[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
خفافيش الليل 
التاريخ:  القراءات:(5456) قراءة  التعليقات:(14) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : دكتور محمود عبد الناصر نصر  
-1-

دوَّى صوت المؤذن في أذنيها كالصاعقة. علا صوته داعياً من استمع إليه إلى صلاة الفجر. ودَّت الأذنان أن تلبيا فصكتهما صاحبتهما الراقدة في فراش يتغير ليلة بعد الأخرى. احتدم الصراع متخذاً من عقلها حلبته. اشتد التجاذب, و حمي وطيسه بين نداء يدعوها إلى الهروب من مستنقع الخطيئة الذي باتت تتمرغ في أوحاله و من فراش الرزيلة الذي أوت إليه, و نداء تسمعه يدوى في كواليس هواجسها و نزواتها و أهوائها الشيطانية داعياً إياها إلى استكمال ما قد بدأته.

-2-

كانت قد بيعت ضمن ما بيع في صفقة ربح فيها من ربح, و بقيت الخسارة لمن كُتبت من نصيبه. ربح الآمر الناهي, ربح التاجر, ربح البائع, ربح والدها. لقد ساوم عليها في صفقة عزَّ عليه أن يفقدها. سرَّه أن امتلأ جيبه بوريقات قصر عمرها أو طال, كثرت قيمتها أو قلت. باع, و لم يندم يوماً على فعلته. باع و نام راضى العين مرتاح البال. باع و قد أحسَّ بأن هماً قد انزاح من على صدره. باع و لم يفكر لثانية في عواقب صفقته. لقد باع فلذة كبده الكبرى. باعها غير آسف عليها. ربح المشترى كما ربح البائع. ربح ابن الخمسين تلك العذراء في مَعجَة شبابها و التي لم تبلغ العشرين بعد. بتول لم تكتب لها أقدارها الرعناء أن تستكمل دراستها. ربح السكير الأشوه فتاة لم يكن ليراها حتى في أحلامه, إلا أن نصيبها قدَّمها إليه على طبق من ذهب. ربح الداعر الماجن صبية غِرة لا تعلم عن دنياها سوى ذلك الجبار الباطش الكاتم على أنفاسها ليل نهار. ربح هذا و ربح ذاك, و بقى البوار لصاحبته.

-3-

ظنت للحظات أنها قد أفلتت من بين جدران الزنزانة التي ظلت ترزح تحت أغلالها سنوات و سنوات. خيَّل إليها عقلها أن عهد العبودية و الاستعباد قد ولَّى إلى غير رجعة. حسبت أنها في الغد أو بعد الغد ستتنسم عبق الحرية و تعيش الحياة كما تعيشها مثيلاتها. اعتقدت أن قدرها يتزين لها علَّه يعوضها عما فقدته خلال سني العزلة و الوحدة و الخضوع و الذل و الحرمان. تهيأت, فكثرت تهيؤاتها, و ظنت فتعددت ظنونها, و تمنت فازدهرت أمنياتها و ترعرعت آمالها. فأتت أقدارها بما لم تكن تتهيؤه أو تظنه أو تتمناه. وجدت البائسة الحالمة نفسها مزملة في أحضان ذئب لئيم. وجدت نفسها مدثرة تحت عباءة نجس أثيم. اشتمت رائحته من أول وهلة, و لكنها ظلت تمنى نفسها بأن تقيم المعوج و تعدل المائل, فإذا بالمعوج يزداد اعوجاجاً, و المائل يكاد أن ينهار عليها فيسلبها حياتها. يوم يردف الآخر, و بين ليلة و أخرى يتكشف لحديثة العهد بتلك الحياة الجديدة عليها أن دورها قد أوشك على الانتهاء. فيكفيها تلك الليالي المعدودة التي قضتها, و لتعد نفسها لما هو قادم. أدركت المسكينة أنها لا تعدو أن تكون مجرد صفحة بين صفحات لا تُعد و لا تُحصى. ما أن تعيش الصفحة يومها أو أيامها حتى يُسدل الستار عليها, و تُقلب صفحة جديدة غضة تلاءم مزاج صاحبها, و تلبى أهواءه. لقد بلغ النجس مراده الدنس. و ها هو يلقى بها كمنديل و رقي استعمله, فإذا لم يعد بحاجة إليه ألقى به في سلة المهملات. فلتعد نفسها لمثل هذه السلة.

-4-

ما أطول ليلكِ و ما أسوده أيتها الساهدة في فراشكِ, و قد أوشك الصبح أن يطلع! ما أعجب قدركِ أيتها البائسة! لم يكد يمر شهر عسلكِ الذي لم تجدي فيه من العسل سوى مرارة و ملحاً فاق الأجاج. ما أقسى حكم الزمان عليكِ أن تعودي إلى ذلك الرقاد بمفردك مرة أخرى, و لكن مع الفارق! أين ذهب من دفع من أجلكِ القليل و الكثير؟ لقد ذهب باحثاً عن وردة غضة ناضرة ليمتص رحيقها كما امتص رحيقكِ من قبل. ليس لكِ من الأمر شيء. سواء جزعتِ أم صبرتِ ما لك من محيص. تساوى اللاهوت بالناسوت. اختلط عليك الحابل بالنابل, فصار الكل في هياط و مياط على السواء. ليال لا تكاد تتمايز. أيام لا ترى بينها كبير فارق. شهور تكر و السنون تكاد تتبعها, و لم يبق للمُعَلَقة سوى الوحدة القاتلة و الوهم و الهاجس و الوسواس, و فوق هذا و ذاك حاجة و فاقة و عوز و إملاق. باعت كل ما امتلكته يمينها لتجد ما تقتات به. نسيها اللعين كأنها صارت نسياً منسيا. تنكر لها جلادها السابق كأنها ليست من لحمه و دمه. لم تعد تعرف تصنيفاً تصنف به نفسها. أمتزوجة هي, أم مطلقة, أم بين هذه و تلك؟ استغلقت كل الأبواب في وجهها, و لم يبق سوى باب واحد. كاد الفكر أن يجنها. أوشك السهاد أن يعصف بما تبقى من عقلها. رتعت الهواجس في جمجمتها. صالت النزوات و جالت في غيبوبة من ضميرها. و أخيراً رضخت لما أرَّقها. خضعت لما اكتظ به عقلها من بلابل. استكانت في لحظة ضعف, و طرقت الباب الذي لم يعد لها سواه. باب كان شرط ولوجها إياه أن تخلع ثياب الفضيلة و العفة التي ظلت تحافظ عليها. باب مكتوب عليه "اخلع ضميرك قبل أن تدخل". باب لم يكن لها أن تدخل منه إلا عندما وجدت أن من أوصلها إليه قد سبقها و دخل منه مرات و مرات, و ما زال يدخل, فلم لا تصنع صنيعه؟ باب ما أن اجتازته مرة حتى صار الأمر هيناً عليها. فلتجتازه كلما احتاجت إليه. باب دفعت ثمن مرورها من خلاله شرفها لا غير. باب أطلعها على عالم لم يكن ليطرأ على بالها أن تطأه قدمها في يوم من الأيام. عالم صار التخفي تحت ظلام الليل هو السبيل إليه. عالم يتغير فيه الفراش و من فيه ليلة تلو الأخرى.

-5-

ما زال الأذان يعلو, و لم يكد جسدها يدفئ فراش أحدهم. ما زال الخيط يشتد بين نداء و نداء. صكَّت أذنيها عن النداء الأول, و لبَّت في التو النداء الثاني.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007