[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حاجة في نفس طروب  
التاريخ:  القراءات:(5564) قراءة  التعليقات:(22) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : دكتور محمود عبد الناصر نصر  
-1-

تركز انتباه جميع الطالبات على أحداث "هاملت" التي كان يعرضها عليهم أستاذهم دكتور الأدب الانجليزي بالجامعة. استحوذت مشاهد المسرحية على عقولهن و أسرت تفكيرهن, فهناك من يعدو خيالها لتتصور الشبح و هو يخاطب هاملت, و هناك من ترى نفسها تقوم بدور الأمير لتنطق أمام المشاهدين "أكون أو لا أكون", و هناك من طلَّقت حواسها ما يتبادر إليها من كلمات و خيالات و تصورات و أحداث و ركزت جل اهتمامها على الشخص الجالس خلف المنصة متناولاً "هاملت" بالشرح و التحليل. بدلاً من أن تقوم بتحليل المسرحية, كما تفعل زميلاتها, من حيث أحداثها و شخصياتها و خصائصها الفنية قامت بهذا التحليل لذاك الشخص المتمثل في أستاذها. شاب وسيم في ريعان شبابه, اجتمع في تركيبته كل ما هو جميل و جذَّاب. الوجه الأبيض, ناصع البياض, تعلوه الابتسامة العذبة الرقيقة, لا تفارقه حتى أثناء انشغاله بالمحاضرة. العيون الكحلاء كثيرة الحركة لا تستقر نظراتها على شيء واحد أكثر من ثوان معدودة. الشعر الأسود الفاحم اللامع ينسدل على جبهته في بهاء و وقار. الشفاه الصغيرة الجذابة تتحرك حركات رومانسية لينتج عنها أعذب و أدق نطق للغة الانجليزية سمعته أذنها على مدار السنوات الأربع. الأيدي الناعمة شديدة البياض تلَّوح يميناً و يساراً, ثم ترتفع بالقلم لتكتب على السبورة البيضاء. ركزت انتباها على البنصر الأيمن ثم الأيسر, فلم تجد في أي منهما ما اهتمت بالبحث عنه. البذلة السوداء تنسجم مع القميص الأبيض و رابطة العنق القرنفلية. الموبايل ذو الماركة التي لم ترها من قبل, و الذي بين الحين و الآخر و عند استقباله لمكالمة يرسل إلى مسامعها أغنية إنجليزية ودَّت أن تطول, و لكنه سرعان ما يكتمها لانشغاله بالمحاضرة. غيرها و غيرها أشياء كثيرة ظلت تقلب بصرها فيها. جلس الدكتور يستريح لدقيقة متناولاً فنجان قهوة. علا صوت الطالبات, منهن من يسترجعن ما فاتهن من المحاضرة, و منهن من يسألن عما عسر فهمه, و منهن من ظلت جالسة واجمة محملقة فيمن أصبح قبلتها و مقصدها في هذه المحاضرة التي تمنت أن تطول فلا تجد نهاية. انشغلت عيناها, فانشغل عقلها, و شرد فكرها, فكان هاملت من نصيب الطالبات و الدكتور من نصيب تفكيرها.

-2-

محاضرة تلت أختها, و في كل مرة تخرج طروب بالمزيد و المزيد من المعلومات عن شخصية هذا الدكتور. لم تعد تعبأ كثيراً بشكسبير أو تهيؤات هاملت. لقد صار هاجسها الوحيد الوصول إلى هذه الشخصية الساحرة التي استقطبت اهتمامها, و صممت على تنفيذ خطتها.

-3-

في مكتب أنيق منظم كصاحبه, جلس الدكتور جمال ممسكاً بقلمه يكتب بعض الأوراق, و قد تناثرت أمامه القواميس و الكتب الانجليزية. يؤنسه في جلسته صوت نجاة بهمسها الرقيق الدافئ و هي تشدو ب"عيون القلب ", أغنيته التي لا يطيق فراقها. دقًّت الساعة الثالثة عصراً, و قد بدأت الكلية تخلو من الطلاب و الطالبات. سمع الدكتور نقراً على الباب و صوت يقول "مساء الخير يا دكتور, هل يمكنني أن أدخل؟" نظر الدكتور من فوق عدسات نظارته و الابتسامة تعلو وجهه قائلاً" مساء الخير, تفضلي." دخلت طروب ممسكة بكتبها في يدها اليمنى و بحقيبتها في يدها اليسرى, و قد بدا عليها الارتباك لدخولها المكان لأول مرة. استجمعت قواها و نطقت قائلة "أود أن اسأل حضرتك بعض الأسئلة؟" اتسعت الابتسامة على وجهه و هو يقول "تفضلي" مما شجعها و بثَّ لديها القدرة على مواصلة الحديث. أشار إليها للجلوس على الكرسي أمام مكتبه, و قدم إليها علبة شيكولاته, فأخذت واحدة مع تقديم الشكر, ثم بدأت الحديث قائلة بصوت متردد "أنا طالبة عند حضرتك في الفرقة الرابعة في مادة المسرحية. أريد أولاً أن أُبَّلغ حضرتك إعجاب الطالبات بمدى تمكنك من المادة و كيفية عرضك لها و حماسك نحوها و إعجابك بها. لقد نمى لدى كثير من الطالبات دافع مفاجئ هذا العام لاستكمال الدراسة للحصول على درجة الدكتوراه مثل حضرتك. أريد أن أسأل حضرتك عن عنوان رسالتك للدكتوراه و من أين حصلت عليها؟" تعجب الدكتور لمثل هذا السؤال, و لكنه وافق أن يرد عليها قائلاً "رسالتي عن خطابات الحب بين روبرت و إليزابيث براونينغ. حصلت عليها من كلية الآداب, جامعة القاهرة". بادرته طروب بسؤال لاستكمال تلك المعلومة بهدف الوصول إلى شيء في عقلها, "كم استغرقت في إعدادها"؟ استكمل حديثه قائلاً "استغرقت ثلاث سنوات بعد سنتين في الماجستير". صمتت طروب لثوان كان عقلها أثنائها يجرى عملية حسابية, كانت نتيجتها ما احتفظت به لنفسها. فجأة رن هاتفه فعلا صوت الأغنية الإنجليزية ثانية. ردَّ الدكتور على المكالمة بسرعة, ثم نظر إلى ساعته, فأحست طروب بأن الوقت المسموح به لها قد انتهي, فنهضت و هي تتمتم بعبارات الشكر, و عيناها تحدِقان في أستاذها كما لو كانت ترى فيه شيئاً لا يراه سواها.

-4-

على مكتب أنيق حاول التشبه بسابقه, تناثرت الأوراق و الكتب الانجليزية, و سُمع بجانبه صوت نجاة تشدو بصوت منخفض جداً, جلست طروب و قد دقًّت الساعة الثالثة صباحاً. الناظر إليها يظن أنها ساهرة على مذاكرتها, و لكن الواقع غير ذلك. لقد جلس الجسد على الكرسي خلف المكتب و قد أحاطته الكتب, و لكن العقل هائم فيمن بدأ يأسره و يشغله و يملأ فراغه. لم يعد العقل التاله يستطيع التركيز فيما هي مكتوب في الكتب. لقد أصبح همه تذكر ما رآه و ما سمعه و ما قاله. لا تكاد طروب تصدق أنها قد جالسته لخمس دقائق و بادلته الحديث و ابتسمت إليه و ابتسم إليها و سألته و أجابها و ودعته و ودعها. هل هذه حقيقة أم من صنع خيالها؟ هل بدأ يشعر بها, أم أنه لم يعرف اسمها بعد؟ نعم, لم تُتح لها الفرصة لتقديم نفسها له. إذن في المرة القادمة ستحاول تحقيق ما فاتها. هل لو عرف اسمها ستنال نصيباً من اهتمامه, و تستحوذ على جزء من تفكيره؟ أم أنها مجرد طالبة مثل آلاف الطالبات ممن يجلسن أمامه؟ هل إذا ما ذهبت إليه مرة أخرى سيسيء الظن بها؟ أم أنها ستكون فرصة لزيادة معلوماتها عنه و معلوماته عنها؟ هل ستشعر زميلاتها بمثل هذا الميل الذي بدأ يتولد لديها نحوه؟ و بالمناسبة, ما طبيعة هذا الميل و ما كنهه؟ إنها ما زالت طالبة لم تتخرج بعد من الجامعة, و لم يتجاوز عمرها الثانية و العشرين, و هو دكتور قد يكون قد قارب الثلاثين, أو تخطاها. هل هذا معقول أن تستحوذ طالبة على اهتمام دكتورها؟ هل هذا معقول أن يفكر دكتور جامعة في طالبة من طالباته؟ هل ميلها نحوه نوع من الإعجاب أم الاحترام أم محاولة التشبه به أم ...؟ سألت طروب قلبها فهمس إليها همسات لم يسمعها سواها, احمر على أثرها خداها و اتسعت مقلتاها.

-5-

جلس الدكتور جمال في آخر محاضرة له مع طالبات و طلاب الليسانس لإنهاء مهمته معهم لهذا العام. توالت الأسئلة من قِبل الطالبات حول طبيعة الامتحان و أسئلته و درجاته و أشياء أخرى يردن استيضاحها قبل انقطاع علاقتهن بأستاذهن. أجَّلت طروب أسئلتها لأن أسئلتها ليست لها علاقة بما يثار حولها من تساؤلات. تمنت أن تطول فترة لقاءها به هذه المرة لأنه سيكون لقاء الوداع. استجاب لها القدر بعشر دقائق للجلوس معه. جلسة كاد قلبها الذي أترعه إحساس لم تعرف كيف تصفه أن يقفز من قفصه ليبوح بمكنونه لمن كان سبباً في إفعامه بهذا الإحساس. كاد لسانها أن يفشى سرها و يبوح بما ظلت تكتمه أياماً و أيام, و لكن عقلها حاول السيطرة على زمام الأمور قدر الإمكان فبث شيئاً من الهدوء في القلب و ألجم اللسان حتى لا يزل أو يتعثر, إلا أن سلطان عقلها لم يستطع أن يمنع عينيها من التعبير عما يجيش في حناياها, فإذا بالدموع تغلبها, و إذا بأستاذها يسألها عن سبب بكاءها فتأتى إجابتها "بسبب فراق حضرتك يا دكتور". أحست طروب بأنها حققت إنجازاً كبيراً خلال هذا اللقاء. لقد عرف اسمها و عنوانها, و تبادلت معه أرقام الهواتف على أمل منها بلقاء آخر و مع تمنياته لها بالنجاح و التوفيق.

-6-

حصلت طروب على ليسانس اللغة الانجليزية, و ها هي تسعى للحصول على وظيفة. مضى على تخرجها أكثر من ستة شهور, لم تنقطع خلالها عن التردد على الكلية تحت ذرائع مختلفة. ما زالت ذكرياتها حية تنبض بالحياة. لا, لن تجعل منها ذكريات. ستحاول مواصلتها حتى و إن استلفت ذلك انتباه من حولها. ها هي طروب في زيارة إلى كليتها بحجة تقديم أوراقها لاستكمال دراساتها. عيناها تتفحصان الكلية من جميع أنحاءها ككاميرات المراقبة. أين هو؟ وجدت مكتبه مغلقاً. سألت بعض الطالبات فعرفت أنه في محاضرة في مدرج

- 1 -
. اقتربت من المدرج فسمعت صوته من الداخل. خفق قلبها و تسارعت أنفاسها و أصابتها رعدة في أطرافها, كأنما تتذكر جوارحها شيئاً مضى و تستلذ بذكراه. فُتح الباب و ها هو يخرج بابتسامته العذبة. هل سيراها؟ هل سيستدل عليها وسط حشود الطالبات؟ هل تتشجع و تتقدم لمقابلته؟ هل...؟ وهل ...؟ و لكنه سبقها فيما كانت ستقوم به. يا لها من ذاكرة فولاذية! لقد حياها باسمها و مد يده إليها مصافحاً سائلاً إياها عن آخر أخبارها. سارت بجواره تغمرها نشوة لم تجد مثيلاً لها. لم ترفع عينيها عن الأرض خشية أن يراها أحد من زميلاتها فتطير أخبارها إلى حيث لا تبغي. اتجه إلى مكتبه و هي برفقته. طال اللقاء و زادت معلوماتها عنه و معلوماته عنها.

-7

كاد الصبح أن يطلع, و ما زالت العذراء تتلوى في فراشها و تقلب في رأسها أفكاراً و أفكار. أمامها سويعات لتنطق بكلمتها الأخيرة في موضوع قلب كيانها رأساً على عقب. لقد تعدد المتقدمون إليها و آخرهم ابن عمها, و قد أمهلها والدها أربعاً و عشرين ساعة لاتخاذ القرار. كاد الوقت أن ينتهي, و لم تتخذ قراراً بعد. تصارعت الأفكار بصورة وحشية في جمجمتها. تمر الأيام, تطويها الشهور, وستدور بها الأعوام, و السنون لا تنتظر. الكثير من زميلاتها من نفس دفعتها تزوجن, و منهن من أصبحن أمهات, وها هي ما تزال تجرى وراء شيء قد يكون بعيد المنال, بل قد يكون سراباً. هل تبنى آمالها و أحلامها على الماء حتى إذا تبخر لا تجد منه شيئاً؟ هل تعلق حياتها على أمل براق قد تكشف عنه الأيام يوما ليتضح انه مجرد وهم كاذب؟ هل تظل تتدلل على طالبيها, رافضة الواحد تلو الآخر حتى يأتي اليوم الذي تجد نفسها قد انضمت إلى مملكة العوانس و وقفت في صفوفهن منتظرة؟ هل تنتظر عسى أن يكون لها نصيب فيما يعدها به قلبها, و تفوز يوماً ما بما رسمه لها عقلها؟ كثرت التساؤلات و تعددت الاستفهامات. انقضت المدة المحددة لتأتى إجابتها "لا" و لماذا "لا" ؟ لحاجة في نفس طروب.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007