[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حب يستغيث 
التاريخ:  القراءات:(4978) قراءة  التعليقات:(20) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : دكتور محمود عبد الناصر نصر  
-1-

دوت دقات الساعة في أذنيها معلنة الثالثة صباحاً. لم يكن الوسن ليغازل عينيها في ليلتها تلك. لقد قضت ما انقضى منها في ترقب و انتظار, جالسة في فراشها مغَّيبة عن عالمها, عائشة في عالم لا تدرى إذا ما كان قد فُرض عليها أم فرضته على نفسها. تصاحبت دقات الساعة مع دقات هاتفها. دقات ظلت تترقبها طيلة ما مضى من ليلتها. ما أن رأت اسمه على شاشة الهاتف حتى تغير حالها أكثر مما كان عليه. اتسعت مقلتاها حتى كادتا أن تخترقا محجريهما و تطيرا هرباً و خفية. اضطربت أنفاسها و تسارعت, كما لو كانت خارجة لتوها من سباق عدت فيه عدو فرس مرهاة. تصبب العرق من جبينها. تتابعت ضربات قلبها و ارتفع صوتها حتى كادت تمزق صدرها. بدت رعدة على أطرافها, سرعان ما سرت إلى جميع أوصالها. أُلجم فكرها بلجام لا يكاد يجد خلاصاً منه. عليها اتخاذ قرارها النهائي في تلك اللحظة. قرار سيحدد مصيرها فيما تبقى لها من سني عمرها.

-2-

أربع سنوات مضت على بداية علاقتها به. علاقة بدأت بمعرفة بريئة لم تكن لتتصور أنها ستصل إلى هذا الحد في يوم من الأيام. كان أول لقاء بينهما خلال السنة الأولى بالجامعة, لقاء لم يتعد الثلاث دقائق, كان يستفسر خلالها عن مواعيد المحاضرات. انتهى اللقاء بنظرة, و كفي بها نظرة. لم تكن الفتاة الغِرة حديثة العهد بالتعامل مع أحد أفراد الجنس الآخر لتدرى أن نظرته تلك كانت عربون حب قادم لن تستطيع منه فكاكاً, و لن يكون بمقدورها صده أو إغلاق الباب في وجهه. لم تكن لتدرى أن الهدف من اللقاء لم يكن مجرد الاستعلام عن مواعيد المحاضرات, و إنما مثل هذا الاستعلام كان مجرد ستار حجب خلفه أغراضاً ودَّ التأكد منها, و يا له من حاذق! لقد تمكن من تحقيق إربته في دقائق معدودة.

-3-

لم تكن النائمة في وداعة و هدوء لتتصور أن هناك من بات يتقلب في فراشه أرقاً و سهاداً و شوقاً و لوعة بسببها. لم تكن البتول لتتخيل أنه بعد أيام معدودة ستنتقل حمى ذلك الفيروس إليها عقب اللقاء الثاني بينهما, و الذي لم يتجاوز الثلاث دقائق تلك المرة أيضا, و الذي كان تحت ذريعة استكمال المحاضرة التي لم يحضر سوى نصفها الأخير. باتت العذراء تمتاح من نفس الكأس الذي عبَّ منه صاحبها حتى الثمالة. باتت لأول ليلة في حياتها و قد شرد فكرها إلى أمور كانت تعدها من المحرمات, و تأبى أن تسمح لها بالمرور ببالها, فإذا بها تعيد النظر في كل ما كانت تراه صواباً. تحطمت المثاليات التي كانت تقيم لكل منها تمثالاً تبجله و تقدسه في محاريب عقلها. بدأت تفتح نوافذ عقلها لتهب رياح التغيير عليه فتقتلع كل ما هو بال و رث من معتقدات . تحرر العقل من ربقة الماضي الثقيل الذي كتم على أنفاس ذلك العقل الكسير طيلة سنوات. كان قلبها الغِر يستعد ليغط في نوم عميق اعتاد عليه كل ليلة, فإذا به يشعر بحراك يصول و يجول في جنبات عقلها. علم قلبها في الحال ما قد كان فأعلن هو الآخر ثورته و تمرده على عهود العزلة و الوحدة. رفع القلب الغيدان عقيرته مخاطباً صاحبته "ألا يوجد في عالمنا ما يسمى حب؟ لقد سمعت من هن مثلك يتغنين به و يتباهين أمام الناس بجماله, فلم لا أراك تصنعين صنيعهن؟ إني أرى قلوباً غيري قد توَّجها العشق و أعمرها الغرام, و كتب لها القدر أن تجد من تستأنس به, و تأوي إليه, و تستدفئ في أحضانه, و تفشى إليه أسرارها, و تقسم له أيماناً بأن يظل كم منهم للآخر, فأين أنا وسط كل هذا؟ ألست بقلب؟" كثرت الأسئلة و تتابعت, و انعدمت الإجابات ممن لم تجد أفضل من الصمت إجابة. طال الصمت و كثر الإلحاح, فقررت الخضوع لمطالب الطالبين. قررت فتح الباب للهوى ليعصف بها و يحولها من آلة صماء تنفذ ما يملى عليها إلى عاشقة والهة متبتلة. عاشقة حملت في رأسها عقلاً وامقاً مستهاماً, و في صدرها قلباً صبوباً عانياً كم قاسى من أوار الحب. انهارت التماثيل, و ارتفعت هامة الحب معلنة الانتصار.

-4-

سنة تردف الأخرى, و الحب الجنين يصطرع في قلب العاشقة في صمت. شهور معدودة و تنتهي السنة الأخيرة من دراستها بالكلية, و في كل لقاء يحاول العاشق إقناع معشوقته باتخاذ خطوة إيجابية حيال ما قد نمى و ترعرع بينهما. خطوة لا بد منها ليعلم والدها بحقيقة أمرهما, فالأيام تكر و الليالي تفر, و بين ليلة و ضحاها لن يجدا فرصة للقاء ثانية خارج أسوار الجامعة. وعدته مرات و مرات بأن تفاتح والدها في ذلك الموضوع, و هي على يقين من استحالة إقدامها على فعل كهذا. إنها على يقين تام من طبيعة من ستتحدث معه. إنه الآمر الناهي في كل صغيرة و كبيرة, فلا يعزب عنه مثقال ذرة فيما يدور في بيته, فكيف غاب عنه ما دار بينها و بين عاشقها؟ إنها تشك في ذلك.

-5-

لم يكن ليطرأ في ذهن تلك العاشقة الهائمة أن يأتي اليوم الذي يجلس فيه والدها معها على انفراد جلسة هي الأولى من نوعها طيلة حياتها. جلسة اعتقدت أن السماء قد هيأتها لها لتفاتحه في موضوعها, فإذا بها مهيأة لما لا تشتهيه نفسها. لقد جالسها ليفاتحها في موضوع قلَب كيانها رأساً على عقب. إن ابن عمها تقدم لطلب يدها من والدها, و قد وافق والدها حتى بدون مشاورتها. و ما جلسته تلك معها إلا لتحديد موعد عقب انتهاء امتحاناتها لعقد القران. يا إلهي, ابن عمها! إنه من طراز والدها, بل إنه صورة مصغرة منه. نمط من أنماط العصور السالفة. لا يدرى عن دنياه سوى ما كان معدوداً و محسوباً و فيه ربح و لا تشوبه خسارة. شخص أخذ لقب الإنسانية على حين غفلة من أهلها. شخص لا تشعر عند مقابلته أو مصافحته سوى بشعور مقزز يكاد يجعلها تشعر بالغثيان, فكيف بها إذا صار زوجاً لها؟ إنه لمن رابع المستحيلات, و لكن أنَّى لها من سبيل؟ صدر القرار و لا رجعة فيه. تحدد الموعد و لا تغيير فيه. فعبري أيتها البائسة عن اعتراضك و رفضك, و انظري من سيلتفت إليك.

-6-

جاء لقاء كان من المفترض أن يكون الأخير من نوعه داخل حرم الجامعة. لقاء عقب آخر لجنة اختبار في نهاية آخر عام لهما في الكلية. لم تكن الثلاث دقائق لتكفي هذه المرة, بل طال اللقاء و امتد حتى قارب الساعة. لقاء انتظرته طيلة أيام امتحاناتها حتى تفرغ قلبها مما تئق به. فتحت أبواب قلبها على مصراعيها مفشية كل أسرارها المكبوتة منذ تلك الجلسة المشئومة مع والدها. وضعت العاشقة التالهة قلبها و عقلها و كل كيانها بين يدي آسر قلبها و أميرها و سلطانها ليتصرف كيف يشاء. صمت الفارس برهة ليقلب الأمر على جميع الوجوه. تلفت يميناً و يساراً , فإذا بالأمن يسود من حولهم, فهمس في أذنيها ببضع كلمات, ما أن سمعتها حتى تسمرت في مقعدها لثوان, و بدت الحياة كما لو كانت قد سُلبت منها, إلا أنها سرعان ما عادت مظاهرها تدب في أصقاع جسدها بعد ثوان. لقد اتفقا معاً على تنفيذ مخططهما مهما كلفهما ذلك, و قد وافقت العاشقة الهائمة حتى و إن كان ذلك على حساب ما سيقال عنها و يمس كرامتها و شرفها. تحدد الموعد في الثالثة صباحاً للتحرر من أسر هذا السجَّان الذي لا يرحم, و للتخلص من عريس الغفلة الذي ساقته إليها أقدارها الرعناء من حيث لا تدرى. ستكون الثالثة صباحاً بداية عهد للقلب العميد لكي يخرج من قوقعته لملاقاة حبيبه, و للعقل التاله كي يستريح من فكره و بلباله, و للجسد المكتوي بنار الشوق و الحرمان كي يستريح و يطفئ أوار صداه و يجد من يخرجه من عزلته و يسلى وحدته و يؤنسه في لياليه الطوال. ستكون الثالثة صباحاً ثغرة يهرب منها الحب المستكين مستغيثاً متلهفاً آملاً في عالم يطل فيه برأسه رافعاً جبهته معلناً الانتصار ناعياً عهد الذل و الاستكانة و التخفي و التستر و الانتظار.

-7-

هبت البتول من فراشها ممسكة هاتفها الذي ما زال يدق. ألقت بنظرة من النافذة فإذا بسيارته أسفل المنزل, و قد خلى الشارع من أي أثر لإنس أو لجان. أرهفت مسامعها, فإذا بالبيت يغط في سكون الأموات. خرجت من غرفتها موَّدعة إياها وداعاً أبدياً. ألقت نظرة سريعة على غرفة سجَّانها, فإذا بها محكمة الإغلاق عليه. فتحت الباب الخارجي و خرجت مغلقة إياه مولية ظهرها نحوه و ذاهبة إلى غير رجعة.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007