[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مؤامرة الصمت 
التاريخ:  القراءات:(5115) قراءة  التعليقات:(15) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : دكتور محمود عبد الناصر نصر  
-1-

" أنقذوها, أنقذوها. إن دمها يسيل. لا, لا تقتلني. أريد أن أعيش. لا ...". أيقظتها صرختها من نومها, من تحت براثن كوابيسها. أيقظتها لتخرجها من جحيم اللاشعور إلى سقر شعورها. سعير سرمدي تكتوي بين ظلماته و في غياباته. استوت في ذلك يقظتها مع منامها, فلم تعد تدرى أحقيقة ما تراه أم أوهام. و إن كان لسانها يجد في كوابيسها متسعاً لإعلاء صرخته, فإنها بمجرد استيقاظها يُلجم لسانها بلجام من صلب لا يسمح له بأداء وظيفته. لجام طُوقت به منذ أن رأت ما رأت و سمعت ما سمعت.

-2-

في ليلة من ليالي الشتاء التي استعرض البرد فيها قسوته فنجح في إخلاء الشوارع من كل كبير و صغير, تواطأ المطر مع البرد في إسكان كل ذي سكن في مسكنه. لم يرد البرق و الرعد أن يتركا الساحة للبرد و المطر, فبدءا يلعبان لعبتهما. لعب يلقى الرعب في قلوب الشجعان من بني البشر, فما بالك بذوي القلوب البريئة الضعيفة؟ ليلة ليلاء قاربت الساعة فيها الحادية عشرة, و ها هي شجن ابنة الثامنة عشرة, الطالبة بالمرحلة الثانوية تجلس في المقعد الخلفي لسيارة التاكسي قادمة من درس خصوصي لم تجد له موعداً سوى هذا الموعد المتأخر. أوقفت شجن التاكسي أمام باب العمارة, و ما أن وطأت قدمها الأرض حتى حيتها الأمطار تحية غالية, و برق لها البرق, فرأت خيالها على الحائط تحسبه شبحاً يتربص بها, ثم أسمعها الرعد هزيماً ارتعد له قلبها الصغير. جرت شجن تحتمي بمدخل العمارة من غضب الطبيعة عسى ألا تكون مستهدفة من قِبل هذا الغضب. أخرجت منديلها لتمسح عن وجهها قطرات المطر, و بدأت تصعد درجات السلم الذي اعتادت على إضاءته الباهتة, حيث أنه ليس هناك سوى مصباح يتيم في أعلى السلم يحاول نشر ضوءه على كل الأدوار الخمسة. أمامها ثمانون درجة للوصول إلى شقتها في الدور الأخير. لحظات و اخترق مسامعها صوت استغاثة سرعان ما كُتم في الحال. أعوذ بالله, ما هذا؟ إنه صوت أنثى تستغيث على بعد عدة درجات منها. تسمرت شجن على ثاني درجة من درجات السلم. انتفض قلبها, و علت دقاته حتى كاد يحطم صدرها. تتابعت أنفاسها و اتسعت عيناها. شعرت برجفة تجتاح جميع أعضاءها. هداها تفكيرها إلى الاتصال بوالدها لينزل إليها. أخرجت هاتفها من حقيبتها, و لكنها لم تجد به رصيداً يمَّكنها من إجراء المكالمة. نزلت شجن الدرجتين و توارت خلف درابزين السلم حتى تستوضح ما يحدث أعلاه.

-3-

في الدور الثاني, و أمام باب شقة طال تركها من قِبل أصحابها, شاء القدر أن تشهد هذه الليلة تلك الجريمة الشنعاء. ذئب من ذئاب البشر يسوق أمامه فتاة لم تبلغ العشرين محاولاً كتم سر أو القضاء عليه بدفنه داخل من تحمله, و السر عند خالقه, فهو به أعلم. اقتادها ممسكاً برأسها بين يديه النجستين, محكماً كفه على فمها حتى لا تستطيع أن تنبس ببنت شفة. في واحدة من محاولتها للتخلص من قبضته تحرر فمها قليلاً فكانت الصرخة التي دوَّت في مسامع شجن. ما أن نطقت بها حتى جُن جنونه خشية أن تكون تلك الصرخة سبباً في فضح أمره و كشف سره, فحاول الإسراع في تنفيذ مخططه الدنيء. شدد مسكته على فمها فتراجعت قدماها خطوات إلى الخلف لتتعثر في درجة السلم فتهوى ساقطة على ظهرها, و لكن يده لم تفارق فمها. عيناها تنظران إليه في رعب و استعطاف في آن. تحاولان لو استطاعتا الحديث أن تطلبا منه الرحمة, و لكن يبدو أن قلبه لم يكن على علم بما يسمى الرحمة. يبدو أن نيته اكتست سواداً من سواد قلبه, فصار الكل سواداً في سواد. كادت روحها أن تخرج بسبب كفه الذي كتم على فمها و طال مخارج أنفاسها فجثم عليها. ازرقَّ وجهها و جحظت عيناها. ظلت تضرب برجليها يميناً و يساراً محاولة بيديها دفع هذا الوحش الكاسر, و لكن أنَّى لقواها المنهارة أن تذوده عنها؟ وضع ابن إبليس يده اليمنى في جيبه محكماً اليسرى على فمها مخرجاً مطواة ما أن ضغط على زر فيها حتى ظهر نصلها لامعاً في الضوء الخافت. نظرت بطرف عينها فعلمت نهايتها. غاص النصل المسموم اللعين في لحم رقبتها الغض الذي غطاه العرق. تفجر الدم من الشرايين الممزقة و ارتفع كالنافورة فطال ثيابه العفنة. تلوت رأسها يميناً و يساراً. ضربت الأرض بقدميها. حاولت مد يدها إلى رقبتها فلم تسعفها قواها. تراخت يدها شيئاً فشيئاً حتى سقطت بجوارها. أعاد المارد المطواة إلى جيبه بعد أن مسحها في ملابسها . خلع جاكته و قَلَبه ليلبسه على الوجه الآخر ليدارى ما لطَّخه من دمها. لفَّ وجهه بكوفية فلم يظهر منه سوى عينان تسطعان كعيون بعلزبول, إن لم تكن هي, بل هي أدنس و أبشع. ترك الخسيس الجثة غارقة في دمائها على بسطة السلم, و هرع يعدو هارباً يتلفت تارة خلفه و تارة أمامه, و وقع أقدامه يترامى إلى مسامع شجن و قد هربت منها كل معالم الحياة في مخبأها و لا تعلم ماذا يدور حولها. أمسكت قلبها بيديها خشية أن يطير من بين ضلوعها. ثوان و جرى من أمامها ما يشبه الشبح, لا تدرى كيف تصفه. ما أن وطأت قدماه الشارع حتى اختفى كما لو كانت الأرض قد ابتلعته. انتظرت شجن بضع دقائق قبل أن تقرر الخروج من خلف الدرابزين و تواصل صعود السلم. تمتمت شفتاها مستعيذة بالله من شياطينه, ثم بسملت و كبَّرت, و صعدت قدماها و صعدت ليقع بصرها على جريمة في انتظارها. كان الدم قد سبق ليزف إليها الخبر. أنهار من الدم تسيل على درجات السلم كما لو كان المذبح قد طار من مكانه و انتقل إلى بسطة السلم. ها هي المغدور بها تغط في دماءها, و قد ازرقَّت أطرافها و جحظت عيناها.

-4-

أفاقت شجن لتجد نفسها في سرير بمستشفى. ما أن فتحت عينيها حتى وجدت والدها و والدتها بجوارها ينتظران مثل هذه الإفاقة. حدَّقت بعينيها كأنما تنظر إلى شيء. نعم, إنها تنظر إلى آخر شيء رأته. لا ترى في وجه والدها و والدتها سوى جثة غارقة في دماءها ملقاة على بسطة السلم. حاولت أن تصرخ أو تستغيث, فرأت الشبح الذي مرَّ بجوارها ممسكاً بمطواته مقَّرباً إياها من رقبتها, واضعاً يده على فمها حتى لا تنطق بكلمة. لم تجد سوى أن تقفز من سريرها هاربة, و لكنها أينما اتجهت وجدته في مواجهتها. تناثرت الجثث, و غرق المكان في الدماء, و تكاثرت الأشباح, و كل منهم يحمل مطواة يهددها بها. تجرى يميناً و يساراً فلا تجد ملاذاً. حاولت أن تلقى بنفسها من النافذة فمنعها والدها. حار الأطباء و احتارت حيلهم نحوها. لجأ والداها إلى السحر و الشعوذة عسى أن يجدا لها علاجاً. طالت مأساتها و طالت معها مآسي من حولها.

-5-

لهفي عليك يا مسكينة. فتاة في العشرين من عمرها لم يعد لها من دنياها سوى حجرتها المغلقة عليها ليل نهار. صار الصمت أنيسها و جليسها و سميرها الذي لا يفارقها. نظرات حادة و عيون تحدِّق في كل شيء و في لا شيء. يحسب الناظر إليها أنها تنظر إلى ما يسترعى الانتباه, فإذا بها تنظر إلى ما لا يراه أحد. كلام يصول و يجول في أعماقها, فإذا أراد الخروج عُقد اللسان, و امتنع عن الكلام. أيام تمضى في ذهول و شرود و فكر و دموع. جرت مآقي عينيها بلا هوادة كما لو كانت تغترف من معين لا ينضب. ليال تمضيها تتقلب في فراشها وسط جثث على دماء حارة. فإذا رحمها سلطان الكرى بثوان من الثبات طاردتها الأشباح و تكاثرت حولها الجثث فتحاول أن تصرخ "أنقذوها. إن دمها يسيل. لا تقتلني." فيتخلى عنها السلطان لتعود إلى عالم الشعور ثانية, فيكتم صرختها و تموت استغاثتها, و يكون الصمت خير الشاهدين.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007