[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
آلام السيد مجحود  آلام السيد مجحود
التاريخ:  القراءات:(4997) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
بسم الله الرحمن الرحيم

آلام السيد مجحود

- 1 -

كان يتربع على كرسي من الخشب ، قرب البوابة . السيد المحترم مجحود سعيد مجحود الغامدي . شاب مهندم ، بهي الطلعة , يعمل فراشا للمدرسة المتوسطة السبعون .

كل أفراد الحي , وأولياء الأمور , ورواد العقار . يعرفون هذا الشاب الأنيق ، فهو فراش وسائق ودلال ، ووظائف كثيرة , ربما يكون بعضها سريا . مجحود الرجل الذي يجترح المعجزات ، وهو كما يدعي لا يعجزه أمر ، وحيلته واسعة ، وتدبيره للأمور عظيم . إنه يقوم بكل شيء . وبإمكانه مساعدتك في كل الأمور .

إذا كنت تبحث عن صفقه أرض مناسبة ، أو منزل للشراء أو شقه للإيجار أو تود تركيب هاتف جديد فإنه سوف يساعدك حتما .

- 2 -

كان يحتسي قهوته العربية , المزينة بالهيل والزعفران , في استمتاع بالغ ويمضغ بعض تمرات . وجهازه المحمول لا يكف عن الرنين . إنه يجرى اتصالات دائمة لأنه دلال عقار على قدر كبير من الشهرة .

ثم يتصفح جريدة الوطن التي يشتريها كل يوم مع الإفطار الذي تطلبه المعلمات , وعلى حسابهن كذلك . إنه لم يكمل دراسته المتوسطة ، لكنه قادر على القراءة بشكل جيد .

إنه يفضل جريدة الوطن , على عكاظ , التي يراها تبالغ في طرح بعض الموضوعات .

إنه عليم ببواطن الأمور كما يدعي , وأحداث الساعة , ومجريات الواقع .

وهو يتحدث مثل المثقفين من الكتاب والصحفيين , فيبدأ حديثه قائلا : في الواقع , أو في الحقيقة .....!

ولطالما تندرت به الطالبات ، عندما يمسك الجريدة فيقلن ساخرات " يا حليله.. مثقف !"

- 3 -

أين أنت يا مجحود ؟!

كانت المديرة تصرخ في أذنه من خلال جهاز الهدفون الذي يصل إليه في الخارج .

ظل صامتا لم يرد . أنت فراش المدرسة . ينبغي أن تلازم البوابة . هل تظن إني جاهلة بما تعمل , إذا لم تلتزم بعملك فسوف تخسره في النهاية .صمتت قليلا ثم قالت بتهديد :. هذا إنذار لك !.

غمغم ودمدم غاضبا , لعنها في سره ألف مرة , وشتمها بأقذع الشتائم .

بالطبع لم يجرأ على الرد أو حتى الكلام . لم ينبس ببنت شفه . بل شعر بالذل والإهانة واستقر ذلك الشعور المرير في أعماق روحه .

أظلمت الدنيا في عينيه , قلب شفتيه العريضتين امتعاضا , ونفخ وأرعد وأزبد وقال : هذه المديرة لا تكف عن اهانتي , وكأنني خادم لديها .

إنها تهدده بقطع عيشه , وتدبير أمر فصله , إذا لم ينفذ الأوامر المقدسة . سوف تطرده من المدرسة , وكأنها سوف تطرده من الجنة !! من تظن نفسها ؟ أنا لا أعمل عندها أنا موظف حكومي محترم !!

كل صباح تصب على رأسه , كلماتها المتوعدة كالحجارة . وتعيد وتزيد جملتها المألوفة

" التزم بعملك ....التزم بعملك "

آه يا مجحود ما أسوأ أن تتحكم بك هذه المرأة ؟ ولا تمل من اللوم والتقريع والاتهام بالإهمال , مهما فعلت !

لو كنت أكملت تعليمي . كنت الآن موظفا كبيرا لا تجرأ على لومه وتهديده .

لعنة الله عليها وعلى هذه المدرسة بأسرها !

- 4 -

تأبط الظرف الأبيض ذي الحجم الكبير , المختوم بختم الإدارة وظل واقفا عند الباب , ينتظر منيرة أن تتلطف فتفتح له الباب ثم تبتسم في وجهه ابتسامتها الصافية ,فيشعر بالقليل من العزاء . إنها زوجة وتعمل كذلك بالمدرسة . ولازالت صغيرة في السن .

أخذت منه الظرف وتبادلت معه بعض كلمات ثم مضت وترك الباب مواربا . وكالعادة , يمد رأسه أحيانا وتدور عيناه في أنحاء الفناء الواسع .

أحيانا تخرج بعض المعلمات , في حصص الفراغ للتمتع بأشعة الشمس وخاصة في الساعات الأولى من الصباح عندما تسقط الشمس بأشعتها الباردة , وتهب النسائم العليلة .

وأحيانا تمارس البعض منهن رياضة المشي لأن الفناء واسع . وهو يقف أو يجلس خلف الباب . تصل إلى أذنيه بعض الأحاديث مهما كانت هادئة ، لأنه يرهف كل سمعه وحواسه لما يحدث في الداخل .

ربما تتحدث بعض المعلمات بصوت عال , وقد تنسى وجوده فتضحك أيضا برعونة . ويبدو أنه قد سمع بعض الحديث والضحكات الخافتة فاحتال ليدخل ويتمتع بأم عينيه . فأخذ صندوقا فارغا , ثم دفع الباب بهدوء , فرأى سيدتين أنيقتين تسمرتا أمامه لفرط المفاجأة . عاد أدراجه بسرعة ، بينما انطلقت السيدتان وهن يشعرن بالغضب الشديد من سلوكه , وصممت إحداهن على أن تبلغ المديرة بالأمر .

قالت : إحداهن . إنه لم يقصد الدخول . ردت الأخرى . بل قصد الدخول والتجسس ، إنه قليل الأدب . لا داعي لإثارة المشكلة مع المديرة . ليست المرة الأولى , إنه دائما يسترق النظر إلى المعلمات والطالبات . ألا يستحي ! والله لو يعلم زوجي بهذا الأمر ، لربما يفصلني من المدرسة .!!

- 5 -

عندما عاد مجحود إلى غرفته الصغيرة في الخارج ، ظل يفكر بما رآه . إنه يعرف السيدتين جيدا , كما أنه يعرف كل معلمة , ويميز بدرية عن صفية أو نوال . يعرف الرشيقة ,ذات العينين المكحولتين , المسرفتين في الغنج والدلال , إنها نوال , لطالما ملأت خياله بالأوهام ويتمنى لو كانت عزباء , فربما يحالفه الحظ يوما فيقترن بها , بالطبع عندما يجني ثروته الطائلة , بسبب الصفقات التي يكون وسيطا فيها .

إنه يسرف في الأحلام , يحلم بالثروة الطائلة , والمرأة الحسناء إلى جوار زوجته المسالمة , التي يعيب عليها قلة التأنق والتزين , ومهما فعلت فلن تكون مثل ست الحسن والدلال , أبله نوال . إنه سعيد رغم شعوره بقلق خفي , فربما تشكوه إحداهن إلى حضرة المديرة ، التي طالما هددته , وتوعدته بالعقاب والفصل . قلب شفتيه بامتعاض , وابتسم في خبث ولا مبالاة ثم قال لنفسه : إنني موظف عند الحكومة . ولست موظفا عندها . إنه سعيد لأنه رأى السيدة الأنيقة , ذات الذوق الرفيع وهي تتريض في وقت الفراغ .

لو كنت سعيد الحظ , لكنت تزوجت مثلها . ولكن لا بأس أمامي فرص كثيرة !!

كان يسرف في الأوهام , والأحلام ، ورفع عقيرته بقصيدة نبطيه من تراث غامد و زهران , تتحدث عن جمال العيون , والشعر الفاحم فوق الجبين .

- 6 -

إن مجحود يشعر دائما بالغبن , والندم لأنه لم يكمل دراسته التي كانت ستوفر له أن يشغل وظيفة محترمة تليق به كرجل لديه الكثير من الآمال , والأنفة والكبرياء . يشعر وكأن كل النساء حوله يعاملنه باستخفاف واحتقار لأنه مجرد فراش لا حول له ولا قوة . إن النساء يفتنهن السلطان والمال , وللأسف فهو بلا سلطان , وماله قليل ولكنه سوف يجاهد ويسعى لينال ما يحلم به , وغدا سوف يتزوج بامرأة حسناء . وسيترك هذا العمل الوضيع الذي جلب عليه المشكلات وملأه بالمذلة والصغار .

ولكن رغم شعوره الدفين بالصغار وقلة الحيلة , وسخرية الآخرين , لا يخلو عمله من السعادة والمرح والفائدة . فما أجمل أن يرى كل هؤلاء النساء حوله ؟ لأنه مفتون بهن حتى آخر قطرة من دمه . ويمكنه تحمل المذلة ، من أجل نظرة ساحرة من عين أحداهن .

فما أجمل أن يرى أولئك الفتيات في الغدو والرواح ساذجات وبريئات , سافرات وماكرات , ضاحكات وعابسات . ما أجمل أن يراهن يندفعن برعونة أثناء الانصراف ؟

يرى تلك الوجوه الغضة , تضع الخمار الشفاف بطريقة عابثة , فتستر القليل , وتكشف الكثير .

لطالما تأمل تلك الأجساد , التي ودعت براءة الطفولة وتسعى حثيثا إلى عالم الأنوثة الريانة .

كانت خالية من التقاسيم , فتغيرت ، وارتوت ونضجت , وانقسمت عند الخصر , والصدر , والمؤخرة . فصارت أكثر فتنه وسحرا , وارتدت تلك الأزياء التي تجسد تقاسيمها البديعة باقتدار .

إن ضحكاتهن العابثة تملأه بالسعادة والسرور . كما أنهن يتعمدن إثارته والتحرش به أحيانا . عندما يحين الانصراف , يظل واقفا قرب الباب , بخشوع وابتهال كمن يقف على سجادته . حتى أن الطالبات الساذجات يصطدمن به عند الخروج , فيزجرهن بعينيه الحادتين أو بيده .إنهن يتزاحمن ويتدافعن, ويحاول دائما زجرهن ، ليخرجن بنظام وهدوء دون حوادث .أحيانا تلكزه إحداهن بكوعها , أو بطرف حقيبتها الأنيقة أو تطلب منه حمل كيسها الثقيل . ولكنه يتقبل بصدر رحب كل تلك المشاكسات لأنهن كما يدعي مراهقات بريئات لا يقصدن اهانته . وكم يثرن جنونه ورغباته المكبوتة ، عندما يتأمل أجسادهن التي تتصف بالفتنة والرشاقة والجمال . وتسحره ضحكاتهن العابثة ومداعباتهن الجريئة,أحيانا يشعر بالقليل من الإثم لطول النظر, والتأمل في مفاتنهن, والإعجاب بأجسادهن الريانة المثيرة . ولكنه رغم كل شيء رجل يخاف الله , ويتقيه ويصلي في المسجد ويستغفر ويحب الصالحات . ولكنه ماذا يفعل أمام هذا الطوفان من السحر والجمال . فما بيده حيله !

- 7 -

كان يقف قبالتها في خشوع وتبتل كالعابد في المحراب . ينكس بصره الذليل ويتظاهر بالأدب والحياء . إنه رغم طوله الفارع يبدو ضئيلا أمامها ، لأنها ذات جسدا ضخم وسمين وعندما يمشي يترجرج جسدها وينعطف يمينا ويسارا .

أرجوك يا عم مجحود ، خذ هذه الصناديق والأكياس إلى المنزل . كان ينصت إلى صوتها الرقيق الذي ينساب في سمعه كلحن منغم بالغ العذوبة ، ويملأه الشعور بالتناقض بين جسدها الضخم وصوتها الرقيق . لكنه في الحقيقة كان يشعر ، نحوها بالاحترام , ويغض بصره كلما رآها فهو ينقلها بالسيارة عند نهاية الدوام إلى منزلها القريب في الحي .

وعندما ينظر إلى عجيزتها الضخمة التي تكاد تحجب عين الشمس يستغفر ويحوقل لأنه يقاوم ذلك الشعور الخفي بالإثارة لرغباته المكبوتة .

إنها ترتدي العباءة الواسعة ، وتتحدث إليه بكل أدب واحترام وتعامله بإنسانية ، لذلك فهو يشعر نحوها بالإجلال ولإعجاب والتقدير . وبالطبع فهي كريمة وتعطيه أكثر من الأجر الذي يستحقه .

وأحيانا عندما تمر على المطعم القريب من الدار تأمره بشراء الغداء لعائلتها وكذلك تأمره بأن يشتري غداء لأولاده على حسابها .

إنه لا يستطيع أن ينكر إنها امرأة كريمة اليد ، حسنة الأخلاق طيبة القلب , تعطف عليه كثيرا .

112012

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007