب منه ومسح الملاءة الكاكية اللون بيديه ثم مررهما على وجهه المربد ، ترقرق الدمع في عينيه ، وهو يلوح لزملاء العنبر الذين ينتظرون دورهم كي يفرج عنهم.

وشت نظراتهم بألم حاد وحزن مقيم ، كونهم يعرفون أنه قد أجبر على الفعلة الشنعاء التي قام بها.

سلموا عليه بفتور ، لم يعانقه أحد . كان دم العسكري نوفل معلقا برقبته.

هو يعلم أنه قد خرج من معسكر الأسرى ليقع في أسر من نوع آخر. لم يعد لديه شك في كون قلبه قد مات ، وأن ضميره الذي ما فتئ يؤنبه سوف يصب عليه اللعنات، ليل نهار.

على بوابة المعسكر وقعت عينه على تبة ضرب النار تبدو كسنام جمل هرم في صحراء جاهلية . حدد النقطة التي وقع فيها صديقه . ما لبث أن اندفع نحوها ليحتضن الشاخص الحديدي ، وليجهش بالبكاء .

تركه زملاؤه وصعدوا العربة العسكرية الإسرائيلية . تبعهم بقدمين ثقيلتين ، وهو ينظر حوله ، وقد رأى قرص الشمس يتتبع ظله فتوقف عن النحيب . صعد السلم الحديدي وجلس قرب الباب المغلق بترابيس حديدية من الخارج .

في وجهته نحو القرية التي ستظل تعايره بضعفه وقلة حيلته ومهارته في التصويب التي انقلبت وبالا على صاحبها، دوت الدمدمات حتى شعر أن قلبه سيتوقف رعبا .

إن الصوت قد يسكن لدقائق ثم يعاود الطنين في شكل رصاصات تظل تدوي وتدوي ، حتى تهمد روحه ، ويمتلئ قلبه بالخذلان.

28/4/2012

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007