[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
هند وأخواتها  هند وأخواتها
التاريخ:  القراءات:(4908) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
* * *

هند و أخواتها

* * *

قصة قصيرة

* * *
ا-

كانت الباحة واسعة ، مزينة بقطع السيراميك ، ذات الألوان البديعة ، والزخارف الدقيقة ، أما السوق فقد زين ببالونات كبيرة ، تتدلى مع أشكال هندسية ، غريبة .

استراح محمد على مقعد مستطيل ، حول طاولة صغيرة ، من الرخام ، مغطاة بزجاج صقيل .

كان يجيل النظر فيما حوله ، من محلات وأكشاك ، وأناس من كل عمر وجنس .

محمد شاب فوق العشرين ، أنهى دراسته الجامعية ، وينتظر بفارغ الصبر الوظيفة المناسبة . ولهذا فهو يشعر بالفراغ ، والقلق حيال المستقبل .

وينطلق هو وسواه إلى المقاهي ، والأسواق ، للتسكع والتسلية .

كان هناك سرب من الفتيات الصغيرات ، دخلن من إحدى البوابات ، أحدثن جلبة كبيرة ، ولفتن نظر البائعين ، وكذلك المشترين . كنا يتبادلن كلمات متناثرة ، وضحكات خافتة .

تهادت الفتيات في غنج أمام المحلات ، وتوقفن طويلا عند البضائع المعروضة في الواجهات الزجاجية . كنا يتفرجن ويتبادلن الرأي . قمصان لها أكمام واسعة ، مزركشة بألوان فاتنة ، وأخرى بدون كم ، لها ياقات عريضة . أما التنانير فهي طويلة ، وأخرى قصيرة . والأقمشة من الحرير أو المخمل أو الجينز .

قالت مها ، بينما تتحسس بأصابعها النحيلة طرف إحدى التنانير ، إنها مزركشة بألوان بهيجة ، غنية بالثنيات والكشكشات ، كم تليق بي ؟

ردت منى بتهكم ، إنها تشبهك تماما ، فأنت مليئة بالمنعطفات ....!

ضحكت الفتيات ، ثم كتمن ضحكاتهن الساخرة ، كي لا يسمعهن رواد السوق .

كان محمد يتفرج ويراقب أولئك الفتيات اللائي ، كنا يتهادين من محل إلى كشك ، إلى محل وهكذا .

لم يملك نفسه ، حتى نهض ، محاولا تتبع أثر أولئك الفاتنات .

* * *

- 2-

ظلت الفتيات يمشين بتؤدة ، تتمايل أجسادهن الرشيقة في دلال . يدخلن كل محل ، يسألن الباعة عن الأسعار ، والجديد في الموضة ، لهذا العام .

ويتوقفن طويلا ، عند أكشاك الإكسسوارات ، والحقائب والهدايا ، والأكياس الملونة .

قالت هند لرفيقاتها ، وأخواتها : ألم تلاحظن أنه لا توجد محلات للرجال ؟

أجابت إحداهن : نعم لاحظت ذلك ، فالسوق من أجل النساء ، تبهرهن الملابس والعطور ، ويندفعن للشراء دون تفكير ، أما الرجال ، فهم يدفعون الثمن فحسب !

تضاحكت الفتيات في مرح ، وقلن إن التسوق ، هو متعة للمرأة وعناء للرجل .

انبرت حنان تقول في ثقة : إن التسوق هو متعتي المفضلة ، بل هو أجمل هواية أمارسها .

ضحكت هند ، وعلقت بسخرية : ألا تبدو هذه الهواية تافهة ومكلفة ؟

قلبت حنان شفتيها في امتعاض ، وهي تقول : ربما ، فالرجال تسعدهم المرأة الغارقة ، في التفاهات ....!!

انضم علي إلى رفيقه محمد ، وقال ، ما هي الأخبار ؟

تساءل علي بخبث ، بينما كان محمد يحتسي قهوته الساخنة .

رمقه بنظرة باردة ، وقال : ماذا تقصد ؟!

هز علي رأسه ، ثم قال : ألا توجد سمكة ، ضلت الطريق ، فوقعت في الشباك ؟!

ضحك محمد ، وقال في امتعاض : أنا أتفرج فقط ، اليوم أشعر بالضجر والملل . ذهبت إلى المؤسسة ، التي تركت لديهم ملفي ، فلم يعرني أحدهم اهتمامه .

مللت من الفراغ ، والتسكع في الملاهي والأسواق ، والعبث مع الفتيات أو النساء .

وأنت هل وجدت عملا أم لا ؟

قهقه علي ، وقال : " إذا حجت البقرة "

مرت جماعة من النساء أمامهما ، فصمت علي وهو يتأمل النساء ، وقال : إنس المستقبل لحظات ، ومتع ناظريك ، بكل هذه الأصناف من النساء ...!

يا رجل ، ألا تفتنك هذه الغزلان الشاردة ؟

بالله عليك ، ألا تسلبك رشدك ، هذه الفراشات ، وهي تحلق هنا وهناك ؟

أشار محمد إلى رجل ، له لحية كثيفة ، يرتدي ثيابا بيضاء ، وتبدو عليه ، سيماء الوقار ، وقال له بصوت خافت : احذر ... تسلم ! فالهيئة هنا ، تترصد العابثين !

قهقه علي ، وقال : وهل أنا عابث ؟ معاذ الله ، يا صاحبي .

أنا مجرد شاب مفتون ، لا أملك نفسي ، وأنا أرى كل هؤلاء النساء أمامي ....!

سخر محمد من رفيقه ، وقال : أنت شاب مفتون وعاطل عن العمل !!

كانت الكعوب العالية ، ذات الأطراف المدببة ، تدق وتدق ، فتحدث مزيجا من الصخب والغواية ، حول محلات البوظة ، والذرة ، والبطاطس ، حيث تقف النساء والفتيات ، يثرثرن مع البائعين ، دون تحفظ أو حياء . انتشرت الأصداء ، في جو السوق ، أصداء الكعوب العالية ، والضحكات ، والهمسات .

وفي ركن السوق ، عند بائع المعجنات والدونات ، وقفت امرأة سمينة ، عظيمة الجثة ، تلتصق العباءة بأطرافها ، كانت تحاول تهدئة طفلها الصغير ، الذي كان يصرخ ، ويلح عليها ، في أنه يريد بطاطس ، وليس دونات .

نظر علي ، إلى جسدها الضخم ، وعباءتها الواسعة ، وقال : والله ، إنها تشبه أمي ....!

ضحك محمد ، ثم قال في سخرية ومكر : انتبه لا تغازل أمك ...!! فربما تجدها يوما ، في هذا السوق أو في سوق آخر .

ضحك علي ، في لامبالاة .

مر أحد رجال الهيئة ، ونظر إليهما نظرة ارتياب ، ثم مضى . ابتسم محمد وقال لعلي : إنه ينظر إلينا في شك . أرجوك ، انتبه ولا تتهور .

أرجوك يا أخي ، لا تتصرف بحماقة . قلب علي شفتيه ، وطقطق أصابعه في لا مبالاة .

* * *

- 3-

انتهت هند وأخواتها ، ورفيقاتها من الشراء تقريبا .

كانت أياديهن ، تحمل الوانا من الأكياس ، الممتلئة بالمشتريات .

قالت هند : ماذا تردن الآن ، عصير أم آيسكريم ؟

أنا أحب الآيسكريم بالشوكولاته من موفنبيك .

قالت منى : أما أنا ، فسوف أشتري كوزين من الذرة المشوية .

البطاطس المقلية ، مع الكاتشب ، هي المفضلة لدي ، هكذا قالت حنان .

جلست الفتيات حول طاولة كبيرة من الرخام ، على مقاعد مستطيلة ، أو مدورة من الرخام أيضا ، قرب نافورة كبيرة ، كانت تتوسط ناحية السوق ، وتتناثر قطراتها الفضية ، في أنحاء السوق .

ترى ؟

لماذا نحن النساء ، مولعات بالتسوق والأسواق ؟

التسوق متعة ، بحد ذاته ، نرى ما هو جديد ، في الملابس ، والعطور ، والحلي ، هكذا ردت إحدى رفيقاتها .

التسوق فرصتنا ، والخروج من البيت ، نرى البضائع والناس ، ونجاري الأحداث ، هكذا قالت منى .

السوق مثل الفخ ، يخيفني أحيانا ، هكذا لمحت حنان ، إلى تلك العلاقات العابرة ، التي تبدأ خيوطها الواهنة ، في السوق .

ينبغي أن تكون الفتاة واعية ، ولا تغرها الكلمات المعسولة . هكذا قالت هند .

يجب أن تخرج الفتاة محتشمة ، حتى لا تفتن الرجال ، وتدفعهم إلى غوايتها .

أجل ، اتفقت كل الفتيات ، على هذا المبدأ .

* * *

- 4-

كان محمد وعلي ، ويتجادلان حول أهمية ، الدراسة الجامعية ، ذات التخصص الدقيق .

إنها توفر فرصة أفضل للعمل ، هذا ما رآه محمد . تهكم علي بمرارة ، فقال : لم يعد هناك فرق ، بين تخصص دقيق ، ومهم ، وآخر غير مهم .

للأسف ، تساوينا يا صاحبي ، فكلنا عاطلون .....!

لو كان لدي قدر يسير من المال ، لبدأت مشروعا صغيرا .

الأعمال التجارية مريحة ، لم تعد للشهادة قيمة كبيرة . هكذا قال محمد .وفي خضم النقاش الحاد بينهما ، عبرت جماعة من النساء والفتيات الدرج الآلي ، صاعدات إلى الدور الثاني .

كان محمد ينظر إليهن نظرة جائعة ، لمعت عيناه ، ببريق الإثارة والانفعال . وسرى تيار خفي من الفتنة ، والغواية .

امتزجت رائحة العطر ، برائحة البخور والعودة ، وتضوعت فملأت أجواء السوق ، بعبير فواح

كانا يتأملان تلك العباءت المزركشة ، الملتصقة بأجسادهن ، بحيث تفضح كل دقائق ، ومنعطفات ، تلك الأجساد .

وتتدلى الحقائب الأنيقة ، ذات الألوان البديعة ، حول جنوبهن ، أو تتعلق بأيديهن . وتنسدل تلك الأقمشة السوداء ، الشفافة على وجوههن ، فتبدو الوجنات المحمرة ، والعيون المرسومة ، بعناية فائقة ، بكحل شديد السواد ، وجفون ساحرة ، تزينها الظلال .

تتحرك العيون الساحرة ، خلف النقاب ، وتفتن الناظر إليها . كم تبدو المرأة فاتنة ، وهي تضع ذلك الخمار الشفاف ، على وجهها ؟ !

كم تبدو المرأة ، فاتنة وهي ترتدي عباءة مخصرة ؟

تلك العباءات ، التي تمتد من الكتف ، وتكون مشدودة ، عند الصدر والخصر ، هي عباءات مثيرة وفاضحة .

لم نعد نعلم ، هل ترتدي هؤلاء النسوة والفتيات ، عباءات ، أم فساتين ؟!

تساءل محمد بدهشة : ما رأيك بهؤلاء النساء والفتيات ، في عباءاتهن المطرزة ؟

ألا تراهن أشبه بالعاريات ، بل أشد فتنة من نساء عاريات ؟

ضحك علي ، وقال بعبث ومكر : إنهن فاتنات ، مثيرات ، أكثر من نساء عاريات ...!

إنهن يطلقن العنان لخيالك ، لترسم تلك التفاصيل التي قد تخفيها العباءة ...!

نهض علي ، على عجل ‘ وهو يجر محمد من يده ، ويقول : هيا بنا ، نصعد إلى الدور الثاني

لا زال محمد وعلي ، يتمشيان في أنحاء السوق . ويتمتعان بمناظر النساء ، وتنوعهن وضحكاتهن الخافتة ، ومزاجهن الأرعن ، وكلماتهن العابرة .

لم يتركا محلا للأزياء ، أو أدوات التجميل ، أو الحلي والهدايا ، إلا وهرعا إليه ، يتظاهران بالرغبة في الشراء ، يقلبان البضائع ويسألان عن الأسعار . جلس محمد وهو يشكو من التعب ، ويتأوه من ألم رجليه ، تعبت ، ضجرت ، ولن أتحرك خطوة واحدة .

" بكيفك " قال علي ذلك ، وأخذ يلاحق إحدى الفتيات ، حيث كانت تقف عند بائع الحلي المقلدة والبضائع . كانت تناور البائع ، وتفاصل لتشتري طقما من الأحجار الكريمة المقلدة ، بأقل ثمن ممكن .

وقف علي إلى جوارها ، ثم قال بنبرة هامسة : الله ، ذوقك رائع ...!

لم تعره انتباها ، ثم تحركت قليلا ، لتبتعد عنه ، فلحق بها ، وقال بصفاقة : لو كنت مكانك ، لبعتها بالثمن الذي تريد !!

ضحك البائع ، في مكر ، بينما تذرعت الفتاة بالصبر ، رمى ورقة صغيرة مطوية بعناية ، فوقعت عند قدميها .

اهتاجت ولطمته بالحقيبة على صدره ، ثم شتمته ، فقالت : سافل ، حقير ، من تظن نفسك ؟

التفت رواد السوق من باعة وزبائن وسواهم ، إلى المشادة بينهما .

ذعر علي ، بل صدم وأحرج ، فأطلق ساقيه للريح .

28- 5 -1426 هجرية


هوامش :
حجت البقرة : مثل في العامية يضرب لأمر مستحيل الحدوث
الهيئة : هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007