[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حب جنين 
التاريخ:  القراءات:(4583) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : دكتور محمود عبد الناصر نصر  
-1-

لليلة الثالثة على التوالي, يطول رقادها قبل أن ينعم عليها سلطان الكرى و يُغمض جفونها. لليلة الثالثة, يظل رأسها الصغير يتأرجح على وسادته قبل أن يكحل النوم عينيها. لليلة الثالثة, يظل الفكر الغِر يغدو و يروح, يصول و يجول في حومة لم يعتدها من قبل, و يظل الحال هكذا حتى يلجمه السبات بلجامه. لليلة الثالثة, يُسمع للقلب دبيب غريب الإيقاع, و يظل القلب يدب حتى يشعر بأن لا أحد يعيره اهتماماً, فيلملم أطرافه. لليلة الثالثة يظل جسد البتول يتلوى في فراشه حتى يلحقه التعب. ينظر, فإذا بكل ما احتواه قد أخلد إلى النوم, فيرفع رايته البيضاء.

-2-

استيقظت هيام من نومها, و البسمة ترتسم على شفتيها. فتحت عينيها, و ما تزال صورته عالقة بذهنها, لا تكاد تقرر إذا ما كانت حقيقة أم خيال. لقد قطع استيقاظها حلماً ودَّت أن يستمر. ودَّت أن تضع رأسها ثانية و تغلق عينيها مرة أخرى لتستكمل ما رأته في منامها. شاب وسيم, اجتمع فيه كل ما رأته جميلاً, يتقدم نحوها و البسمة الجميلة تعلو وجهه مقدماً لها هدية في علبة لفَّها بالحرير الأحمر و ربطها بشريط ذهبي لامع. رفع الهدية تجاه شفتيه, و ألصق عليها قبلة حارة, ثم وضعها بين يديها. ما أن اختفي عن ناظريها, حتى فتحت العلبة لتجد قلباً رُسم عليه سهم كيوبيد و على أحد أطرافه حرف "هـ" بينما تُرك الطرف الآخر خالياً. أحسَّت هيام حال استيقاظها بقلبها يدق بصورة لم تعهدها من قبل. "ربَّاه, ما معنى هذا الحلم؟", "و من يكون هذا الشاب؟", "و ما مناسبة تلك الهدية؟", "و لماذا أخفي اسمه عنى؟", "و ما ...؟" لم تكمل هيام سؤالها, حيث سمعت صوت والدها و هو ينقر على باب حجرتها معلناً أن موعد الجامعة قد اقترب, فلتستيقظ و لتستعد. اعتادت هيام على الاستيقاظ في مثل هذا الموعد كل يوم, و على نفس الصوت منذ أن حرمها القدر ممن اعتادت أن تجلس بجوارها في سريرها, تداعبها و تدندن في أذنيها حتى تستيقظ. رحمة الله عليها.

-3-

أنهي الدكتور محاضرته في تمام الخامسة و النصف في مغرب يوم من أيام الشتاء قاسية البرودة. ما أن خطت هيام بقدمها خارج الكلية حتى قابلتها عاصفة تكاد تخلع المنازل من مواضعها. بدأ المطر في الهطول بانتقام, كما لو كانت نهاية العالم قد اقتربت. دوَّى في أذنيها صوت الرعد, و لمع في عينيها وميض البرق. جرت المسكينة تحتمي بمظلة أمام الكلية حتى تهدأ العاصفة و يتوقف المطر. و لكن, يبدو أن الوضع يسوء بمرور الوقت. خلت الشوارع من وسائل المواصلات, بل حتى من المارة. همهمت هيام ببضع كلمات رافعة عينيها إلى السماء علَّها تستجيب. دقائق مضت لتجد سيارة تقترب منها. وقفت السيارة بمحاذاتها. تُرى من يكون؟ نظرت من خلال الزجاج الذي يسيل عليه المطر فلا يكاد يسمح برؤية من خلفه. فجأة وجدت زجاج شباك السيارة ينزل ببطء, و وجه يطل من الداخل قائلاً, "تفضلي يا آنسة". و في التو فتح لها الباب و نقل بسرعة بعض الأشياء التي كانت على الكرسي بجواره." ما هذا يا إلهي؟ هذا الوجه ليس بغريب علىَّ. لقد رأيته في مكان ما منذ وقت ليس ببعيد." حاوَلت عصر ذاكرتها لاستدعاء مكان و زمان و سبب ذلك اللقاء, و لكن لم تسعفها ذاكرتها. ترددت هيام لثوان. هل تركب بجواره أم تعتذر له؟ و إذا اعتذرت, هل تضمن أن تجد من يوَّصلها إلى منزلها في مثل هذه الظروف المضطربة؟ ماذا سيقول والدها إذا علم بأنها ركبت سيارة شخص غريب. ماذا سيقول الجيران؟ ماذا سيقول زملائها و زميلاتها؟ "تفضلي يا أستاذة!" أعاد الصوت القول ثانية. اشتد المطر فجأة و بدأ يتسرب إليها من سقف المظلة. التصقت ملابسها بجسدها. بدأ غطاء رأسها يتطاير من شدة الهواء. قررت فجأة أن تركب بجواره. دقائق صمت مضت قبل أن يقطعها بقوله "أرجو ألا أكون قد ضايقتك, و لكنى رأيتك في حيرة وسط هذا الجو الغريب. ألا تعرفينني؟ "أدارت هيام رأسها قليلاً حتى إذا التقت عيناها بعينيه أعادت رأسها إلى سابق وضعها, قائلة بصوت لا يكاد يسمعه "آسفة, لا". فرد عليها بصوت بدأ بعلوه دفء يستمده من دفء السيارة المغلقة الشبابيك" أنا جاركم في الشقة المقابلة. رأيتك عدة مرات أثناء خروجك أو عودتك, و لكن لم تُتح لي الفرصة للتعرف عليك." مرَّت دقيقة من الصمت قبل أن يقطعه ثانية قائلاً" ها نحن قد وصلنا إلى شارعنا الضيق ... ." قاطعته هيام مطالبة إياه أن ينزلها قبل دخول الشارع. استغرب متسائلاً, "و لماذا؟ إن المطر شديد, و العاصفة أشد." لكنها أصَّرت على ما طلبت. فهم مقصدها فأنزلها. كان الوقت و المكان قد تعاطفا معها, فلم تجد حولها من بني البشر كبيراً أو صغيرا. افترق الاثنان, و ذهب كل منهما إلى سبيله, و لكنه ترك لديها شيئاً لا يأخذه. سألت نفسها, و قد شعرت به, "تُرى ماذا يكون؟"

-4-

أوَّت هيام إلى فراشها و كلها تعب من يوم عصيب كاد أن يعصف بها. ظنَّت أنها بمجرد أن تضع رأسها على وسادتها ستغط في نوم عميق كما اعتادت كل ليلة. مضت ساعة, ثم ساعة, و ما يزال النوم يداعبها مداعبة فظة. يبدو أن بذور الفكر قد وجدت من يبذرها في جمجمتها الصغيرة, و ها هي قد بدأت تنبت و تترعرع بصورة تفوق الخيال. بدأت بنات الفكر تلاعب عقلها المنهك. بدأت التساؤلات توجه سهامها نحو عقلها, "ما هذا الذي فعلته اليوم؟" لا تكاد هيام تصدق نفسها. أحقيقة تلك أنها ركبت سيارة بجوار شاب لا تعرفه, و تحادثت معه و لو بكلمات معدودة؟ أحق أنها بادلته نظرة و لو لثوان, و على استحياء منها؟ لماذا علق صوته كما علقت صورته بذهنها بهذه الطريقة الشرسة؟ هنا تذكرت هيام أين رأت هذا الوجه قبل ذلك. إنه الفتى الذي أقدم إليها في حلمها مهدياً إياها هدية في صورة قلب, و لم يكشف عن اسمه. و فعلاً هذا ما حدث في يقظتها. لقد أهداها معروفاً و لم تعرف اسمه حتى الآن. و لكن هل هديته تمثلت في الجميل الذي أسداه لها بأن رحمها مما كانت فيه؟ أم أن هناك هدية خفية لم يفصح عنها؟ "إلهي, ماذا حدث لي؟ دقائق معدودة, و كلمات قليلة تستحوذ على عقلي بهذه الصورة؟ عجباً لما أشعر به! لماذا أرغب في استعادة ما قاله؟ و في تذكر نظراته؟ و في استرجاع الشعور بدفء المكان بالقرب منه؟ و في استعادة الموقف برمته و الرغبة في تكراره؟ أيكون هذا مؤشراً على ... ؟" احمر وجهها خجلاً. تتابعت أنفاسها و تسارعت. سمعت ضربات قلبها تعلو و تصطرع. تندى جبينها بقطرات العرق. يبدو أن الأمر كما حدَّثها حدسها. و يبدو أن حدسها قد أصاب.

-5-

ليلة و ثانية و ثالثة, و ما زال عقل العذراء يقَّلب الأمر على كل الوجوه. عرض العقل أمرها على قلبها, فوجد فيه شيئاً جديداً قد بدأ ينمو و يتباسق, و ها هو الجسد قد أحسَّ بوجوده.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007