[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الجذور تبحث عن شجرة  الجذور تبحث عن شجرة
التاريخ:  القراءات:(4548) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
الجذور تبحث عن شجرة

ـ1ـ

كان ذلك السؤال يؤرقني، سؤال صغير، لكن إشكالاته كبيرة كالسؤال عن ماهية الحياة والموت. سؤال طالما مزق قلبي الغض، الصغير .

فيما مضى ، كنت أتساءل بحسرة : لماذا يتجادلان، ويتقاتلان؟ مضت السنوات، وكبرت قليلاً، تشعب السؤال، وتمدد في داخلي، كورم خبيث .

كنت أسأل مرة، تلو مرة، لماذا افترقا ؟

لماذا وصل كلاهما إلى طريق مسدود، لا عودة منه ؟

وأنا، أين كنت؟ ألم يفكرا بمصيري؟ بشعوري؟ بحياتي كلها ؟

بعد ليلة عاصفة من الصراخ، والسباب والعويل، وجدت نفسي في بيت آخر.

هناك في بيت جدي، عشت أجمل سنوات عمري.

هناك نعمت بالدلال، والحب ، والحنان. بل كان الحنان يزيد قليلاً عن الحد.

كنت أشعر بذلك، في النظرات، واللفتات، والكلمات.

أشعر أحياناً ، وكأنني أشبه اليتيمة.

كنت أتصرف بعناد، وشقاوة. وكان الدلال المفرط ، يزيد من عنادي.

عندما كبرت قليلاً، أي تجاوزت سن الطفولة بقليل، أدركت أن أمي، كانت الفتاة المفضلة لدى أبيها . رباها بحنان، وعطف، فنشأت مترفة ومحبوبة. عندما تزوجت أمي، كان والدي على النقيض تماماً اصطدمت الصورتان في أعماقها بعنف، أب مفرط في حنانه وعواطفه، ورجل قاس لا يلين.

صورتان غريبتان، تصارعتا في أعماقها طويلاً .

لكن صورة الأب المحب، طغت على صورة الزوج البغيض، فصارت باهتة، بعيدة كجزء صغير، من ذكريات موجعة .

تجرأت مرة، فسألت أمي، أين أبي؟ لماذا لا نعيش سوياً؟

ومضت عيناها ببريق غريب، والتوت ملامحها الدقيقة فبدت لي مستاءة، ومليئة بالحزن. ثم صدت عني دون جواب .

لم أجرؤ على السؤال ثانية، كنت غاضبة وحزينة وقلت لنفسي: لماذا لا يأتي ليراني ؟

كانت ذكرياتي معه، قليلة وباهتة ، لكن ذكرى وحيدة ظلت محفورة في وجداني.

لقد ساعدني يوماً على ركوب حمار صغير، وأخذ يمشي بجواري، حتى وصلنا إلى دكان أحد الجيران .

اشتر لي حلوى، بيضاء خفيفة، التهمتها بشراهة .

كانت صورة والدي باهتة، بعيدة، وكأنني لم أعرفه قط .

كنت أحاول التذكر دائماً، تذكر أي شيء، فلا أستطيع لكن الجدالات العميقة، بينه وبين أمي، كانت تتوهج في ذاكرتي، وكم وددت نسيانها .

إحدى رفيقاتي في المدرسة، كانت تقص عليّ بعض أخبارها مع أبيها.. فهو يأخذها في نزهة طويلة بالسيارة، ويشتري لها الكثير من اللعب ، والفساتين.

كرهت تلك الفتاة، لأنها لا تنفك تتباهى بأبيها فتؤلمني .

وفي مرة من المرات، عندما اشتد غيظي، وشعوري بالغيرة صغت لها حكاية عن أبي، أبي الذي يحضر لي الحلوى، و"الآيسكريم" كل عشية .

في الحقيقة، كنت أشعر بفقدان كبير لوجوده، رغم حب جدي، وعنايته بي، وحنان أمي.

بعد سنوات ، عرفت الحقيقة المرة، لكنني رفضتها دون وعي .

وفي إحدى المرات، لمت أمي قائلة : لماذا لم تحتملي الحياة مع أبي؟

أهو رجل سيء إلى هذا الحد ؟

لماذا تركت والدي ؟

لقد سألت مرة، ولم تجيبي، ربما كنت صغيرة ولكنني الآن كبرت. وهذا السؤال عذبني طوال عمري، قولي الحقيقة، صارحيني، لن ألومك أبداً لأن ذلك ، ليس من حقي .

نظرت نحوي في حيرة، كان الألم يعتصرها ، وتبدت ظلال من الدموع المكابرة، في أعماق عينيها .

كانت أمي تقاوم لحظة انهيار وأسى . وهزة عميقة تعصف بها.

هدأت قليلاً، ثم قالت: لم أترك والدك لأنه رجل سيء، كما تظنين، كان هناك خلاف عميق بيننا، كنا مختلفين في كل شيء، في الأفكار والمشاعر، والعادات .

كنا مختلفين ، فيحدث بيننا التصادم دائماً، لم تكن بيننا لغة مشتركة .

ـ 2ـ

فوجئت يوماً ، بكم كبير من الملابس، والهدايا. ومشابك الشعر .

سألت أمي عمن أحضرها، قالت بلهجة باردة ، ومحايدة : إنها من أبيك، بمناسبة العيد .

قلبت تلك الملابس، فتشت الهدايا، لم أكن بحاجة إليها قدر حاجتي إليه.

كنت أبحث عنه، أبحث عن إشارة أو لمحة، أو حتى مجرد رائحة .

قلت لأمي: كان الجدير به ، أن يحضر لرؤيتي، إن وجوده أثمن من كل الهدايا، بل كل كنوز الدنيا .

رمقتني أمي بنظرة، لائمة، ولسان حالها يقول: بعد كل ما فعلته لك، تبحثين عنه .

أدركت مدى شعورها بالألم، فقلت لها : تبدين حانقة عليّ، فلماذا ؟ أليس هو أبي؟

ومهما كان رجلاً سيئاً، فسوف يظل أبي، لا أحد يملك الخيار أو الفكاك، لا أنا ولا هو. وكذلك أنت . رغم كل حنانك، وحبك، ورعايتك لي. فلا زلت أشعر بالنقص والفقدان لوجوده .

لكني عشت حياتي كلها من أجلك، ها أنت ترين، فأنا قد رفضت الزواج من رجال كثر لأجلك .

وها أنت صبية حلوة تبهج القلب والعين، ولا زلت أفكر بك، وأعتقد أنك أولى الناس بحبي ورعايتي .

وسوف أصارحك لأول مرة، لقد حاول والدك جاهداً أن ينتزعك مني .

كان أنانياً، وقاسياً لا يفكر بأحد سوى نفسه ..

أعتقد بأنه سوف يضغط عليّ، فأعود إليه تفكرت بدهشة وحسرة، فيما قالت ثم أجبتها لقد انفصلتما ، وهذا من حقكما ،ولكنكما ظللتما تتقاتلان من أجلي، كلاكما كان أنانياً ، لو فكرتما قليلاً بي لوصلتما إلى سلام أو هدنة على الأقل.

ـ3ـ

عندما زرت جدتي في ذلك العيد، سعدت كثيراً، وقبلتني بحرارة، تأملتني بإعجاب شديد، ثم قالت: أنت تشبهين أمك يا هناء، ولكنني أرجو أن تكون صفاتك الأخرى مختلفة. لفت نظري هذا التلميح العابر حول شخصية أمي. كذلك لم يعجبني.

زعمت جدتي، وهي امرأة كبيرة في السن، لا تفارق بيتها، زعمت أن والدي، كان يحب أمي كثيراً، ولكنه من ذلك النوع المكابر، الذي يشعر أو يعتقد أن حب امرأة ما هو مجرد ضعف لا يناسب الرجولة الحقة .

كذلك لم يكن يحسن التعبير عن مشاعره، بكلمات عذبة ولأنه مكابر وعنيد، وكذلك أمك، كانت مدللة وعنيدة، فقد افترقا .

لم يحتمل أحدهما الآخر، حاولنا التدخل والنصح لإصلاح الأمور دون جدوى.

كانت أمك، ترفض أي وساطة للصلح .

قالت أمي: إنها لم تكن قادرة على فهمه. لقد صارحتني بجزء يسير من الحقيقة .

آه يا جدتي! لو تعلمين كم تتألم أمي، وكم يملأ الأسى قلبها ؟

هزت رأسها وقالت : أدرك ذلك يا بنتي .

لكن أمك مكابرة، ومدللة، وعاشت حياة مرفهة تختلف عن حياة أبيك القاسية.

إنها لم تمنحه الفرصة، لم تتقرب منه بالشكل الصحيح لم تكن صبورة، كانت تلومه ، وتلومه دون تقدير لأسباب أو ظروف .

كيف عاش أبي؟ أخبريني يا جدتي لأفهم .

كان جدك مزارعاً قوياً، يملك أرضاً واسعة وكان أبوك يساعده في الحرث والحصاد. وكان يسير مسافة طويلة، ليصل إلى مدرسته في قرية مجاورة كان جدك يعامله بقسوة كبيرة ، ليكون رجلاً يُعتمد عليه في المستقبل كما يعتقد. كان يوبخه ويضربه لأتفه الأسباب أحياناً .

كنت أعترض على طريقته في معاملة والدك دون جدوى .

كان جدك يعتقد أن معاملته الجادة والقاسية سوف تجعل منه رجلاً صلباً، قادراً على مواجهة الحياة وعقباتها .

لقد ورث أبوك الكثير من صفات جدك، فهو قاس مثله ولكنه رجل حقيقي جدير بالاحترام ، فهو شهم ومستقيم، وناجح في عمله .

ـ 4ـ

أفضيت لأمي بكل شيء، وخاصة ذلك الجزء المتعلق بعاطفة أبي نحوها، وبالحياة القاسية، التي عاشها ضحكت أمي بتهكم، ثم قالت بغيظ: ألا زالت تلك العجوز تتنفس، وتسدي النصائح كعادتها ؟!

أخبريني أنت، ولنتحدث بالعقل، بالمنطق كما يقولون، كيف يمكن لشخص ما أن يحبك، ثم يعاملك بكل قساوة، ولا ينفك عن إهانتك وتحقيرك وتشعرين دائماً بأنه لا فرق بينك وبين أي شيء في بيته، فهو قد يأبه للباب مثلاً ،لكنه لا يأبه بك مطلقاً .

أي نوع هذا من الحب ؟

ربما كان حباً مريضاً، أما جدتك، فهي لا تحاول إصلاح الأمور كما زعمت، لقد كانت تحرضه على الزواج بأخرى، ليكسر أنفي، ولأنني في نظرها مجرد فتاة مدللة، لا تقدر نعمة الزواج .

ولكن ألم يكن هناك محاولات، أو مفاوضات للصلح .

ضحكت أمي، بل تهكمت بشدة قائلة: كانت الحرب مريرة، ولا جدوى من عقد الهدنة يا بنتي!

حرب !

دهشت لهذه الكلمة، التي ألقت بها بكل بساطة.

أنت الآن شابة، وينبغي أن تتعلمي من تجربتي .

كنا نتقاتل دائماً، وجراحنا تتسع، وتنـزف ، لم يكن هناك سلام أبداً.

ما أسوأ الحياة، عندما تتحول إلى معركة ؟

كنا مختلفين، وعنيدين، ولم يتنازل أحدنا للآخر .

ولكن يا أمي ، لماذا لم تمنحيه فرصة، وكذلك نفسك أغمضت عينيها في تأثر، عضت على شفتيها بقسوة وهي تقول: لأنه لا فائدة، كما أنني قد فقدت الأمل، وملأت المشكلات نفسي بمرارة عميقة، كما أنه من الصعب أن يتخلى الإنسان عن طباعه، فيصبح شخصاً آخر بين عشية وضحاها .

ـ5ـ

كان عليّ أن أقوم بتلك الزيارة، كان يستولي علي شعور عميق، وعارم بالشغف والقلق .

مضت الأيام ببطء وتثاقل. وكنت أعدها، وأهتف كل عشية، وحينما أضع رأسي، على الوسادة ، متى يحين الوقت ؟

استيقظت في وقت مبكر، على غير العادة. تناولت بعض الحليب، وقطعة شابورة.

ارتديت ملابسي على عجل، تباينت مشاعري، فارت في لحظات مثل بركان خامد، ثم تلاشت في لحظات أخرى. كنت معلقة بين الشوق والأمل.

جاءت أمي، تأملتني قليلاً، قلت لها بتدلل : ما رأيك؟ ضحكت، ومازحتني بقولها : أنت مثل القمر، بل أنت قمر حياتي كلها .

كان اليوم من أيام الخريف، الهدوء العميق، يشوب الكون كله إلاّ أن بركاناً من المشاعر الجياشة يفور في داخلي، طرقت الباب، وقد كان هناك جرس ، ولكن القلق والخوف أعمياني ، فلم أره .

قرعت الجرس، سمعت وقع خطوات تقترب من الباب .

انفتحت درفة من الباب، فطالعني وجه جميل لطفل شقي نظر نحوي، مد لسانه ومص شفتيه، ثم جرى وهو يضحك من عند الباب ؟

سمعت صوت امرأة تسأل. دخلت، لكنني بقيت واقفة .

طالعتني المرأة بوجه بشوش. قالت لي: تفضلي، مرحباً بك، هل أنت هناء؟

قلت لها: نعم، أرجو ألا أكون قد جئت في وقت غير مناسب .

ابتسمت برقة، ورحبت بي ثانية .

كانت المرأة دقيقة الملامح، صغيرة الجسم، استرعت انتباهي، تلك الهالات العميقة ، المحيطة بعينها .

وجذبتني ابتسامتها الصافية، العفوية، التي أضاءت كل ملامحها .

انتظرت قليلاً، في غرفة مرتبة ، وزاهية. وبينما كنت غارقة في الهواجس، وقف قبالتي، لمحت ظله ينعكس على الجدار .

فزعت، رفعت رأسي قليلاً، لأنظر إليه . وددت لو أنهض، لتحيته، لكنني عجزت، وتسمرت في مكاني اقترب قليلاً مني، أنعم نظره فيّ ، ثم ابتسم وحياني فقال: مرحباً يا بنتي هناء. كم أنا سعيد لأنك جئت لزيارتي ؟

ـ6ـ

هاقد التقينا، مثل شخصين غريبين ، يلتقيان بالصدفة في محطة للوقود أو في المقهى مثلاً .

عندما قال: ابنتي هناء، كانت الجملة ، ذات وقع غريب في مسامعي.

أحقاً هذا الرجل هو أبي؟ وأنا ابنته؟ بدا وكأن كهرباء خفية ، قد سرت في الجو فوترت الأعصاب .

كلانا يتساءل بحيرة : ماذا يقول للآخر ؟ وما هي الكلمات المناسبة ؟

عندما نهضت لتحيته، استرعت انتباهي ندبة عميقة ، تحت عينه اليسرى.

عندما تأملني قليلاً، كانت نظراته مندهشة وحائرة. أكاد أشعر بصوت عميق، ينساب في داخله بهدوء، وسخرية، فيقول: هاهي تعود ثانية، بعينيها الواسعتين، وأنفها المتشامخ، وشعرها البني الغزير. معه حق أن يندهش، لقد كنت أشبه أمي كثيراً .

تخيلت أن اللقاء سيكون عاطفياً، وحاراً. ولكن ما حدث هو العكس. إنه مجرد لقاء عادي. تبادلنا كلمات عادية، حول الجو، والدراسة، وأحوال الدنيا، والناس.

ها نحن نجلس سوياً، يخيم علينا الوجوم، والصمت.

يحاول كل منا الخروج من حالته أو "ورطته" ولو بكلمة صغيرة.

هذا أبي، الذي بحثت عنه طويلاً، وصنعت له صورة من الخيال.

يبدو لي مجرد رجل عجوز، شعره قد شاب، ولكنه ذو قلب فتي، يفور بحماس الشباب .

هو عجوز حقاً، ولكنه يتمتع بالقوة والنفوذ .

كان الجميع يهبون لتنفيذ أوامره ، الزوجة والأبناء والخدم .

بدا لي سيداً مطاعاً في بيته. تلك السيادة الحقيقية النابعة من شخصية الإنسان، وليست مجرد سيادة كاذبة، يستمدها من مظاهر حوله .

كان ذلك ، هو الانطباع الجيد، الذي خرجت به من تلك الزيارة .

ـ7ـ

لازلت أبحث عن الحقيقة، ولا زالت الأسئلة تملأ رأسي. وكلما وصلت إلى جواب، تقت إلى جواب أشد صدقاً ووضوحاً .

كنت أبحث عن سر العلاقة، التي قامت بينهما، عن سر الخلاف، واللاتفاهم.

ولأنني تربيت في حضن أمي، فقد عرفتها جيداً، وأحسست بكل ألمها وخيبتها. ومعاناتها طوال سنوات .

كانت خيبتها كبيرة، وهزمتها تجربتها المريرة مع والدي لقد كانت أمي ذات ملاحة وجاذبية و ثقافة .

وعائلتها ذات سمعة رفيعة. ورغم ذلك، تخلت تماماً عن فكرة الارتباط برجل آخر .

خيمت ظلال عميقة من الشك والأسى، على روحي .

بل على حياتي كلها. ورغم ذلك قررت معرفة الحقيقة مهما كانت .

قمت بزيارة ثانية، بدا لي من ذلك النوع المكابر، الذي لديه رأيه الخاص، فيما يتعلق بالآخرين، بسلوكهم، وأفكارهم .

عندما قلت لأمي: لقد بهرتني قوة أبي ونفوذه .

أجابت بهدوء: هناك خيط رفيع بين القوة والطغيان . تسحرنا القوة، ودون أن يشعر الشخص يصبح مستبداً، لا يصغي إلا لصوته .

كنت في الحقيقة، أرقب سلوكه بدقة متناهية وعندما جاءت زوجته لترحب بي، وتقدم القهوة.

رمقها بنظرة حادة، وكأنه يأمرها بالانصراف .

بدت لي المرأة مسالمة وطيبة .

قلت لأبي: لماذا عاملتها بهذه الطريقة ؟

إنها طيبة القلب .

ضحك والدي بصوت عال، ثم قال: أنت الطيبة يا بنتي، فكيف تحكمين عليها بهذه السرعة .

صدمني الجواب، فقلت: أنا أصغي لدقات قلبي وأشعر بطيبة الآخرين أو خبثهم. قلبي دليلي .

المشاعر لا تكفي . علينا أن نحكم عقولنا .

أنت عاطفية مثل أمك .

لقد عاشت في دنيا من الوهم والخيال. وكأنها لم تلمس الأرض بقدميها أبداً.

أمي ليست عاطفية تماماً، ولا أظن أنها تهيم في دنيا الخيال كما تقول. ولكنها ناعمة، تطلعت إلى كلمة محبة، أو تلميح عابر يشعرها بوجودها .

غريب حقاً ! تتحدثين بنفس طريقتها.

هل تسمح لي بسؤال؟

تفضلي ، أجابني بثقة وقال : اسألي عن كل ما تريدين .

هل كانت أمي تعجبك كامرأة؟

صمت طويلاً، ثم قال : نعم .

ولكنها قالت بأنها لا تتذكر كلمة حلوة أو جميلة قد قلتها لها في مناسبة ما . فلماذا؟

لماذا؟ هذا هو السؤال الصعب، أمك لم تفهمني لقد كنت أقدرها، أقدر ملاحتها وثقافتها ومشاعرها ولكنني لست من أولئك الذين يعبرون بشكل جيد عن مشاعرهم، ولا أنكر أنني قد قسوت عليها، وتجاهلتها أحياناً .

ـ 8ـ

تعبت من البحث، والتساؤل والتدقيق، تعبت وأنا أجري خلف الحقيقة. الحقيقة التي ربما تبدو في لحظة ما مجرد وهم. كنت أشعر دائماً أن هناك أمراً ما يغيب عني، ولا يمكنني التوصل إليه .

لطالما تملكني اليأس، والحزن.. فمن المؤسف أن يفترق شخصان نحبهما، وتربطنا بهما روابط الدم القوية .

نجمل الحقيقة التي قد تصدمنا، نبحث عن مبرر لأننا نود أن نرى أحبتنا في صورة إنسانية لائقة .

لأننا جزء عميق من تلك الصورة .

نظرت إليهما من بعيد، نظرة محايدة، وعادلة وذلك حسب ما رأيت، وعرفت من الوقائع .

كانت أمي مثل كل النساء تتطلع إلى كلمة حلوة ورقيقة تقال لها، إلى لفتة محبة وجميلة، إلى العاطفة والمشاركة والتفاهم.

أما والدي فهو من ذلك النوع المكابر، الذي ينتظر من الآخرين التصرف الجيد، مهما كانت الظروف. كان عقلانياً وقاسياً بعض الشيء، لا يؤمن بأن على الرجل أن يتصرف بمحبة ورقة مع زوجته. بل يعتقد فيما بدا لي أن المرأة تتبع الرجل كظله، ويكفي أن يوفر لها حياة كريمة .

كنت أبحث عن الشعور المفقود ، شعور الفتاة بالانتماء إلى والدها، شعورها بأنها جزء من روحه وقلبه وشخصيته ولكنني لا أدري، أشعر أحياناً بالغرابة واللا انتماء إلى والدي، ربما لأنني عشت بعيدة عنه .

الأبوة فيما أعتقد هي انتماء وافتخار وإيمان بالكثير من القيم، ولكنها مثل كل العواطف الإنسانية قد تسودها بعض السلبيات .

كنت أشعر بالحرمان مثل طفلة يتيمة، وعندما كبرت ملأني الشعور بالفقدان واللا انتماء مثل شجرة بلا جذور .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007