[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
اعواد ثقاب بشرى ابو شرار 
التاريخ:  القراءات:(1910) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
أعواد ثقاب"بشرى أبو شرار"

السيد الهبيان

بعد ثلاث مجموعات قصصية "أنين المأسورين" " القلادة " "جبل النار"حملت تجربــــــــــــــــــة "بشرى أبو شرار"في القصة القصيرة عرضـــت من خلالها لواقع الحال الفلسطيني بكل ما فيه مـــن مآس ومعاناة فرضها الاحتلال الإسرائيلي عليه .. قدمت روايتها " أعواد ثقاب" بنفس اــــــــلرؤى الكاشفة عن مدى الجرح النازف طوال سنــــوات مضت من عمر اغتصاب الأرض الفلسطينية . فبذات المشاعر التي تخالج الإنسان الواقع في أسر المغتصب المحتل .. ويعيش حياة الذل والامتهـــان وانتهاك آدميته .. نسجت " بشرى أبو شــــــــرار " حروف كلمات روايتها – أعواد ثقاب – لتكشــــف عن مزيد من أشكال القهر الحياتي التي اتسمـــــت بالاعتياد بفعل التكرار المستمر .. مما جعله لا يخرج عن سباق غيره من الأحداث رغم مأساويته .. وقدمت فصولها بمسميات أعواد بلغت الثمانية والعشرين عودا .. وعنونة كل عود منها باسم خاص به يتعلق بمضمونه .. وعرضت لأحداثها من خلال البطلة وأسرتها – الأب والأم وثماني بنات هي إحداهن – وأقاربها من الأخوال والخالات والأجداد والجدات وارتباطها بالجيران والمعارف والأصدقاء .. ذكرت الكاتبة بعض أسمائهم من خلال السرد الأب محمد " أبو ماجد " والأم " شريفة " ومن الأخوات " كريمة " و "سلافة " وغيرهم .. وكذا أسماء الأخوال " فاروق " و " كاظم " والعمة " فاطمة والجدة " حورية " والقابلة " أم سرور " والداية ظريفة " أم حسن " .. كما ذكرت – الكاتبة – أيضا أسماء بعض المدن – القدس . غزة . الخليل . خان يوسف . دير البلح.

وبعض القرى والأحياء ومسارح المعارك التي ارتبطت أسماؤها بالبطولات التاريخية .. وذلك دون ذكر اسم البطلة عن قصد متعمد وهو ما يلفت الانتباه إلى تجاهله حيث بدا الكثير من المواقف التي كان يمكن الكشف عنها فيها وبصفة خاصة أثناء الحوارات التي دارت بينها وبين الآخرين حيث من الطبيعي ترديد اسمها بصورة طبيعية وبشكل عفوي .. إلا إنها اكتفت بالقول عندما نادتها أمها " نادني بأسمى " وهذا ما يكشف في الأساس أنها قصدت تقديم مضمون لواقع عام من خلال واقع خاص تحدد في المحيط الأسرى وما يرتبط به .. وقد بدا ذلك بتداخل طبيعي بين البطلة وأسرتها الصغيرة ـ زوجها وابنها ـ وعائلتها الكبيرة ـ الأب والأم والأخوات والأخوال والخالات والأجداد والجدات ـ إلا أنها أوضحت من البداية علاقة البطلة بزوجها بما يشير إلى عدم التوافق بينهما وضيقها من تصرفاته وقد انعكس ذلك في انتظار الابن لرحيل أبيه عنهما لأنه لا يطيق الحياة معه0

وقد كشفت الكاتبة عن قصدها بأن الأم "فلسطين" .. فقد أوضحت ذلك في إهدائها الذي سطرته في صدر الرواية .. ومن ثم حددت ما تعنيه وما تطرحه من خلال روايتها وكأنها تختزل المضمون في كلمة واحدة .." فلسطين ".. ثم تتبع ذلك بعنونة "العود الأول " بما تعنيه بالنسبة لها .. وما ألت إليه " وطني قطعة جبن مثقوبة ".. تصفه في أول كلمات " الرواية " سياج .. أسلاك شائكة .. أبواب مكهربة .. صفارات إنذار .. كشفات أحالت ليلنا نهرنا .. مكبرات صوت حالت بين أذاننا وقلوبنا " بانتظار إطلالة قمر ينير سماء ليل ضمهم سياجه0

حال وعت عليه ـ البطلةـ منذ سنوات طفولتها .. ورأته دونما تغيير بعد غيبة سنوات طويلة عن الوطن .. إذ وجدت شوارع المخيمات وأزقتها كما تركتها كساحة خلت من مقاتليها.. وحوائط البيوت صفحات لجريدة مقدسية خط عليها كلمات " الثورة0 الرفض0 النهوض .. كوفيات يلفها الرجال على الأعناق فتخفى معالم وجوههم إلا من بصيص نور يطل من عيونهم .. عربات جيش تقف منزوية في الأركان وعلى مداخل الأزقة مسيجة بقواطع حديدية ضيقة الفتحات تحوط الزجاج الأمامي من رشقات الحجارة تلاقيهم كسيل يعوق تقدمهم يسود الصمت ريبة وتوجس"

وإجراءات استحالت إلى واقع مستمر.. باد للعيان ومبعث ضيق للإنسان صاحب الأرض .. " الكثبان الرملية يغطى سقفها قرميد أحمر .. أسلاك رادارات لرصد الحركة والطريق مسيجة بسياج كهربائي الكتروني .. أجهزة تصنت " ومعاش من خلال رباعية اختزلت دائرة الحركة " أرض0 وطن0 رحيل 0 وعودة 0ثم رحيل .. " فبين الضفتين - الغربية والشرقية - سياج .. جفاف نهر.. تصريح .. هوية بلا جنسية .. ممنوع الدخول .. ابق هناك خارج الحدود .. ومن ثم " فالوطن صار قطعة جبن مثقوبة"0

هذا هو مسرح الرواية من خلال منظور عام .. والذي بدت عليه البطلة حال عودتها إلى مسقط رأسها عبر رحلة مضنية ومرهقة بفعل الصعوبات التي تعانيها .. وتتحملها مستسلمة لضغط نفسي تنوء من حمله .. ولا يبدو ثمة مفر منه .. تراه كشيء باق في ظل المحتل الغاضب للأرض والفارض سيطرته عليها وعلى من يعيشون فيها0

حملتها حافلة مع آخرين شقت طريقها وسط حرب مقامة على الأرض " قف منطقة عسكرية مغلقة " .. أمر تكرر للقاصدين وجهاتهم المختلفة داخل الوطن .. منطقة عامر ..مخيم البريج .. منطقة الرمال شارع فلسطين .. بداية من" رفح " ومرورا بخان يونس ونخيل شوامخ على طريق دير البلح .. فمخيم البريج بدت شوارعه وأزقته كساحة معركة خلت من مقاتليها .. ومنطقة "عامر" حيث أرض الأم وبقايا بيت مهدم وسور وبوابة صدئة دق عليها لوحة كبيرة " ممنوع الاقتراب " منطقة عسكرية مغلقة .. ذكرتها بصراخ الأم وسط هدير الجرافات التي هدمت بيتها .. وانتهاء في " حي الشيخ رضوان " .. مكملة رحلة العودة بعد غيبة سنوات طويلة إلى مرتع طفولتها .. بيت ببوابة حديدية موصدة فتحتها كما تعودت في صغرها .. عبرتها إلى الداخل ثم تحررت من حقيبتها ومضت وسط صمت وسكون إلى البهو .. تنقلت بعد ذلك بخطوات بطيئة بين باقي غرف البيت الحاوية لأسرة خالية ووسائد حزينة لغياب أحباب من أهل الدار .. إلى أن فاجأت الأم في غرفتها بإعلان لها عن عودتها .. وبين الماضي البعيد والقريب عاشت ذكرياتها الحاضرة معها بينما كان الأب في الخارج .. اقترحت عليها أمها أن تفاجئه لكنها لم تقو على الانتظار حين سمعت خطواته عبر ممر الحديقة وظهرت له .. والذي ما أن رآها حتى رحب بها " نورت بيتك .. حمد الله على سلامتك .. أنا رأيت حقيبة سفر بالباب فحدثني قلبي أن أحدا منكم عاد .. آهلا .. وألف آهلا " .. ثم رافقته إلى الجلوس في البهو وسط صمت موحش مرسوم في وجوه غريبة طالعتها على حوائط الجدران .. وأرائك خلت من أخوة وأخوات .. ولإطفاء شوق الغياب أبدت الأم رغبتها في عدم الإعلان عن قدومها لتشبع نفسها منها .. وافقتها على ذلك لكن الهاتف حمل لها بعد منتصف الليل صوت زوجها ليخبرها بإصابة ابنها بكسر في ساقه فأرغمها على السفر في اليوم التالي .. وعندما علمت أمها استاءت من فعلته .. " كيف يبلغك بخبر كهذا في منتصف الليل أين قلبه " .. بينما لزم الأب الصمت عندما فاجأته بسفرها وعاونها إلى أن استقلت الحافلة ثم ودعها .. وعادت إلى الابن الذي سألها عن رحيل أبيه عنهما لأنه لم يعد يطيق الحياة معه .. لكنها تستنكر منه ما تسمعه عن أمنيته في رحيل أبيه .. وتصيبها كلماته .

هذا ما بدا من خلال فصلي الرواية الأول والثاني .. وفق ما روته البطلة عن رحلتها المرتدة بين أرض الوطن وأرض الغربة .. بحسبان أنها تكررت من قبل .. لكن أمنية ابنها – برحيل أبيه– تشد نظراتها إلى أوراق مبعثرة فوق مكتبها .. حملتها إلى الوطن الذي كان لها فيه بيت وأهل وصحبة .. وذكريات لا تغيب عنها .. جمعت فيها كل ما وعته وما عاشته في حياتها .. ومن خلال هذه الذكريات – وعبر فصول الرواية – تقدم الكاتبة بطلة روايتها ابتداء من سنوات طفولتها .. والتي عاشتها في بيت له بوابة حديدية له عتبة واطئة .. وحديقة بها أشجار ليمون ومتعر بشة بأغصان العنب .. وممر طويل في نهايته درجات .. يطيب الجلوس عليها في الليالي القمرية .. وبلاط يحمل علي سطحه الأملس الخطوات المنحوتة .. وثمة كلب كان نباحه يعلن عن قدوم الضيوف .. وكانت أحب أخواتها إلى أمها .. رغم إنها كانت تتمنى أن تكون صبيا ليكمل الله جميله عليهم .. بعد أن لاحظت عليها بأنها تقوم بأفعال غير أفعال البنات .. وقد تحققت أمنيتها بمجيء الصبي الذي كانت تنتظر قدومه .

ولكون الأوراق مبعثرة تتراوح الذكريات بين التباعد الزمني الذي يجمع بينها .. وتتداخل أحداثها . فالمدرسة الابتدائية ترتبط في ذاكرتها بوقوع الحرب عام 1967 وما عاشته خلال أيامها .. فقد كانت تجاور أحد المعسكرات .. وأثناء حصة دراسية عادية توقفت المدرسة عن شرح الدرس وأخذت تتطلع إلى القوافل العربات المكتظة بالجنود .. فشاركها في ذلك التلاميذ .. ولوحوا للجنود مودعين لهم .. وفي البيت بدا الأب يستعد لدرء خطر الحرب عن البيت بنزع زجاج النوافذ .. ووضع اللاصق على من استحال نزعها .. وعندما استفسرت من أمها عرفت أن الحرب قد تحدث .. ولو تناثر الزجاج سيؤذيهم . ثم توالت البيانات العسكرية حاملة أخبار المعارك والانتصارات .. إلى أن اندفع الجنود في مجموعات وقفزوا على الأسلاك والأسوار وأسطح المنزل إلى أن حطوا في حديقة البيت " حفاة مهلهلين الثياب ..مجردين من السلاح . بزاتهم العسكرية قد يظهر منها شيء عليهم بنطال . قميص يترنح من على الأكتاف . ذقونهم شعورهم كثة .. عاونهم الأب على تحديد ممرات آمنة لهم ليشقوا طريقهم " وسط نظرات زائغة وقلوب كسيرة " . ويواصلوا رحلة العودة اهتداء بما خطه لهم على الخريطة .. ثم طلب – الأب – إقفال المذياع الذي كان يذيع عناوين انتصارات وأساطير البطولات .. وأشعل الموقد وصار يمزق الأوراق ويلقى بها وسط النار .. لف دخانها المكان .. وأدمعت العيون على صيف 67 .

يمتد طوق حصار " غزة " لأيام فرض على الكبار فيها منع التجوال .. وبدا نفاذ المؤن من البيوت .. وتكلف البطلة باعتبارها أكبر أخواتها من قبل الأم بحمل العجين إلى الفرن . فتقطع الرحلة غير الآمنة إلى أن تعود بالخبز وسط المجنزرات وإرهاب الجنود بالخبز الساخن .

تناثرت القذائف في أرجاء الحديقة وعلى أسوارها .. ويحمد الأب الله على حمايته لهم .. وبعد أيام الانتظار الطويلة يأت الخال من بيت الجدة ليطمئن على أن الجميع كتب الله لهم البقاء . ويصف لهم ما شاهده في منطقة المطار وهو يشارك الآخرين في البحث عن الأموات " أجداث مترامية على تراب الأرض تنتظر سواعدنا لتحملها وتدفنها مع حكايات البطولات الشاهدة . كانت البطون منتفخة والروائح نتنة " .. تم البحث بينها للتعرف على أصحابها بأية دلائل تشير إلى هويتهم .. خواتم خطوبة وزواج وساعات . أوراق الهوية .. لكنه لم يعثر بينهم على " شريف " الذي سالت عنه الأم .. فيخبرها بما سمعه عنه لكنه لم يدفنه ولم يعثر على خاتم خطبته رغم انه فتش عنه كثيرا .. ولكنه وجد " من يشبه كثيرين ولكن أجداث ضاقت عليها بزاتها العسكرية تفسخت منها " ثم انفجر في البكاء .

ووسط الحصار الذي طال تأت أم شريف تنقل يأسها من عدم العثور عليه .. فلا وجود له بين أسماء المفقودين والموتى والأسرى .. لم يحصل بعد رحلة طويلة إلى مبنى الصليب الأحمر ربما تجده أسيرا أو مصابا .. حاولت البطلة أن ترسم ملامح شريف من خلال زيارات أمه لهم .. لكن ملامحه كانت تتغير في كل مرة " مرات تكون قريبة ومرات تكون بعيدة وأحيانا يلفها الضباب فتصبح خيالات هائمة تنتقل من مكان إلى مكان مع هبوب الريح إليهم معها " .. بينما ظلت تحمل في ذاكرتها صورة " حامد " الذي ودعهم قبل ذهابه إلى الجبهة .. وتتماثله كلما هبت رياح الخماسين المحملة بتراب سيناء زائرا يدق الأبواب .

عندما بدأ فتح الحدود هزيمة صيف67 قرر الأب الاطمئنان على أفراد أسرته وبدا يعد لزيارة أخته .. فيرص عناقيد العنب في علب كرتونية ليحملها كهدية إلى أخته ويستقل سيارة مع بناته الثمانية وزوجته .. وعند أول حاجز تفتيش يبرزون بطاقات الهوية ويعلنون عن وجهتهم إلى مدينة الخليل .. ويتعجب المجند في حديثه عن البنات " هؤلاء غدا سيكونن أمهات " بينما يرى الأب ضرورة الكثرة في الإنجاب " نحن نحتاج إلى شعب لتبقى المقاومة كالشلال الدافق " .. ويجيب ابنته التي لفتت انتباهه للأبنية العالية والإشارات الالكترونية المرورية الحديثة المستحدثة .. بأن هذا سيزول ولن يدوم لهم .. وفي الطريق يشير إلى آثار معركة الفالوجا التي خاضها عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار . وتقطعت كلماته في غصة وهو يتحدث عن ربوة الفالوجا ورحى الحرب التي دارت عليها .. ولم يعد عليها غير " بقايا حريق اسودت لها الأرض ولم تنبت فيها نبتة تنبض حياة " .. وفي قلب صحراء بئر السبع يعيش البدو الرحل الذين فضلوا حياة الخيام والتنقل في الصحراء .. وفشلت سياسة الاحتلال في أن تجعلهم يستقرون في مكان واحد بعد أن بنت لهم فيه بيوتا ليناموا تحت سقفها . واحتفلت العمة التي طالما تحدث عنها الأب وتراها بناته لأول مرة .. ولاحظن " إنها ترتدي طاقية صوفية مغزولة من صوف الماعز بألوان حمراء رصت على جوانبها جنيهات ذهبية " .. تبدأ من الحواف وتنتهي أسفل الذقن بجنيه كتب عليه " قسطنطينية " .. وعرفن منها إنها تسمى " العراقية " ورثتها عن أمي وأمي ورثتها عن جدتي " زبيدة وعندما تخلعها لأخذ حمامها يصيبها وجع الرأس وترتدي العجوز " أم ياسر " مثلها لكنها مغلفة بقماش أسود حزنا على فقدانها ابنها – ياسر – والذي كان سببا في خبي بريق عينيها . وفي مجلس الرجال الذي ينعقد في بيت العمة .. يتحاكون عن الاحتلال وتخاطبهم العمة عن دور النساء في مواجهة غزو الرومان لدير العسل ودير رازح " كن يتقدمن الصفوف وينزعن أوتاد الخيام ويتصدرن المعارك قبل وصول الرجال " .

وفي مغارة منحوتة في قلب الجبل كانت ملاذا للفدائيين عاشوا فيها سنوات المقاومة .. تتردد الأحاديث عن الرجل المبروك الذي يعيش فيها في غموض " لا يشعر بالبرد عاري الجسد صيفا وشتاء " . ولا يخرج إلا ساعة سقوط الثلوج من عتمة سراديبها زاحفا عاريا .. وينظر إليه الجميع من خلف الشبابيك يترصدون كلماته لأنها نذير .. جلجل صوته في ليلة ثلجية " مات جمال . مات جمال " .. فيعود الزائرون أدراجهم وهي تفتش في المذياع عن محطات الأخبار .. لكن الذبذبات والترددات تحمل غناء المجموعة " ثوار . ثوار لآخر مدى ثوار . ثوار " .

في المدرسة من خلال ذكريات يغلفها الضباب .. وقفت المدرسة تتمتم من خلال دموعها بشفاه مرتعشة .. مات جمال .. ثم هوت على مقعدها وانفجرت في بكاء محموم .. وفي البيت تنسحب دموع الأم في صمت عبر خدودها على ملابسها . بينما يغرق الأب في صمت يتابع ما يبثه المذياع من كلمات تنثر الدموع على " جمال " الذي جعلته كلماته يختار طريق الثورة .. وتحمل الصور – البطلة – إلى القاهرة وهي تشاهد موكبه على كوبري قصر النيل مع أمها .. وتتالي الصور لتبدو منها عودتها إلى غزة بعد أن أنهت دراستها .. ومعها البوم صور له " من طفولته إلى آخر لحظة في حياته " . وبينما كانت الجموع تتدفق لوداع القائد في جنازات رمزية .. شاهدت بعد أن اعتلت سطح بيتها .. شاهدت حشود الدبابات في الشوارع والرشاشات المصوبة وسمعت ضحكات ماجنة . وكلمات بعربية ركيكة " لقد مات حبيبكم " بينما يتواصل التدافع والزحام في وداع حبيب الملايين .

يأت الخال لزيارتهم فيعرف أن الأب والأم سافرا إلى "الخليل" .. فيقرر البقاء معهم لحمايتهم إذا ما تعرضوا الخطر .. " الجيش يملا الطرقات العربات مصطفة إلى أخر الطريق تقف وراء الحواجز المغلقة " وقد تطول ساعات الانتظار إلى الغد .. ويوم العيد يذهب الأب لزيارة المعتقلين في سجن " بئر سبع " الذي صمم الحاكم العسكري علي تحديده للزيارة .. ولم تكن ثمة ممانعة فالجميع أبناء للزائرين .. حملوا إليهم الحلوى التي رفض بائعها ثمنها عندما عرف إنها ستذهب للمعتقلين أول أيام العيد .. والذين هبوا من يأسهم عندما علموا بنبأ انهيار خط بارليف .. وتخاطفوا جريدة " القدس " التي حملها الأب .. ثم ألقاها على مكتب قائد السجن لتستقر تحت مسقط عينيه بعنوانيها التي تحمل " عبور القوات المصرية القنال .. انهيار خط بارليف " .

ومن خلال قصة " مكان البطل " التي كتبها ماجد " وأهداها إلى روح الشهيد إبراهيم أبو دية " الذي لقبه " صبحي طوقان " في الموسوعة الفلسطينية بأشجع الثوار .. تبدو بطولة احد الشهداء الذي باع أرضه ليشترى السلاح .. أتى به من " مصر " عبر الصحارى ليواجه به الإنجليز والعصابات اليهودية .. وعندما تسرب الخبر إلى الإنجليز حاصروا بيته وداهموه . فخرجت زوجته " بين جموع الجيش منتفخة الجسد لفت على جسدها البارود والسلاح ومضت أمامهم بخطي متئدة واثقة مرفوعة الرأس تمضي بأحمالها تحمل عبق الأرض الذي ضم جسدها بقطع السلاح " .. واعد العدة لمعركة " صوريف " والتي واجه فيها هو ورجاله الإنجليز في معركة " كفار عصيون " قد شارك فيها رجال الملك بعد أن كسروا أوامره .

فقدت الجدة هويتها من أيام الهجرة .. وعندما أرادت أن تبحث عن ابنها " كاظم " بعد انتهاء الحرب لأن زوجته تريده بجانبها يوم ولادتها .. فتقترح عليها الأم أن تحمل جواز مرور العمة "فاطمة " وتتسمى باسمها حال عبورها نقاط التفتيش .. وتنسى إنها تسمى " حورية " وإذا ما تجاسر الجنود عليها تدعى قلة السمع .. وبعد سفرها تفتقد الأم عودتها مع العائدين .. لكنها لا تيأس وتتعلق ببقايا أمل لأيام قادمة مع العائدين .. وتعد العدة لزيارة بيت الجدة .. ويكون اللقاء بامرأة الخال الذي ذهبت لتبحث عنه .. والذي تسأل ابنته أمها عن شكله .. ثم تمرض – الابنة – وتموت قبل عودته هو والجدة .. وتظن أمها إنها هي التي تسببت في موتها وتريد أن تعاقب نفسها لكن تمنعها النسوة .. ويصيبها مرض عضال استفحل في مراكز حساسة بالمخ يتم اكتشافه في مرحلة متأخرة .. وتقضي نحبها وتدفن بجوار ابنتها .

تعود الجدة وابنها كاظم . وتذهب الأم لرؤيتها رغم منع التجوال .. يحكي لها كاظم عن أيام سجنه في الضفة الشرقية .. ويسألها عن شكل ابنته التي ماتت قبل أن يراها .. ويعود إلى عمله على المخرطة التي داهمها الجيش كثيرا وهو يسال عن مكانها وما يحتويه .

في أيام الحصار ووسط حظر التجوال يصير الحديث هو متنفس الأرواح .. ويجمع بين النسوة في أيام الاستقبال والتي تلف من بيت إلى بيت حيث تتالى الزيارات في أيام محددة .. إلا أن النسوة تستقبل أم العبد بدهشة وتحفز .. لأن زوجها قبل العمل في جهاز الشرطة في زمن الاحتلال .. ويعرف الرجال أنه مصدر الوشاية بهم .. والتي كانت سببا في استشهاد بعضهم .. وتسمع طلقات رصاص في الليل وتكتشف جثة أبو العبد في الصباح بزيه البوليسي المعفر بالدم والتراب .. وشاراته مزقت ود فست في نعليه .. ولم يستطع الاقتراب منه إلا زوجته وأبناؤه .. وتوقفت " أم العبد " عن الزيارات التي تجمع بين النسوة في يوم الاستقبال .

يشرع اليهود في الاستيلاء علي المباني الحكومية والمدارس .. فتهرع الجموع لحمل ما بها من أثاث وكتب قبل أن تقع في أيديهم .. وتبني الأم بيتا علي ارض ورثتها عن أجدادها .. وتؤكد أنه سيكون مشتى للأسرة أما الصيف فسيظل في بيت الأسرة .. والذي لا يجدد الأب فرشه لاعتقاده بأن " بيجين " سيلقي بهم يوما في الصحراء ويحول بينهم وبين بيوتهم .. وتتحداه الأم بأن ما حدث في الماضي لن يتكرر .. وكيف ستكون هناك هجرة أخري .. لكنها تفاجأ بهدم بيتها تحت بصرها .

خلت ساحات المدارس في أول يوم تحت وطأة الاحتلال .. ومن بين الطالبات تبدو أحداهن لم تر مسقط رأسها .. " كان لنا دار وحديقة وأرض زرعها أبي .. ولكن عيني لم تر غير بيتنا في المخيم " .. وأخرى ماتت أمها .. " كانت تحلم بالعودة ولكنها قضت في بيت من تنك " .. ويعقب سماع هدير وصوت محركات وعربات عسكرية حضور زائر من جيش الاحتلال .. يحمل الهدايا ويعدهم بأنه سيوفر لهم الأجواء الدراسية ليتقدموا وليفوقوا .. لكنهم يتركون هداياه ويلتئم شمل الجميع في مظاهرة ضد الاحتلال .. تكررت مما دفع بجيش الاحتلال إلى اقتحام ساحات المدارس وملاحقة المتظاهرين داخل الفصول .. وتناوب جنوده " الضرب وتكسير العظام " وسالت الدماء وتناثرت الكتب والأقلام .

يغشي على الأب في المحكمة .. ويرفض الذهاب إلى المستشفي بعد أن تسرع إليه الأم .. ويعود معها إلى البيت حيث يقضى نحبه .. ويتم دفنه في البرية وسط الشهداء .. بينما تموت الأخت في بلاد الغربة . ولا يسمح للأخ بالسفر إليها .. وعندما ألقى به رجال الأمن خارج المطار بعد ختم جواز سفره بالرفض .. " أطبقت طرقات المدينة على أنفاسه . ضاقت واستحكمت وضاقت وسبحت كلماتها في بحر دم يجرى في كيانه جسدي هناك فمن يحمله ".

كان ذلك ختام ما تحمله الأوراق المبعثرة التي شدت نظرات البطلة – الرواية – بعد سماعها رغبة ابنها في رحيل أبيه عنهما .. والذي تم اختزاله في أبداء الأحداث من خلال منظور عام .. حمل فقط ما يمكن أن يسمي بمحور مضمون الرواية .. ودون ذكر للكثير من التفصيلات الكثيرة التي تجسد صورة المكان . وعمق الإحساس بلحظات الأحداث التي تتالي وفق مسار قد يتداخل أحيانا .. لكنه يبقى حاملا في مجمله للأجواء المقبضة التي تخيم على حياة الشخصيات وأماكن تواجدها .. وراسمة دائما لآت بآمال مدفونة في رحمه .

بعد ذلك تبدو البطلة على باب المركز الرئيسي للبريد .. ثم دخلته لرسل رسالة .. تلتقي بامرأة فلسطينية تخاطب موظفة الشباك بأنها تريد أن تبعث برسالة إلى فلسطين .. عرفتها من لهجتها .. " فلسطين بفتح الفاء لا تقولها إلا فلسطينية " .. عاونتها في كتابة العنوان بما استجد عليه ليصل إلى من تريد .. وعرفت منها أنها كانت متزوجة من رجل مصري لم تنجب منه خلالها ثم رحل عنها بعد سبع سنوات ولم تتزوج بعده .. وعندما حاولت الحصول على تصريح بالعودة قوبلت بالرفض .. وتخشى أن تموت بعيدة .. فعادت أدراجها من على عتبة البريد وهي تخشى أن تموت أيضا بعيدة .

وكأنما حمل العود الثامن والعشرون – الفصل الأخير في الرواية – من أعواد ثقاب " بشرى أبو شرار " تأكيد الخشية من الموت خارج الوطن .. باعتبارها الهم الأساسي والمقلق دائما للإنسان الفلسطيني الذي يعيش رحلة الأبعاد القسري عن مسقط رأسه .. ويتوسم في الآتي تحقيق أمل العودة الذي لا يبدو ما يخرجه من رحم المجهول .. بينما الأعواد – فصول الرواية – السابقة تبدي العودة إذا ما تحققت كزيارات مشروطة ومؤقتة .. وتضع من تتاح له بين رحى القهر الحياتي في ظل الاحتلال .. وبين الإحساس بالضياع في مواطن اللجوء .

واختزال هذا النظر – بين معاناة الداخل والخارج – بالنسبة للرواية .. ليس مجرد استسهال لماهية النص الروائي ..وإنما يبدو ما يسانده في سياق السرد والتراوح الزمني المتداخل .. عبر مساره ابتداء من مدخل الرواية – في البداية – وحتى نهايتها .. وبالإضافة إلى ذلك حدوث الفراق الأسرى الذي يتمثل في عدم اجتماع شمل الأسرة .. سواء كان ذلك بسبب الاعتقال في الداخل .. أو بالحئول بين العودة لمن في الخارج .. وهذا بالنسبة لأفراد الأسرة الذين سبق لكل منهم أن رأى الآخر .. ويرون أن ما يحدث هو من الأمور العادية .. أما الذين يحول الفصل بينهم وبين أسرهم عن رؤية بعضهم ولو لمرة واحدة .. يتعرف كل منهم من خلالها على وجه الآخر ويتعرف على ملامحه .. فالأمر يختلف .. إذ تبدو الرؤية المستحيلة محصورة في دائرة الاستفهام .. فالزوجة التي غاب عنها زوجها قبل أن تضع حملها منه تسألها ابنتها " أمي ما شكل أبي " .. ثم تقضي نحبها قبل خروج الأب من السجن والذي يسال بدوره بعد عودته عن شكلها .. وهل كانت تذكره ." ما شكل الصغيرة ابتسام ".." هل ذكرتني فايزة " .. ومن ثم تكون الرؤية المستحيلة وإن كانت تبقي هاجس الحال الأشد إيلاما .. رغم أن الكاتبة عرضت لها من خلال إشارة مجتزئة .. بعدا آخر من أبعاد مأساة الشتات الأسرى .

لقد جمعت الكاتبة من خلال أعواد روايتها بين العديد من المآسي التي يزخر بها الواقع الفلسطيني المعاش في ظل الاحتلال .. بدأ ذلك بتركيز على صور منها من خلال نماذج إنسانية نعيش الهم الحياتي بصعابه المفروضة عليها .. حصار .. ومنع التجوال .. وملاحظات للمواطنين ومداهمات لبيوتهم .. وكل ما يتراءى للمحتمل الباعث للرعب لكل من يتواجه معه .. ومن ذلك تماثله للبطلة عندما جازفت بالذهاب إلى الفرن لخبز رقائق العجين " جسم ضخم يقترب مني يتهادى ببطء .. لا أمل في التراجع والفرش الخشيي يضغطني إلى أسفل قاع الأرض ولكني لازلت أمد الخطي والجسم يقترب مني والأرض تميد بي وأنا أنغرس فيها أكثر وأكثر .. ومجنزرة تلتف نحوي والجسم الضخم يتعلق أمامي " .. كما تعيش هاجس الاعتقال والزج في السجون ومعاناة صنوف التعذيب داخلها " تقليم أظفر .. اجتثاث أسنان " وتحكمها بوابات الكترونية حديدية .. تتالى وسط دهاليز وممرات تؤدي إلى زنازين تفوح منها " رائحة العفن المتبخرة من جميع الزوايا من مكان لم ير الشمس من سنين .. أرض متحفزة داكنة في أحد أركانه ثغرة اتخذت شكل مرحاض " .. لكنها لا تخلو من آثار المعتقلين داخلها " جدران متآكلة حفرت عليها كتابات مائلة .. نقوش .. علامات أظافر .. بصقات دم .. كتابات متشابكة .. متفرقة .. ضاعت معالمها .. لن نركع .. لن نفرط .. لن نخون " .. تؤكد أن كل ما يتعرضون له لن يثنيهم عن الاستمرار في المقاومة .. فهم " أبطال سطروا تاريخهم ولكن حوائط السجان أبت إلا في إبقائهم لتثنيهم .. تركيعهم .. فحالت حوائط وقواطع حديدية وحواجز بينهم وبين سطور بيضاء نحتوا لها مراقد تشع وتزهو لتظل أبدية " .. لكنهم أبوا للاستسلام الذي يدعوهم المحتل إليه .. وإذا ما تعرضوا للموت " فالبرية تستقبل الشهداء .. ترسم ابتسامتهم وتقوي وتشد من سواعد الرجال الآتين بهم إلى الأرض يفجرون طلائع لوجوه بهية " .. لا تضن على المقاومة بالنفس أو المال أو الجهد الذي بدأ في تخيل البطلة لوالدها واقفا في ساحة المحكمة مترافعا أو يمشي مسرعا يمد الخطى ووراءه عدد من الرجال ليلحق موعد زيارة المعتقلين في سجن غزة متشبثا بما يحمله من عرائض وطعون وتظلمات ومقابلة للنائب العسكري " .. فالكل يعيش تحد المقاومة في رفض قاطع للاحتلال .. والذي لا يعرف لها مدى ويرى أن بنات اليوم سيكونن أمهات الغد .. بينما الآباء يرون الكثرة في الإنجاب ضرورة " لتبق المقاومة كالشلال الدافق .. ومتجددة دوما برموزها " عز الدين القسام .. كمال ناصر .. آيات الأخرس .. يحي عياش .. كمال ناصر .. وغيرهم من الراحلين من أبناء الوطن .

لقد عرضت الكاتبة في روايتها لحياة الإنسان الفلسطيني في ظل الاحتلال كالسالف بيانه .. ولم يأت ذكر المقاومة إلا من خلال ما يمكن أن يسمى بإشارات إليها .. وبما يبديها كضرورة فرضت .. وكقدر لا مفر منه . فقد أسهبت – الكاتبة – في الوصف التفصيلي للأمكنة والعادات والممارسات الحياتية .. فبيت البطلة له " بوابة حديدية عيدان العنب وأوراقها تستقيم على حواف البوابة وأوراق أشجار الليمون اشرأبت من فوق سور حديقتنا تزهو بأحمالها " .. ممر طويل في نهايته أربع درجات . شباك ملحق الحديقة . قطوف عنب متدلية . أغصان متعر بشة . بهو . بلاط على سطحه الأملس خطوات منحوتة . غرف كثيرة . بحمامه حوض كبير . غرفة الخزين بها أجولة جمع فيها حصاد الأرض . صناديق خشبية تحتوي قطع السكر ." جوال الطحين الأبيض يجاور جوال القمح الخالص . وحبات الفريك متناثرة على أطراف الجوال وفي الجانب الآخر فرشت أجولة الخيش الفارغة وعليها البطيخ والباذنجان صفائح زيت الزيتون والزيتون الغارق في الزيت . وقطع الجبن الأبيض من حليب الماعز متناثر في مائه حبة البركة السوداء ".. وعمتها " بقامتها الممشوقة وعينان عسليتان مطعمتان بخضرة الجبال في ربيعها فتحار في لونها من عسلية أو زيتية ولون وجهها الصافي كصفحات مياهنا رقراقة . ترتدي ثوبها المطرز بكل الحكايات رسومات من خيوط حريرية اعتلت صدرها لتأخذ جنبات ثوبها لتنساب إلى ذيله . وزنار من القماش فيه لون العناب لفته بخصرها شدته بإحكام وراء ظهرها بعقدة تتدلى منها قماشة .. وأكمام ثوبها تنزل من أعلى كتفها فيزداد اتساعها لتلمها من الأمام وتثنيها وتعقد الرد نين من أمامها وتزيحها خلف ظهرها فتظهر أكماما لرداء آخر ترتديه من تحت ثوبها .. بغطاء رأسها الأبيض المضمخ بماء الزهر وقد حاكت على أطرافه الورود وأوراق الريحان ".. وهذا الإسهاب في الوصف التفصيلي من خلال رؤية البطلة له اعتمدت عليه الكاتبة في كثير من فصولها كتمهيد متنام لأحداثها وليس كخلفية له .. ومن الممكن اختزال كل ذلك في تشكيل الأجواء المحيطة بها وتجسيد صورها بشكل يبديها في تماثل مع واقعها .. وفي أن المقاومة فعل يرتبط في الأساس بالمكان .. تنمو بذوره في الأساس من خلال ممارسات ألعاب الطفولة .. " في حديقتنا ألعابنا كلها حربية . نحفر الخنادق ونلم عيدان الدوالي المترامية نصنع منها البنادق وأحجار نلملمها في أيدينا قنابل وأصواتنا تجأر في البدء لهجوم لنعدو نحو خنادق حفرناها نلوذ بها من الطلقات المتوالية من حناجرنا .. يطول بنا الوقت مرات ونحن نغرس عيوننا في طين حفرنا الضيقة فتكاد تسعنا .. ننظر منها إلى سمائنا زرقاء وطيور تزقزق .. عصفت بنا صفارات ونفاثات تسبق سرعة أصواتنا " .. ذلك ما عاشته البطلة في طفولتها حتى بدأت حرب 1967 .

من الواضح أن الكاتبة قد جعلت من الحرب – 1967 – بداية لزمن المقاومة .. والذي من الممكن اعتماده كزمن للرواية .. رغم ما بدا من ارتداد لزمن المقاومة إلى ما قبل وقوع هذه الحرب من خلال حديث الجدة عن المعارك بين " الدهيشة " إلى " صوريف " .. ثم القسطل حيث تم ذبح خمسين رجلا من اليهود .. وطلب الإنجليز من الأهالي انتشال أشلائهم عقابا لهم ..

فالزمن يمتد بعد الحرب كما تشير الأحداث التي تلتها .. وفاة عبد الناصر .. وعبور المصريين خط بارليف .. وكما بدا من خلال أسماء المدن التي وقعت في قبضة الاحتلال – غزة , الضفة الغربية , رفح – وجميعها من الأرض المحتلة في حرب 1967 .. وينحصر – الزمن – بين طفولة البطلة التي عاشتها في مسقط رأسها .. وحياتها بعد ذلك بين المصريين .

أبرز هذا الامتداد الزمني صور معاناة الإنسان الفلسطيني في ظل الاحتلال .. والتي بدت من خلال طفولة البطلة وتنقلاتها وزياراتها ومشاهدتها للأحداث التي تعد جزءا منها .. وتخيلها لما حدث في غير حضورها .. عدو الأم إلى بيتها بعد سماعها بنبأ الجرافات التي تتجه ناحية الأرض لتهدم البيوت .. وزيارة الأب للمعتقلين في سجن غزة .. وجنازة عبد الناصر .. ووفاة الأب بين يدي أمها .

قد لا يبدو ذلك – الامتداد الزمني – واضحا من خلال البناء الروائي الذي اعتمدنه الكاتبة .. وميلها إلى تقسيم الشكل العام بالصورة التي بدا بها .. وفق تقسيم فصلي سمته أعوادا بعناوين خاصة بكل منها وكأنها قصصا قصيرة بمصطلحاتها التقنية والفنية .. ففضلا عن اجتزاء المشهد الواحد – كما بدا في بعض الفصول – ثمة التوحد الزمني الذي توافر فيها .. وذلك على خلفية الصوت الواحد للرواية الذي يوحي إلى واقع الحال .. في فترة زمنية متصلة .. ويؤكد هذا النظر جمع العدد الأكبر من فصول الرواية – من الثالث إلى السابع والعشرين – في زمن متصل ومحدود لا يتناسب مع طول زمن أحداثها .. وهو زمن قراءة البطلة للأوراق التي شدت انتباهها في الفصل الثاني .. ومن ثم يتماثل البناء الروائي من خلال سياق السرد وبمنظور عام .. في مجموعة من المشاهد تتلاقى وتبتعد على إيقاع مأساوي .. بساطه الحزن الخالي من لحظة فرح .

فثمة قطع في المسار الروائي بعد العودة الاضطرارية للبطلة – مثلما بدا في الفصلين الأول والثاني – فرضه اهتمام البطلة بالإبحار في ذكريات فترة سابقة من حياتها .. تبعه قطع آخر في اكتمال مفترض لمار الأحداث .. تمثل في غياب فترة ليست بالقصيرة من زمن الرواية – تبدي ما حدث للبطلة – وهي التي ما بين الظهور مع الابن الكاره لأبيه .. والظهور في النهاية مع العجوز التي تشاركها حلم العودة للوطن حتى لا تموت خارجه .. إلا أن تحديد نهاية مثلما بدت في العود الثامن والعشرين من الممكن أن يجعلها وكأنها ورقة من الأوراق المبعثرة التي بدت في العود الثاني من الرواية .. وتبقي مساحة الرواية كزمن قصير بدا في العودين الأول والثاني ومن ثم يمكن اختزالها في زيارة لأرض الوطن أرغمت البطلة علي قطعها لتعود للعيش كما كانت خارجه .

واعتماد السرد كخط أساس في الرواية .. والذي بدا على لسان الرواية بإحساس معاش فرضه واقع حقيقي .. هو بمثابة مسار مفتوح ومتصل لا يسقط أي اجتزاء ينال من اكتماله .. وإذا ما كان ثمة قفز على الضروري من الأحداث .. فقد بدا النص الروائي في مجمله في شكل انتقاء لأحداث معينة ثمة واقع يجمع بينها وبين شخصياتها .. بغية توظيفها في عرض مضمون معين .. ويساند هذا النظر اعتماد الكاتبة لواقع حال الإنسان الفلسطيني في ظل الاحتلال كخط أساس لمضمون روايتها .. والتي لا تخرج في مجملها عن كونها إبداء المعاناة للباقين داخل الوطن ومن غادروه واستقر بهم المقام خارجه .. طرحتها الكاتبة مع تضمينها إشارات تاريخية بارزة .. كحرب 1967 ووفاة عبد الناصر وعبور المصريين لخط بارليف .. ووفاة البارزين من رجال المقاومة .. وأن كان ذلك قد بدا بشكل مباشر إلا أنه لا ينال من ضرورة الالتجاء إلى هذه المباشرة لما تمثله من ارتباط بالواقع الذي عرضت له الرواية .

فالرصد المباشر للأحداث .. ورسم مشاهدها بتفصيلاتها التي تبديها بمصداقيتها .. والتعبير عنها بصيغة حسية .. وتجسيد المأساة الإنسانية .. هو بمثابة دعامة لرؤية منطقية لجزء من تاريخ يزخر بفضاءات المقاومة والكفاح والتي لا تخلو من الخيانة أحيانا .ز تقع كحادث عارض أثره العابر يبدو كنغمة نشاز لا تنسب إلا لعازفها .. وقد عرضت لها الكاتبة بما يبدي واقعها على من أصابتهم سهامها وما تجنيه على أسرة من يرتكبها إذ تبدو منبوذة من الجميع .. وقد اختزلت الكاتبة التعبير عنها في " أحمر شفاه " وهو العود العشرون في الرواية بكونها لا تعدو سوي أوراق شجر تسقط في خريف البلاد .

من ثم ففضاء الرواية وكما أرادته الكاتبة .. بدا بمدلولاته الطبيعية كشهادة تماثل الواقع .. تضاف إلى غيرها من الشهادات التي يزخر بها الأدب الفلسطيني .

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

السيد الهبيان

إميل :elsayd_elhabian#yahoo.com

للمراسلة :

45 شارع القبة – محرم بك – الإسكندرية –

جمهورية مصر العربية .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007