[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الأستاذ مراد  
التاريخ:  القراءات:(3931) قراءة  التعليقات:(13) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
الأستاذ مراد

بقلم : سمير الفيل

جعل الكل يخاف منه رغم طيبة قلبه ، وانعزاله عن الأحداث في حارتنا القديمة. مررت بثلاثة أحداث وقعت بيني وبينه ، وهو في مكانه بالبدروم القديم الذي يختفي بدهليز سحري خلف طلعة السلم.

مراد الطويل ، واسمه على مسمى فهو طويل وأسمر وفي جميع حالاته يرتدي البدلة السوداء الكاملة مع إحكام رابطة العنق الزرقاء بنقاط صغيرة بيضاء تحولت مع الوقت إلى نقاط تجمع الرمادي بالبني . أما قامته ففارعة بحيث يخفض رأسه كلما نزل البدروم أو طلع منه. عن والده الحاج عوض ورث ثلاث عمارات يسكن في بدروم العمارة الكبرى التي تتوسط شارع البدري ، ويؤجر بقية الشقق ويحصل إيجاره مطلع كل شهر بإيصالات ممهورة منه ، وهو يخلع طربوشه ، ويضعه برفق على أقرب منضدة يجلس إليها.

أنا الولد الذي اصطفاني لشراء أكله ، وشربه ، وابتياع جرائده ، وتبغه ، لا لسبب إلا لأنني الوحيد الذي لا أسخر منه ، ولا أراه بخيلا بل هو أكثر كرما من رجال كثيرين يعيشون في بحبوحة من العيش .

الأستاذ مراد يرسلني كل يوم الظهيرة لشراء خمسة أرغفة ، وحزمة جرجير ، وبتعريفة طعمية ، أما الدخان من ماركة " سمسون أشرف " فهو يدخره لوقت الحاجة ، ويضعه في الرف العلوي أسفل الراديو العتيق.

كلما ضربت الجرس سارع إلى ارتداء طربوشه ، فلما يراني يبتسم ، ويعدل وضعه بإمالته ناحية اليمين ، يطلب مني الدخول وترك الباب مفتوحا ، كي يلتمس نسمة هواء ، وسرعان ما يحكي عن والده الحاج عوض وظلمه له حيث رفض إكماله التعليم لأن مصاريف الدراسة غالية ودكان القطن أحق به . أخرجه من المدرسة بعد حصوله على درجات عالية في امتحان التوجيهي ، وقد وسط الشيوخ والأساتذة كي يوافق على إلحاقه بكلية الهندسة فكان رده غريبا : ليه يتعب نفسه وعندي ثلاث عمارات ، سيرثها المغفل عني . هل هي مسألة تضييع فلوس وخلاص؟

الأستاذ مراد جعل الكل يخافه لأنه لا يشترك في أحاديث الدهماء ، ولا يصلي جماعة ، وليست لديه مشكلة في أن يدخل المقهى فيجلس دون إلقاء السلام ، وهو لا يشارك أحداً في أفراحه ولا في أتراحه : بلاش دوشة دماغ وانعدام عقل.

. هو يرى أن البشر منافقون ، متلونون ، مداهنون ، وأن الحديث إليهم فيه تضييع وقت وقلة قيمة.

هل اهتز قلب الأستاذ يوما ؟ لا أحد يعرف ؛ فصلته بالنساء مقطوعة ، ورغبته فيهن معدومة ، ولا أحد يعرف هل سبق له الزواج أم لا؟

الشباك الذي يقع على الشارع لا يطل منه إلا قليلا ، وبسبب طوله الفارع كان شباب الحي يلحون عليه عند مروره أن يمد يده فيحرك لهم الكرة التي تركن على أفاريز البيوت ذات الطابق الأرضي . حين تأتي سيرته ، يقول الناس : كفانا الشر .

يسمعها فينظر ناحيتهم ويزجرهم بنظرة نارية ، غاضبة ، لا تحمل شبهة عتاب ، لسانه على قلة نطقه كالفرقلة ، ولكنه لا يستخدمه إلا بحساب .

يعيش في عزلة عن العالم ، لا يخرج سوى مرتين في الأسبوع ، يمضي وقته في النصف الأول من يوم الجمعة جالسا في منتزه عام ، وبيده الجريدة الرسمية ، وبعض قطع النقود الفضية لشراء الترمس أو البليلة وربما عقد ياسمين يضعه في عروة بدلته. أما صباح الأحد فلا يوجد شخص يعرف أين يتوجه فيه ؟!

هل للأستاذ أكثر من بدلة ؟

هذا هو السؤال الذي حيرني ، وكدت أقع في شرك الأقوال المضللة بادعاء أن التي يرتديها هي بدلته الوحيدة التي لا يخلعها طوال العام، لكن حادثة الفأر غيرت قناعاتي وعرفت أن ليس كل ما يقال يُصدق.

فتح لي الباب مرة ، وتركه كعادته مفتوحا ، شممت في دخولي رائحة نبات شيح على النار ، ربما جاءت الرائحة النفاذة من جيران بالطوابق العليا ، وقفت أمامه كعادتي متصنعا الأدب ، أحنيت رأسي قليلا كي أستوعب قائمة طلباته : فول مدمس ، عيش ، حزمة جرجير ، ربع كيلو زيتون أخضر ، ربطة ليمون ، كيس ملح ناعم.

فيما هو يسرد بقية طلباته جرى فأر قافزا الدرجات القليلة باتجاه حجرة نومه، صرخت محذرا إياه. أسرع للمطبخ وعاد بعصا غليظة راح يحركها ، وهو يهدد بما سوف يفعله من ضربات باطشة . طلب مني إغلاق الباب لنتمكن من اصطياده ، بينما نطارده بين الحجرات الثلاثة وثب الفأر داخل الدولاب المفتوحة أضلافه.

ساعتها نظرت فإذا بي أشاهد أطقم بدل كاملة بكل لون وشكل. حتى أن الأزرار الصدفية برقت لحظة فانعكس شعاعها في عيني ، وبرز الفأر بعد خرفشة عظيمة ، ودق صاحب البيت بالعصا صانعا حركة لولبية عجيبة .

حين ظهر الفأر ، وأراد الخروج لم تكن هناك كوة كي يهرب منها. الأستاذ لم يرتبك. شدني من يدي وفتح الباب وقال لي : أدي له فرصة . جايز يخرج بالذوق ، مفيش داعي نموته .

أتعبنا الفأر في المروق من مكان إلى مكان ، كأنه أعمى لا يرى الباب المفتوح ، ورائحة الرطوبة تكاد تقتلني . خارت قواه ، وهو ممسك بالعصا يترجاه : هس . هس . هس .من فضلك من هنا.

قلت له إنني قد تأخرت عن الورشة ، فقال وهو يكاد يعتذر: صحيح. ذنبك أيه؟

ثم بعد تفكير عميق : بلاش تروح الورشة الوقت. خليك معايا.

ذهبت واشتريت ما طلبه وعدت بالباقي على دائر مليم، فعد النقود ودسها في جيب الصديري ، ولأول مرة يطلب مني أن أشاركه الطعام . جلست محرجا. فلم أتعود أن أتناول طعامي مع أحد ، ليس من أقاربي . قام بوضع الزيت والليمون على الفول ، كما زين أطراف الطبق بعيدان الجرجير ، مد يده بثمرتين من الطماطم واحدة له وواحدة لي . غير أن الكبيرة كانت أمامه . قال لي بمنتهى الجدية : ما تاكلش غير لما أرجع.

كنت جائعا فمددت يدي بقطعة خبز وغمست من طبق الفول ثم أخفيت النقرة التي صنعتها اللقمة . أدرت الصينية فأصبحت ثمرة الطماطم الكبرى ناحيتي بالضبط. لعبة قديمة كنت أفعلها مع أشقائي بالبيت. عاد بكوبين من الشاي ولمح ما حدث من تبديل فضحك طويلا ثم قرصني في كتفي . ويده تعيد ترتيب الأشياء : ألعب بس مش مع عمك مراد.

قلبه أبيض مثل الفل ، وضحكته تلعلع وهو يغني مع مطربة شعرها أكرت، اسمها أسمهان ، لم أكن سمعت بها من قبل فعرفني عليها فإذا صوتها كمنجة : دي بقى تخليك فوق قوي .

ظل يغني معها دون خطأ واحد. بعد أن انتهيت لمحنا في نفس اللحظة الفأر يفر هاربا من الباب المفتوح على اتساعه. سألني بمكر: تعرف الفار هرب ليه؟

قلت متذاكيا : يمكن وراه شغل في حتة تانية.

اتسعت ابتسامته: أبدا . الحكاية وما فيها مالقاش حاجة ياكلها.

قام هذه المرة بإغلاق الباب وسمح لي أن أحصل على نسخة واحدة من مجلة ورقها ملون اسمها " الإثنين" . قبل أن أنصرف نظر إلى دولاب البدل: ما حدش في الدنيا يعرف الدولاب ده فيه أيه غيرك.

هززت رأسي وأقسمت بيني وبين نفسي على المصحف الشريف ألا يعرف أحد بسر عم مراد أبدا أبدا.

عندما عدت متأخرا إلى الورشة كان المعلم زقزوق قد ركب دراجته وذهب للغذاء . كنت أريد أن أحكي لبقية الأولاد عن البدل الشركستين والتويد والقطيفة التي يمتلكها الأستاذ لكنني تذكرت قسمي بيني وبين نفسي ، وعرفت أن ربنا مطلع على القلوب ، فخرست . خرست تماما غير أنني خرجت لأضع المظلة الواقية على باب الورشة وهي من القماش المشجر: يا ما ناس مظاليم.

كنت أعتبر نفسي مظلوما غير أن الأستاذ مراد كان مظلوما أكثر مني ، وكنت أراه ينفر من الناس لأسباب لا أعرفها لكنه لم يحاول قتل الفأر ، وما من مرة رأيته يدس المبيد للصراصير والنمل الصاعد له من شقوق الشباك المطل على المنور. كان يحدثني مرة فأفهمني أن الله قد خلق كل شيء لحكمة لا نعلمها . ومن قتل نفسا بغير حق فمصيره جهنم.

كنت أعتقد كأغلب سكان الحارة أنه لا يصلي . لم يره أحد يركعها ، ولم يدخل مسجداً في حياته، وحدث أن كان يوم جمعة ، وقسم الأولاد الشلة إلى مجموعتين وبدأنا اللعب. إنه اليوم الوحيد الذي يخرج فيه الأستاذ ليتنزه ، هكذا عرفنا من طول مراقبته. لا أحد رآه يخرج ولا أحد رآه يدخل. لكننا نعرف مواعيده كما نعرف أنه كل أحد يختفي يوما كاملا دون أن نفهم السبب .

احتدم اللعب وكلنا مهرة في كرة القدم ، طاشت الكرة هنا وهناك. وفي إحدى هجمات فريقنا أطيح بالكرة . كان يومها شباك الحجرة مفتوحا للتهوية. فسقطت داخل الحجرة . رفض أي ولد أن يغامر بالدخول لإحضار الكرة. توقف اللعب حتى قال مسعد ابن تاجر البن : اللي هيقزح ويجيب الكورة له مني 3 صاغ.

نظر الجميع نحوي ، كانت نظراتهم تقول إنني أكثر المحتاجين لهذه القروش كما أنني أخف اللاعبين وزنا . لكنني كنت أعرف أن الأستاذ مراد لن يكون سعيدا إذا علم أنني اقتحمت بيته في غيابه.

كرر الولد مسعد كلامه ، وشخشخ النقود في يده ، فلم أشعر بنفسي إلا وقد قفزت متسلقا الجدار ثم بهدوء أسقطت نفسي من النافذة المفتوحة ، وجدت الكرة على السرير . في لحظات كانت بين يدي غير أنني لمحت الأستاذ مراد يصلي معطيا ظهره لحجرة النوم التي أنا بها .

لم يرني ورأيته. وجمت للحظات ، وحدقت في المنظر ، كان صوته الخافت الجميل يرتل القرآن ترتيلا . عدت بالكرة رميتها نحو الأولاد وأسرعت إلى البيت .

أبكي بمرارة لسبب لا أعرفه ، ربما لأنني لم أحافظ على ما بيننا من مواثيق غير مكتوبة . تصيح بي أمي : مين زعلك؟

لم أرد ، وحبست نفسي داخل حجرة نصف مظلمة لا يرى أحد ملامحي أو يكتشف دموعي طالما أنا بداخلها .

قضيت اليوم لا أحدث أحدا . قلت لنفسي : أفتن على الأستاذ مراد وأعرف الناس أنه يصلي من غير ما يقول لهم.

في ظهيرة السبت ناداني فتهربت منه حتى وجدته يأتي للورشة ، يمسك بأذني يدعكها : ما جيتش ليه؟

لم يكن في حديثه أي غضب أو احتداد فتأكدت أنه لم يعرف بحكاية الكرة ، خاصة أنه أمسك ببطنه بعد عودتي معه ، ولما سألته عن السبب ، قال لي : إمبارح ، جاني مغص وما قدرتش أخرج.

هذه هي حكايتي الأولى معه.

لما طردني المعلم زقزوق بسبب أنه علم أنني نزلت النيل ساعة الراحة ، وقضيت فيه ساعة كاملة بدلا من ذهابي البيت لتناول غذائي ، تسللت إلى سطح بيتنا ، وصعدت " الشخشيخة " مددت يدي داخل زلعة فخارية قديمة متربة ، محشوة حلقها بالقش . وجدت ما أخفيته من نقود طيلة فترة عملي بالورشة.

صففت شعري ، قبل اشتداد الشمس اتخذت وجهتي نحو المصيف. كان معي قطع من الغاب وسلوك ودوبارة وشفاف ملون . ساعة إلا قليلا وكانت طائرتي الورقية ترفرف في السماء الزرقاء . أجري بقدمي الحافيتين على الرمال الملتهبة ، وحين تشتد السخونة ، أضعهما حتى قصبة الساق في ماء المالح.

إنه يوم الأحد ولا يحضر هنا في الغالب إلا المسيحيون والمسيحيات وبعض تجار القاهرة والدقهلية ، والعشاق الهاربون من عيون الناس الفضوليين .

أعرف الشخص من لهجته ، فلهجة الدمايطة ممطوطة أما أهل القاهرة فمختصرة بينما الدمنهورية يقطمون الجزء الأخير من الكلمة ، وأغلب أهل الشرقية يعطشون الجيم في الوقت الذي ينطقها الصعايدة بالدال ، وسبحان الله الذي يجمع كل هؤلاء في دولة واحدة تديرها حكومة مفترية.

بعد أن هبط قلبي من كثرة الجري ، وشد الدوبارة قررت الاستراحة بعض الوقت. سحبت الطائرة من قبة السماء ، ولما صارت بين يدي كانت تعلو قامتي لكنني من خلال الورق الشفاف أرى الناس بألوان مبهجة.

سرت حتى لاصقت كازينو " الفوييه" ، وفيما أصعد لأمسح الرمل من بين أصابع قدمي رأيته. الأستاذ مراد ، تجلس أمامه بنت جميلة ورشيقة. بشرتها بيضاء وخدودها مشوبة بحمرة ربانية ، رأيته يضحك ويعدل بيديه طربوشه ، البدلة هي نفسها وعلى المنضدة علبة سجائر "سمسون أشرف ". فكرت أن أنسحب بهدوء ، في نفس اللحظة التي كان يقف فيها ليعب الهواء المليء باليود في صدره . رآني ولم يصدق عينيه. ناداني . سرت نحوه كالمنوم: أيوه يا أستاذ مراد.

ـ أيه اللي جابك هنا ؟

ـ المعلم زقزوق طردني.

ـ وجيت ازاي ؟

ـ في اللنش .

ـ أيه اللي في إيدك ده؟

ـ طيارة .

ـ ورق؟

ـ أمال معدن؟

ابتسمت الفتاة ، أما هو فقد صهللت ضحكته ، ووجدتني أضحك بدوري.

قربت رأسي من أذنه: ما تخافش . مش هاقول لأي حد!

ـ تقول أيه يا عبيط. دي فاتن بنتي.

ـ بنتك . إزاي دي بيضا قوي ؟

انخرط في الضحك وأمسك يدي : أقعد معانا.

ـ لكن .. ما ينفعش.

ـ كل شيء ينفع. فاتن بتتعلم في القاهرة . كلية حقوق ، وهتبقى محامية. هي عايشة مع والدتها.

ـ امراتك يعني؟

ـ أبدا. أحنا سبنا بعض من زمان . تشرب أيه؟

ـ كازوزة.

نظر ناحيتها ، وغمز بعينه اليمنى ، لها : ما كفاية شاي.

انقهرت ، قلت بسرعة : خلاص . هات شاي.

ضحك بصوت أعلى من الأول: أنا باضحك معاك. استنى . هتاكل معانا لقمة بسيطة.

كنت في حيرة من أمري فقد طلب لنا أطباقا ثلاثة وفي كل طبق سمكتين كبيرتين من البوري ، وبضع قطع من الجمبري وصحن طحينة بيضاء . وعلى فوطة مزركشة سكين وملعقة وشوكة .

ـ شايفة يا فاتن الولد ده؟

ـ ماله يا بابا؟

ـ هو اللي بيقضي لي مشاويري.

ـ بس ده باين عليه صغير.

ـ مش قلت لك ما يهمكيش الشكل. أهم حاجة العقل.

ـ يعني ذكي ؟

ـ وزيك بيحب أسمهان .

ـ يبقى انت اللي سمعتها له؟

ـ تخمينك سليم. وحافظ كل أغانيها بالكلمة .

ـ معقول ؟

ـ جربي .

طلبت مني أن أغني بعض ما أحفظ فارتبكت جدا. كنت أغني مع الأستاذ بصحبة الراديو ، وغالبا ما يكون اللحن المنبعث من الصندوق يخفي نشاز صوتينا . أنا الآن على المحك.

ركنت طائرة الورق على الجدار المواجه لنا ، وانطلقت أغني أغنية كان يحبها الأستاذ كثيرا :

يا طيور غني حبي وانشدي وجدي وآمالى ..

للي جنبي واللــي شايف ماجرى لي..

اشتـــكى لـــه يبتسم ويزيـــد ولوعـــــي..

فتهدهد النغمات بصوتها الرخيم :

ياطيور صوري له حالي..

من سهدى ودموعي

فينبجس صوتي قادم من بعيد :

غنت الأطيار من فوق الاشجار أعذب الاشعار

مالت الأغصان من هنا الألحان والفؤاد ولهان

يخلع الأستاذ طربوشه ويضعه برفق على المنضدة ويشاركنا الغناء :

والنســــيم يســــــري عليل يحمل الصوت الجمــيل

والزهور فاحت بعطر الأماني ..

والغدير ردد معاها الاغاني

تميل فاتن بجسدها النحيل وتكمل بصوت ملائكي :

امتلا الجو حنان يشرح الشوق والهوان

ياريت نصيبي عطفه ووداده وميله ليه

صوتي يكاد ينحبس من فرط النشوة التي تغزو خلاياي :

سعيد بحسنه وشبابه خالي من الأشجان

لو كان بيعشق ونابه حظي وانا سهران

إنه يقف الآن فوق الكرسي مشيرا للبحر : لا كان بكى من عذابه وناح مع الكروان.

يعبر نورس قادما من البحر فيما تمنح لي يدها لأمسك أصابعها الرقيقة .

حين انتهيت وانتهت ـ هي ـ من مساندتي ، صفقت لي بشدة ومالت نحوي وقبلتني على خدي . أما هو فقد خلد للصمت طويلا وشعرت به ينسحب من جلستنا رويدا رويدا ، إلى مكان أبعد من البحر .

بعد مرور وقت مشحون بالبهاء . خجلت جدا ونظرت للأستاذ الذي صفق للجرسون وجاء بثلاث زجاجات كوكا كولا وبكل منها شفاطة: اشرب. ملعون أبوالدنيا .

علمتني فاتن ركوب الدراجة ، وعلمتها كيف تطير الطائرة الورقية ، في وقت غروب الشمس ، سلمت على الأستاذ ، وبإشارة منه فهمت أن ما رأيته اليوم سر في بئر. أما فاتن ـ وهي تعلوني بذراعين ـ لم تجد غضاضة في أن تحتضنني وتقبلني وقد وجدت صدرها طريا ومعطرا.

كانت الدموع تطفر من عيني ، وأنا أعود داخل سيارة أجرة قديمة من طراز " دودج" تحك عجلاتها الأسفلت فتغيم الرؤية مع العتمة الهابطة علي ّ.

كانت هذه حكايتي الثانية، معه.

كنت مطمئنا لوضعي في الورشة بعد أن عدت للعمل ، بواسطة أولاد الحلال ، وقد رأى المعلم زقزوق أن يرفع أجرتي الأسبوعية وأن يقلل من مشاويره ولم يحسب منها مشاوير الأستاذ مراد الذي وجدته في صباح أحد الأيام يرسل للمعلم كي أذهب إليه في " شغلة بسيطة ". كان الهدف هو مصاحبة عفش البدروم إلى البيت الثالث الذي ورثه عن أبيه حيث الدور الرابع ، وسوف أصاحب الأسطى شعبان صاحب عربة الكارو التي تحمل حجرة السفرة والصالون وأنتريه الصالة.

صعدت السلالم قفزا وفي نهاية الدور الرابع رأيتها. فراولة هي العروس التي وافقت على الزواج من الأستاذ مراد. فتاة في حوالي الثلاثين من عمرها. ليست جميلة ولكنها مقبولة ، حلت ضفيرتيها ، ووقفت تنتظر العفش ، وهي تضع يديها وسطها. أستوقفتني وعلمت أنني أقود عملية النقل. راحت تتفحص قطع الأثاث ، تأمر بإدخال شيء وترفض أشياء . ولما جاء الأستاذ مراد كان نفسه قد انقطع ، هجمت عليه مسلحة بدلالها. كلمته وهو لا يستطيع أن يحط منطقا : كله إلا القديم يا سي مراد.

زجرها بنظرة نصف منهزمة : وبعدين معاك؟

توعدته ببصة أشد وقعا : ما اتفقناش على كده؟

قال مهدئا إياها: كل شيء يتدبر.

حدجته محتجة : أنا ما ادخلش على عفش قديم.

قاومها برد كاد يفحمها: ما أنا اشتريت لك أودة النوم جديدة.

ردت بكل جرأة: ما يلزمنيش قديم.

قالت جملتها وعلقت نظرتها على جسده شبه المتهالك . تسللت نحو الحجرة المغلقة، كنت أريد أن أرى حجرة النوم الجديدة. لحقت بي : عايز تشوفها. تعال لما أوريك.

أدارت مقبض الباب وتحرك البؤبؤ غير مصدق ما يرى . حجرة نوم بلون " الروز" والفراش أغطية زاهية باللون البمبي . شهقت وهي تغالب دموعها ، سألتني : بقى يليق الجديد على القديم ؟

قلت على الفور: بصراحة لأ.

سمعني وهو ما زال يغالب تعبه جالسا على كرسي عند عتبة السلم: أنت معايا ولا معاها.

سارعت بوكزه في جنبه بيدها : معايا طبعا.

ولما فاض بها الكيل ، جلست تبكي حظها العاثر . أقسمت بالله أنها لن تكون حلالا له إلا إذا أكمل الجهاز كله بعفش جديد.

صعد الأسطى شعبان وأنزل قطع الأثاث القديم ، وعاد بها إلى البدروم. كنت أركب معه وراء عريش العربة ، لما أدرت المفتاح في الباب ، شممت رائحة القدم والرطوبة وتسللت خنافس سوداء من تحت عقب باب الحمام للصالة الواسعة . أدخل الحمالون قطع الأثاث للبدروم العتيق ، وقد تفكك بعضها . جلست أشاهدهم وهم يرصون القطع القديمة ، ورأيت حجرة مغلقة لم أدخلها من قبل.

حجرة مظلمة ظننت إن فيها سرا ما ، فلم أر الأستاذ يفتحها في حضور أحد. حركت المقبض فعصاني لأول مرة ، بعدها تمكنت من فتح باب الحجرة ، أضأت نور النجفة فرأيت مكتبة زاخرة بكتب ومجلدات مجلدة بأغلفة عليها ماء الذهب.

كل هذه الكتب كيف دخلت عقل الأستاذ . رحت أقلبها وأتناول بعضها فيما أنفخ بفمي التراب حتى سكن الغبار خياشيمي فرحت أعطس وأعطس .

دخل عليّ الحجرة ، وأنا أقلب صفها العلوي ، سمعت صوته: خلاص . شفت الأودة ؟

سكنني خجل شديد. كأنه راجع نفسه: خد لك كتابين واحتفظ بيهم لنفسك.

ـ أي كتابين ؟

ـ أيوه. أنت تختار بنفسك .

تركني وسمعته يحاسب الأسطى شعبان حساب الملكين . بعد أن انصرف العربجي والحمالون . سمعته يتنحنح : الأودة دي أغلى ما عندي . ماقدرتش أم فاتن على التصالح معها . تركتني وانفصلت. فاتن لم تأخذ مني غير حبها للموسيقى ، تكره الكتب مثل أمها.

حدقت في خيوط عنكبوت ، سكنت بين أكوام الكتب . سرت في جسده ارتعاشة : هنا بالاقي نفسي.

سألته وأنا أمسح بيدي طبقات الغبار: أتعلمت من الكتب أيه يا أستاذ مراد؟

تنفس في صوت مسموع ، ونبرات صوته لاحقتني : علمتني أني صغير زي النملة وكبير زي كوكب المشترى.

سرت موجة حزن لمستها في صوته : تعرف أنا جبت فراولة تعيش معايا ليه؟

انتظر أن أجاوبه ، فلما وجدني صامتا واصل حديثه : لأني هاموت ، واسيب كل الحاجات دي .

تعرف أن فراولة اشترطت أن الكتب تفضل هنا ولو عايز أقراها أبقى اخطف رجلي أقرا ، وارجع تاني .

نظرت نحوه : يعني ما عدتش محتاجني ؟

ابتسم هو يجاملني : ما أستغناش عنك.

ثم ربت على كتفي وسمح لي بكتاب ثالث، ولما كنت طماعا فقد انتزعت ثلاثة كتب ضخمة ، وجدتني أحملها بصعوبة.

قال لي الأستاذ ، وهو يسبقني نحو باب الخروج : أستنى أنا هاوصلك بيها.

حمل الكتب ، وكان ما زال ببدلته القديمة ، وطربوشه المعوج ، سمعته يقول كأنه يحدث نفسه : يا ترى يا فراولة ، مخبية لي أيه؟

مضى نحو بيتنا وأنا أسبقه ، حين وصلنا للعتبة أعطى حمالا كان يمر بالمصادفة قطعة نقود فضية ، قال له : وصله لفوق . ما تخلهوش يشيل الكتب بنفسه. دي تقيلة عليه قوي .

من فوق بئر السلم لمحته محدودب الظهر والطربوش يخفي ملاحة وجهه ، وقد رأيته أطيب الناس طرا في حارة " قبيلة " والحارات المجاورة التي كانت تراه بخيلا وكنت وحدي أراه ابن الأكرمين.

وهذه هي حكايتي الثالثة معه ، والثالثة " تابتة"..

دمياط في 17/6/2012

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007