[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
جراح الوردة  جراح الوردة
التاريخ:  القراءات:(4781) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
جراح الوردة

- 1 -

قدم الليل بخطى حثيثة , يدندن طربا , والها مثل عاشق متيم لوعته الأشواق . دقت الدفوف بعد تصليتها على النار , تهادت الفتيات الصغيرات بثيابهن الطويلة ذات الأطراف المكشكشة والألوان الفاقعة ...

تدلت المناديل الصفراء المعقودة على جباههن , وصفقن بأكف صغيرة , تصفيقات حارة , وحادة كالبراءة في أعينهن العسلية .

انطلقت إحداهن , ودارت برشاقة وغنج على أطراف أصابعها ,وكأنها تمس الأرض فقط ..

وأخذت تلوح بذراعيها في الهواء تارة , وتصفق تارة أخرى . وانبرت فتاة يافعة للرقص معها , فأخذت تدير رأسها إلى اليمين وإلى الشمال , وتارة تجذب طرف ثوبها قليلا إلى الأعلى , وترخي الطرف الآخر باليد الأخرى إلى الأسفل .

تزاحمت النسوة في الحوش المفروش بالحصىباء , وانتظمن في صف طويل غير متناسق , ورفعن دفوفهن ثم ضربن عليها في حماسة .

رنت الأساور الذهبية التي تزين معاصمهن , والتمعت السلاسل المستقرة فوق الصدور , والقلائد الذهبية التي تطوق الأعناق .

كنا يلعبن ويرقصن بحماس , وبدت كل واحدة منهن وكأنها تباري الأخريات في الحسن والملبس الغالي وعدد الأساور والقلائد , وتتعمد إثارة غيرتهن كعادة النساء في كل مكان .

- 2 -

انحنت عناقيد العنب في حالة شجن , همهمت الريح بصوت مفجع يشبه العواء .

دوى الرعد في أنحاء السماء وشعشع البرق الخاطف فأضاء عتمة الليل وبكت السماء بدموع غزيرة .

تساقطت حبات المطر الباردة فوق صفحة القلب , بردت الجراح الملتهبة قليلا .

سكت النواح وهمست الأعماق .. كفى, كفى عذابا أيها الفؤاد .. تململت وهي تمتلئ بالحنق والحقد .

مد يمناه ليرفع المنديل الأخضر ، المنسدل على وجهها ، جمدت نظراتها ، عندما ابتسم لها متوددا . بدت له مجللة بالجمال والعزة في آن . قاومت الشعور بالاختناق والرفض الشديد عندما لمس كتفها، حيث جفلت من لمسته وسرت الرعدة في أعضاء جسمها .

حاول أن يهدئها ويستنطقها حيث رحب بها وهنأها , لكنها ظلت جامدة , صامتة عابسة .

- 3 -

"خلاص" أبوك حدد الموعد , واتفق مع عمك على كل التفاصيل ..

أينا يمضي جريحا , عاري الصدر ,

مشوقا لمزيد من الجراح .. ترتوي الوردة منه والصباح ..

" خلاص " وأبوك زي ما أنتي عارفة , ما يحب دلع البنات وهوه أدرى بمصلحتك يا بنتي "

ماضية هي , كما يمضي السكين في ثنايا الجرح , يستعذب الحز , يولد الألم والعذاب بتصميم وتؤده ..

ما أتعسها , في أعز الليالي وأجملها ؟ !

صلصلة السيوف , دقات أرجل الرجال الصلبة على الأرض ، وهم يعرضون , وهزيج النساء وصخب الفتيات والغطاريف التي دوت في سكون الليل المطير , ملأت أذنيها , وقرعت أجراس قلبها الساكت في أسى ..

"خلاص , خلاص ما في دراسة , البنت مالها إلا بيتها ورجالها ".

نضت عن جسمها العباءة , ورمت المنديل الأخضر وكذلك الشيلة الخفيفة .

شمخت بأنفها المستقيم , الدقيق والتكوين ولوت شفتيها ، وهي تتفحص أثاث الغرفة , والكرسي المعد لنومها والوسائد المحشوة بالقطن , والشراشف والفرش .

امتلأت خياشيمها برائحة البخور والريحان والكادي . وتبسمت بسخرية ومرارة ..

" تبغين تدرسين , ليش ؟ وايش راح تكونين بعدين "!

- 4 -

جاء ثم وقف عند الباب . كان متهللا , ضاحكا , مليئا بالزهو والسعادة .

حدق في وجهها طويلا , تاه في عمق حسنها وتلك العزة المتألقة فوق جبينها .

جلس إلى جوارها ثم أمسك بيدها , انتفضت وشاعت الحمرة في خديها .

تبسم متوددا, ما بك يا الغالية ؟

هل أنت خائفة مني ؟

ألست سعيدة بزواجنا ؟

رفعت رأسها , وقاومت الغضب الذي يسيطر عليها ، ثم جمدت نظراتها وطفحت ملامحها بالأسف لمس كتفها بيده فنترتها بتقزز .

" أرجوك , لا تلمسني "!

فغر فاه من الدهشة , ثم قهقه عاليا .

لم يا بنت العم ؟

لم يا الغالية , أيتها الغالية , العزيزة علي ؟

لقد أرغموني على الزواج منك , باعتبارك ابن عمي , ومن ثم فأنت أفضل الرجال .

ماذا ؟ أرغموك ...!

أجل , شتمني والدي واتهمني بقلة الحياء وحرمني من إتمام دراستي لأتزوجك ..

بل أنكر علي حق القبول أو الرفض وقتل كل مشاعري وطموحاتي ..

لم أكن أعرف , صدقيني ؟

وما جدوى ذلك الآن ..؟

أعدك ..

قاطعته بحدة : لا تعدني , من فضلك، فالوعود ليست سهلة وعندما تخلفها ، فسوف تسقط من نظري ..

والآن .. هل يمكن أن تتركني لوحدي ..؟

هامش

الشعر : د. حسن فتح الباب

يعرضون : رقصة الجنوب ( لهجوية )

الغطاريف : الزغاريد (...)

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007