[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ثيابي ليست أعماقي  ثيابي ليست لائقة
التاريخ:  القراءات:(4633) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  

ثيابي ليست لائقة

قصة قصيرة

-1-

في حضرة الموت ، أقف بذهول وعجز ، ويملأني الشعور بالغرابة والدهشة .

ولوهلة تبدو كلمة " الموت " دون معنى ، وتتلاشى وتذوب حروفها ، فلا أكاد أراها ، أو أقرأها وأشعر بعجز عن فهمها .

في حضرة الموت ، نفيق من سكرة الحياة ، وزيفها الذي يسري في عروقنا .

اتلو الآية الكريمة " كل نفس ذائقة الموت " أرددها كثيرا ، تستوقفني طويلا ، وكأنني أتلوها للمرة الأولى .

أتساءل عن الميت ، الذي ربما فاضت روحه قبل ساعات ، كيف ذاق الموت ؟

وهل للموت طعم ؟ وكيف هو طعمه ؟

عندما جاءنا نبأ موت جارنا عبد العزيز ، صدمت وتألمت ، هزني الخبر ، فشعرت بيد قاسية تدق صدري ، ثم بكيت بحرارة ، لكنني كفكفت دموعي ، واسترجعت بفضل الله ، ثم قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون .

رحمك الله ، يا عم عبد العزيز . لا زلت أتذكر هذا الرجل الطيب ، فقد عاش بجوارنا لسنوات ، كان يزور والدي في بعض الأمسيات ، ويحتسي معه القهوة ، وفي كل مرة ، يجلب معه بعض الحلوى ، وقطع من البسكويت من أجلنا .

في كل المناسبات السعيدة ، كان حاضرا ، في الزواج أو الختان ، أو العيد ، وكذلك لم نفتقده في أيام الشدة ، نشعر دائما ، وكأنه ينتمي إلينا .

ارتديت ملابسي على عجل ، كان القلق والخوف يملأ جوانحي . لم أحرص على ثوب بعينه ، فأنا سوف أذهب للعزاء ، وبينما كنت أمر من البهو ، استوقفتني أختي الصغرى ، ثم قالت : انتظريني قليلا من فضلك ، قلت لها : لماذا ؟

ابتسمت قائلة : لأرتدي الثوب المناسب !

هل هذا وقت التزين ، والتأنق يا أختي ؟!

نفخت بغيظ ، وقلبت شفتيها الصغيرتين ،وهي تقول : من قال أنني سوف أتزين ، لن أصبغ شفتي ، أو وجنتي ، فقط بعض الكحل ، وسأنثر القليل من البودرة على وجهي ، لأن بشرتي شاحبة .

لا إله إلا الله !!

قلت ذلك بفراغ صبر ، ثم عقبت في سخرية ، ولماذا الكحل ، ونحن ذاهبتان لنقدم واجب العزاء ؟

أعلم ، ولكنني أحب أن أبدو ، في ثياب لائقة !

أسقط في يدي ، ابتسمت في دهشة ، قلت بحيرة ، مزيجها الحزن ، لماذا أصبحنا هكذا بلا إحساس ، نتصرف بقسوة ، دون لياقة أو تهذيب ؟

هناك ولا شك أمر خاطئ ، عندما نذهب للعزاء ، كما نذهب لزيارة عادية .

تأملتها في دهشة وألم ، ثم قلت : إنه الموت ، ألا تعلمين ما هو الموت ؟

ألا تخشعين في حضرة الموت ؟

ألا تهتز مشاعرك ، لفقدان إنسان ، حتى لو كان غريبا ؟ !

حدجتني بنظرة باردة ، ترشح بالازدراء ، وعدم الفهم ، ثم قالت : وما شأني أنا ؟!

يموت جارنا العجوز ، المريض ، ثم وددت الذهاب لمواساة ذويه ، فلا أجد منك سوى اللوم والتقريع .

لست أفهم ، لماذا كل هذا اللوم ؟

إنه ليس أبي ، أو أخي ، أو حتى قريبي ، فلماذا أصطنع الحزن عليه ؟!

انفرجت شفتاي في دهشة ، وقلت : إن موت أي إنسان يملأ قلبي بالألم والجزع . يجعلني أقف في صمت وذهول . اشعر بالأسى يمزق فؤادي .

لست أتصنع الشعور بالأسى ، ولا ينبغي لإنسان أن يفعل ذلك .

لكنني أتساءل في لحظة الموت ، عندما ينعى أي إنسان ، كيف ومتى سأموت ؟

تلك لحظة يبصر فيها الإنسان الحقيقة ، وهي أنه سوف يموت ، وفي أية لحظة . فعليه أن يستعد .

يبدو الموت ، وكأنه اليقين الوحيد ، في هذه الحياة .

تأثرت أختي قليلا ، عندما لمتها وذكرتها ، وعادت لتغير ثوبها المناسب ، كما قالت ، كذلك مسحت الكحل من عينيها .

مررنا على بعض الجارات ، وذهبنا جميعا ، لنقوم بواجب العزاء .

- 2 –

عندما دخلنا ، كان الوجوم والصمت ، يخيمان على المكان .

قابلنا الكثير من النساء ، اللائي قدمن للعزاء .

جلست النساء في غرفة كبيرة ، وتناثرت كلمات العزاء المعتادة ، كانت بعض النساء يحتسين القهوة المرة في صمت ، وأخريات يتحدثن بهدوء .

بحثت عيناي عن زوجته ، وجدتها في غرفة أخرى . بدت ملامحها متورمة ، مخددة من أثر الدموع .

تحدثت إليها في كلمات مواسية ، وذكرتها بالصبر عند المصيبة ، وجزاء الصابرين عند الله .

شكرتني بحرارة ، بينما كانت تغص كلماتها بالدموع ، ثم بحثت عن بقية أفراد العائلة ، كانت إحدى بناته ، تلقي بالأوامر للخادم ، لتعد القهوة والشاي ، للحضور من المعزين .

كانت تتحدث بنبرة هادئة ، وعندما أمعنت النظر ، في قسماتها , لم تبدو حزينة ، ولا أثر لدمعة في عينيها . دهشت في أعماقي ، وقلت : ألم تبكي لموت أبيها ؟ !

هل هذه قوة وصلابة ، وصبر على المصيبة ، أم قسوة وجحود ؟

يا إلهي !

هل يمكن أن يموت أبي دون أن أذرف دمعة من أجله ؟!

ثم تفقدت بقية افراد العائلة . في الحقيقة كان الهدوء يسود المكان . لم يكن هناك عويل أو ندب أو تفجع . لا أعلم ، ربما كنت ملتاعة ، وحزينة أكثر من ذويه ....!

رمقتني أختي في صمت ، وسخرية ، ثم قالت : حزنت على المرحوم ، أكثر من بناته ....!!

يا لرقتك يا أختي !!

لم أملك إلا أن أندهش ، ويملأني الشعور بالاحتقار لهذه الدنيا ، ولما فيها من قسوة وجحود ونكران .

- 3 -

عدت لتفقد زوجته ، التي هدها الحزن . ربت على كفها مواسية ، تنهدت بأسى وقالت : رحمه الله ، كان مريضا ، وقاسى من الألم طويلا ، ثم اختاره الله . رحمك الله يا أبا علي ، ثم استعبرت وشرقت بالدموع .

أما إحدى قريباته ، فقالت : الآن قد استراح من المرض والعجز ، وهذه الدنيا بأسرها .

أما ابنته الكبرى ، فقد جلست وهي تنشج في صمت . ثم استرجعت قائلة : الحمد لله ، الحمد لله ، الموت حق على كل مؤمن .

رحمك الله يا أبي ، وارتفع نشيجها ، ثم صمتت قليلا و قالت : رحم الله والدي ، لقد مرض وتألم لسنوات ، ونرجو أن يكون في هذا تطهير له من الذنوب . نرجو له الرحمة والمغفرة ، والثبات عند السؤال ، ثم خنقتها العبرات .

كانت حزينة بحق ، تتفجع على والدها ، الذي رعاها وحنا عليها طويلا .

رق لها قلبي ، وتفجعت معها ، وبكيت لبكائها ، بقيت إلى جوارها ، أهدئها وأحاول التخفيف عنها ومواساتها

كانت هناك نسوة يجلسن في صمت ، احتراما لمشاعر أهل الميت ، وأخريات يثرثرن في في وقاحة ، وفي أمور الدنيا ، أمور لا تمت لمشهد العزاء بصلة .

مما أثار دهشتي وحنقي أولئك النساء ، اللاتي كن يثرثرن ويتضاحكن دون مراعاة لمشاعر الميت .

بدا مشهد العزاء غريبا ومتناقضا في عيني . نساء حزينات ، وأخريات صامتات ، والكثير منهن في غياب عبثي عن المشهد كله .

6 -1- 1427ه

ثيابي ليست لائقة

قصة قصيرة

-1-

في حضرة الموت ، أقف بذهول وعجز ، ويملأني الشعور بالغرابة والدهشة .

ولوهلة تبدو كلمة " الموت " دون معنى ، وتتلاشى وتذوب حروفها ، فلا أكاد أراها ، أو أقرأها وأشعر بعجز عن فهمها .

في حضرة الموت ، نفيق من سكرة الحياة ، وزيفها الذي يسري في عروقنا .

اتلو الآية الكريمة " كل نفس ذائقة الموت " أرددها كثيرا ، تستوقفني طويلا ، وكأنني أتلوها للمرة الأولى .

أتساءل عن الميت ، الذي ربما فاضت روحه قبل ساعات ، كيف ذاق الموت ؟

وهل للموت طعم ؟ وكيف هو طعمه ؟

عندما جاءنا نبأ موت جارنا عبد العزيز ، صدمت وتألمت ، هزني الخبر ، فشعرت بيد قاسية تدق صدري ، ثم بكيت بحرارة ، لكنني كفكفت دموعي ، واسترجعت بفضل الله ، ثم قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون .

رحمك الله ، يا عم عبد العزيز . لا زلت أتذكر هذا الرجل الطيب ، فقد عاش بجوارنا لسنوات ، كان يزور والدي في بعض الأمسيات ، ويحتسي معه القهوة ، وفي كل مرة ، يجلب معه بعض الحلوى ، وقطع من البسكويت من أجلنا .

في كل المناسبات السعيدة ، كان حاضرا ، في الزواج أو الختان ، أو العيد ، وكذلك لم نفتقده في أيام الشدة ، نشعر دائما ، وكأنه ينتمي إلينا .

ارتديت ملابسي على عجل ، كان القلق والخوف يملأ جوانحي . لم أحرص على ثوب بعينه ، فأنا سوف أذهب للعزاء ، وبينما كنت أمر من البهو ، استوقفتني أختي الصغرى ، ثم قالت : انتظريني قليلا من فضلك ، قلت لها : لماذا ؟

ابتسمت قائلة : لأرتدي الثوب المناسب !

هل هذا وقت التزين ، والتأنق يا أختي ؟!

نفخت بغيظ ، وقلبت شفتيها الصغيرتين ،وهي تقول : من قال أنني سوف أتزين ، لن أصبغ شفتي ، أو وجنتي ، فقط بعض الكحل ، وسأنثر القليل من البودرة على وجهي ، لأن بشرتي شاحبة .

لا إله إلا الله !!

قلت ذلك بفراغ صبر ، ثم عقبت في سخرية ، ولماذا الكحل ، ونحن ذاهبتان لنقدم واجب العزاء ؟

أعلم ، ولكنني أحب أن أبدو ، في ثياب لائقة !

أسقط في يدي ، ابتسمت في دهشة ، قلت بحيرة ، مزيجها الحزن ، لماذا أصبحنا هكذا بلا إحساس ، نتصرف بقسوة ، دون لياقة أو تهذيب ؟

هناك ولا شك أمر خاطئ ، عندما نذهب للعزاء ، كما نذهب لزيارة عادية .

تأملتها في دهشة وألم ، ثم قلت : إنه الموت ، ألا تعلمين ما هو الموت ؟

ألا تخشعين في حضرة الموت ؟

ألا تهتز مشاعرك ، لفقدان إنسان ، حتى لو كان غريبا ؟ !

حدجتني بنظرة باردة ، ترشح بالازدراء ، وعدم الفهم ، ثم قالت : وما شأني أنا ؟!

يموت جارنا العجوز ، المريض ، ثم وددت الذهاب لمواساة ذويه ، فلا أجد منك سوى اللوم والتقريع .

لست أفهم ، لماذا كل هذا اللوم ؟

إنه ليس أبي ، أو أخي ، أو حتى قريبي ، فلماذا أصطنع الحزن عليه ؟!

انفرجت شفتاي في دهشة ، وقلت : إن موت أي إنسان يملأ قلبي بالألم والجزع . يجعلني أقف في صمت وذهول . اشعر بالأسى يمزق فؤادي .

لست أتصنع الشعور بالأسى ، ولا ينبغي لإنسان أن يفعل ذلك .

لكنني أتساءل في لحظة الموت ، عندما ينعى أي إنسان ، كيف ومتى سأموت ؟

تلك لحظة يبصر فيها الإنسان الحقيقة ، وهي أنه سوف يموت ، وفي أية لحظة . فعليه أن يستعد .

يبدو الموت ، وكأنه اليقين الوحيد ، في هذه الحياة .

تأثرت أختي قليلا ، عندما لمتها وذكرتها ، وعادت لتغير ثوبها المناسب ، كما قالت ، كذلك مسحت الكحل من عينيها .

مررنا على بعض الجارات ، وذهبنا جميعا ، لنقوم بواجب العزاء .

- 2 –

عندما دخلنا ، كان الوجوم والصمت ، يخيمان على المكان .

قابلنا الكثير من النساء ، اللائي قدمن للعزاء .

جلست النساء في غرفة كبيرة ، وتناثرت كلمات العزاء المعتادة ، كانت بعض النساء يحتسين القهوة المرة في صمت ، وأخريات يتحدثن بهدوء .

بحثت عيناي عن زوجته ، وجدتها في غرفة أخرى . بدت ملامحها متورمة ، مخددة من أثر الدموع .

تحدثت إليها في كلمات مواسية ، وذكرتها بالصبر عند المصيبة ، وجزاء الصابرين عند الله .

شكرتني بحرارة ، بينما كانت تغص كلماتها بالدموع ، ثم بحثت عن بقية أفراد العائلة ، كانت إحدى بناته ، تلقي بالأوامر للخادم ، لتعد القهوة والشاي ، للحضور من المعزين .

كانت تتحدث بنبرة هادئة ، وعندما أمعنت النظر ، في قسماتها , لم تبدو حزينة ، ولا أثر لدمعة في عينيها . دهشت في أعماقي ، وقلت : ألم تبكي لموت أبيها ؟ !

هل هذه قوة وصلابة ، وصبر على المصيبة ، أم قسوة وجحود ؟

يا إلهي !

هل يمكن أن يموت أبي دون أن أذرف دمعة من أجله ؟!

ثم تفقدت بقية افراد العائلة . في الحقيقة كان الهدوء يسود المكان . لم يكن هناك عويل أو ندب أو تفجع . لا أعلم ، ربما كنت ملتاعة ، وحزينة أكثر من ذويه ....!

رمقتني أختي في صمت ، وسخرية ، ثم قالت : حزنت على المرحوم ، أكثر من بناته ....!!

يا لرقتك يا أختي !!

لم أملك إلا أن أندهش ، ويملأني الشعور بالاحتقار لهذه الدنيا ، ولما فيها من قسوة وجحود ونكران .

- 3 -

عدت لتفقد زوجته ، التي هدها الحزن . ربت على كفها مواسية ، تنهدت بأسى وقالت : رحمه الله ، كان مريضا ، وقاسى من الألم طويلا ، ثم اختاره الله . رحمك الله يا أبا علي ، ثم استعبرت وشرقت بالدموع .

أما إحدى قريباته ، فقالت : الآن قد استراح من المرض والعجز ، وهذه الدنيا بأسرها .

أما ابنته الكبرى ، فقد جلست وهي تنشج في صمت . ثم استرجعت قائلة : الحمد لله ، الحمد لله ، الموت حق على كل مؤمن .

رحمك الله يا أبي ، وارتفع نشيجها ، ثم صمتت قليلا و قالت : رحم الله والدي ، لقد مرض وتألم لسنوات ، ونرجو أن يكون في هذا تطهير له من الذنوب . نرجو له الرحمة والمغفرة ، والثبات عند السؤال ، ثم خنقتها العبرات .

كانت حزينة بحق ، تتفجع على والدها ، الذي رعاها وحنا عليها طويلا .

رق لها قلبي ، وتفجعت معها ، وبكيت لبكائها ، بقيت إلى جوارها ، أهدئها وأحاول التخفيف عنها ومواساتها

كانت هناك نسوة يجلسن في صمت ، احتراما لمشاعر أهل الميت ، وأخريات يثرثرن في في وقاحة ، وفي أمور الدنيا ، أمور لا تمت لمشهد العزاء بصلة .

مما أثار دهشتي وحنقي أولئك النساء ، اللاتي كن يثرثرن ويتضاحكن دون مراعاة لمشاعر الميت .

بدا مشهد العزاء غريبا ومتناقضا في عيني . نساء حزينات ، وأخريات صامتات ، والكثير منهن في غياب عبثي عن المشهد كله .

6 -1- 1427ه

ثيابي ليست لائقة

قصة قصيرة

-1-

في حضرة الموت ، أقف بذهول وعجز ، ويملأني الشعور بالغرابة والدهشة .

ولوهلة تبدو كلمة " الموت " دون معنى ، وتتلاشى وتذوب حروفها ، فلا أكاد أراها ، أو أقرأها وأشعر بعجز عن فهمها .

في حضرة الموت ، نفيق من سكرة الحياة ، وزيفها الذي يسري في عروقنا .

اتلو الآية الكريمة " كل نفس ذائقة الموت " أرددها كثيرا ، تستوقفني طويلا ، وكأنني أتلوها للمرة الأولى .

أتساءل عن الميت ، الذي ربما فاضت روحه قبل ساعات ، كيف ذاق الموت ؟

وهل للموت طعم ؟ وكيف هو طعمه ؟

عندما جاءنا نبأ موت جارنا عبد العزيز ، صدمت وتألمت ، هزني الخبر ، فشعرت بيد قاسية تدق صدري ، ثم بكيت بحرارة ، لكنني كفكفت دموعي ، واسترجعت بفضل الله ، ثم قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون .

رحمك الله ، يا عم عبد العزيز . لا زلت أتذكر هذا الرجل الطيب ، فقد عاش بجوارنا لسنوات ، كان يزور والدي في بعض الأمسيات ، ويحتسي معه القهوة ، وفي كل مرة ، يجلب معه بعض الحلوى ، وقطع من البسكويت من أجلنا .

في كل المناسبات السعيدة ، كان حاضرا ، في الزواج أو الختان ، أو العيد ، وكذلك لم نفتقده في أيام الشدة ، نشعر دائما ، وكأنه ينتمي إلينا .

ارتديت ملابسي على عجل ، كان القلق والخوف يملأ جوانحي . لم أحرص على ثوب بعينه ، فأنا سوف أذهب للعزاء ، وبينما كنت أمر من البهو ، استوقفتني أختي الصغرى ، ثم قالت : انتظريني قليلا من فضلك ، قلت لها : لماذا ؟

ابتسمت قائلة : لأرتدي الثوب المناسب !

هل هذا وقت التزين ، والتأنق يا أختي ؟!

نفخت بغيظ ، وقلبت شفتيها الصغيرتين ،وهي تقول : من قال أنني سوف أتزين ، لن أصبغ شفتي ، أو وجنتي ، فقط بعض الكحل ، وسأنثر القليل من البودرة على وجهي ، لأن بشرتي شاحبة .

لا إله إلا الله !!

قلت ذلك بفراغ صبر ، ثم عقبت في سخرية ، ولماذا الكحل ، ونحن ذاهبتان لنقدم واجب العزاء ؟

أعلم ، ولكنني أحب أن أبدو ، في ثياب لائقة !

أسقط في يدي ، ابتسمت في دهشة ، قلت بحيرة ، مزيجها الحزن ، لماذا أصبحنا هكذا بلا إحساس ، نتصرف بقسوة ، دون لياقة أو تهذيب ؟

هناك ولا شك أمر خاطئ ، عندما نذهب للعزاء ، كما نذهب لزيارة عادية .

تأملتها في دهشة وألم ، ثم قلت : إنه الموت ، ألا تعلمين ما هو الموت ؟

ألا تخشعين في حضرة الموت ؟

ألا تهتز مشاعرك ، لفقدان إنسان ، حتى لو كان غريبا ؟ !

حدجتني بنظرة باردة ، ترشح بالازدراء ، وعدم الفهم ، ثم قالت : وما شأني أنا ؟!

يموت جارنا العجوز ، المريض ، ثم وددت الذهاب لمواساة ذويه ، فلا أجد منك سوى اللوم والتقريع .

لست أفهم ، لماذا كل هذا اللوم ؟

إنه ليس أبي ، أو أخي ، أو حتى قريبي ، فلماذا أصطنع الحزن عليه ؟!

انفرجت شفتاي في دهشة ، وقلت : إن موت أي إنسان يملأ قلبي بالألم والجزع . يجعلني أقف في صمت وذهول . اشعر بالأسى يمزق فؤادي .

لست أتصنع الشعور بالأسى ، ولا ينبغي لإنسان أن يفعل ذلك .

لكنني أتساءل في لحظة الموت ، عندما ينعى أي إنسان ، كيف ومتى سأموت ؟

تلك لحظة يبصر فيها الإنسان الحقيقة ، وهي أنه سوف يموت ، وفي أية لحظة . فعليه أن يستعد .

يبدو الموت ، وكأنه اليقين الوحيد ، في هذه الحياة .

تأثرت أختي قليلا ، عندما لمتها وذكرتها ، وعادت لتغير ثوبها المناسب ، كما قالت ، كذلك مسحت الكحل من عينيها .

مررنا على بعض الجارات ، وذهبنا جميعا ، لنقوم بواجب العزاء .

- 2 –

عندما دخلنا ، كان الوجوم والصمت ، يخيمان على المكان .

قابلنا الكثير من النساء ، اللائي قدمن للعزاء .

جلست النساء في غرفة كبيرة ، وتناثرت كلمات العزاء المعتادة ، كانت بعض النساء يحتسين القهوة المرة في صمت ، وأخريات يتحدثن بهدوء .

بحثت عيناي عن زوجته ، وجدتها في غرفة أخرى . بدت ملامحها متورمة ، مخددة من أثر الدموع .

تحدثت إليها في كلمات مواسية ، وذكرتها بالصبر عند المصيبة ، وجزاء الصابرين عند الله .

شكرتني بحرارة ، بينما كانت تغص كلماتها بالدموع ، ثم بحثت عن بقية أفراد العائلة ، كانت إحدى بناته ، تلقي بالأوامر للخادم ، لتعد القهوة والشاي ، للحضور من المعزين .

كانت تتحدث بنبرة هادئة ، وعندما أمعنت النظر ، في قسماتها , لم تبدو حزينة ، ولا أثر لدمعة في عينيها . دهشت في أعماقي ، وقلت : ألم تبكي لموت أبيها ؟ !

هل هذه قوة وصلابة ، وصبر على المصيبة ، أم قسوة وجحود ؟

يا إلهي !

هل يمكن أن يموت أبي دون أن أذرف دمعة من أجله ؟!

ثم تفقدت بقية افراد العائلة . في الحقيقة كان الهدوء يسود المكان . لم يكن هناك عويل أو ندب أو تفجع . لا أعلم ، ربما كنت ملتاعة ، وحزينة أكثر من ذويه ....!

رمقتني أختي في صمت ، وسخرية ، ثم قالت : حزنت على المرحوم ، أكثر من بناته ....!!

يا لرقتك يا أختي !!

لم أملك إلا أن أندهش ، ويملأني الشعور بالاحتقار لهذه الدنيا ، ولما فيها من قسوة وجحود ونكران .

- 3 -

عدت لتفقد زوجته ، التي هدها الحزن . ربت على كفها مواسية ، تنهدت بأسى وقالت : رحمه الله ، كان مريضا ، وقاسى من الألم طويلا ، ثم اختاره الله . رحمك الله يا أبا علي ، ثم استعبرت وشرقت بالدموع .

أما إحدى قريباته ، فقالت : الآن قد استراح من المرض والعجز ، وهذه الدنيا بأسرها .

أما ابنته الكبرى ، فقد جلست وهي تنشج في صمت . ثم استرجعت قائلة : الحمد لله ، الحمد لله ، الموت حق على كل مؤمن .

رحمك الله يا أبي ، وارتفع نشيجها ، ثم صمتت قليلا و قالت : رحم الله والدي ، لقد مرض وتألم لسنوات ، ونرجو أن يكون في هذا تطهير له من الذنوب . نرجو له الرحمة والمغفرة ، والثبات عند السؤال ، ثم خنقتها العبرات .

كانت حزينة بحق ، تتفجع على والدها ، الذي رعاها وحنا عليها طويلا .

رق لها قلبي ، وتفجعت معها ، وبكيت لبكائها ، بقيت إلى جوارها ، أهدئها وأحاول التخفيف عنها ومواساتها

كانت هناك نسوة يجلسن في صمت ، احتراما لمشاعر أهل الميت ، وأخريات يثرثرن في في وقاحة ، وفي أمور الدنيا ، أمور لا تمت لمشهد العزاء بصلة .

مما أثار دهشتي وحنقي أولئك النساء ، اللاتي كن يثرثرن ويتضاحكن دون مراعاة لمشاعر الميت .

بدا مشهد العزاء غريبا ومتناقضا في عيني . نساء حزينات ، وأخريات صامتات ، والكثير منهن في غياب عبثي عن المشهد كله .

6 -1- 1427ه

ثيابي ليست لائقة

قصة قصيرة

-1-

في حضرة الموت ، أقف بذهول وعجز ، ويملأني الشعور بالغرابة والدهشة .

ولوهلة تبدو كلمة " الموت " دون معنى ، وتتلاشى وتذوب حروفها ، فلا أكاد أراها ، أو أقرأها وأشعر بعجز عن فهمها .

في حضرة الموت ، نفيق من سكرة الحياة ، وزيفها الذي يسري في عروقنا .

اتلو الآية الكريمة " كل نفس ذائقة الموت " أرددها كثيرا ، تستوقفني طويلا ، وكأنني أتلوها للمرة الأولى .

أتساءل عن الميت ، الذي ربما فاضت روحه قبل ساعات ، كيف ذاق الموت ؟

وهل للموت طعم ؟ وكيف هو طعمه ؟

عندما جاءنا نبأ موت جارنا عبد العزيز ، صدمت وتألمت ، هزني الخبر ، فشعرت بيد قاسية تدق صدري ، ثم بكيت بحرارة ، لكنني كفكفت دموعي ، واسترجعت بفضل الله ، ثم قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون .

رحمك الله ، يا عم عبد العزيز . لا زلت أتذكر هذا الرجل الطيب ، فقد عاش بجوارنا لسنوات ، كان يزور والدي في بعض الأمسيات ، ويحتسي معه القهوة ، وفي كل مرة ، يجلب معه بعض الحلوى ، وقطع من البسكويت من أجلنا .

في كل المناسبات السعيدة ، كان حاضرا ، في الزواج أو الختان ، أو العيد ، وكذلك لم نفتقده في أيام الشدة ، نشعر دائما ، وكأنه ينتمي إلينا .

ارتديت ملابسي على عجل ، كان القلق والخوف يملأ جوانحي . لم أحرص على ثوب بعينه ، فأنا سوف أذهب للعزاء ، وبينما كنت أمر من البهو ، استوقفتني أختي الصغرى ، ثم قالت : انتظريني قليلا من فضلك ، قلت لها : لماذا ؟

ابتسمت قائلة : لأرتدي الثوب المناسب !

هل هذا وقت التزين ، والتأنق يا أختي ؟!

نفخت بغيظ ، وقلبت شفتيها الصغيرتين ،وهي تقول : من قال أنني سوف أتزين ، لن أصبغ شفتي ، أو وجنتي ، فقط بعض الكحل ، وسأنثر القليل من البودرة على وجهي ، لأن بشرتي شاحبة .

لا إله إلا الله !!

قلت ذلك بفراغ صبر ، ثم عقبت في سخرية ، ولماذا الكحل ، ونحن ذاهبتان لنقدم واجب العزاء ؟

أعلم ، ولكنني أحب أن أبدو ، في ثياب لائقة !

أسقط في يدي ، ابتسمت في دهشة ، قلت بحيرة ، مزيجها الحزن ، لماذا أصبحنا هكذا بلا إحساس ، نتصرف بقسوة ، دون لياقة أو تهذيب ؟

هناك ولا شك أمر خاطئ ، عندما نذهب للعزاء ، كما نذهب لزيارة عادية .

تأملتها في دهشة وألم ، ثم قلت : إنه الموت ، ألا تعلمين ما هو الموت ؟

ألا تخشعين في حضرة الموت ؟

ألا تهتز مشاعرك ، لفقدان إنسان ، حتى لو كان غريبا ؟ !

حدجتني بنظرة باردة ، ترشح بالازدراء ، وعدم الفهم ، ثم قالت : وما شأني أنا ؟!

يموت جارنا العجوز ، المريض ، ثم وددت الذهاب لمواساة ذويه ، فلا أجد منك سوى اللوم والتقريع .

لست أفهم ، لماذا كل هذا اللوم ؟

إنه ليس أبي ، أو أخي ، أو حتى قريبي ، فلماذا أصطنع الحزن عليه ؟!

انفرجت شفتاي في دهشة ، وقلت : إن موت أي إنسان يملأ قلبي بالألم والجزع . يجعلني أقف في صمت وذهول . اشعر بالأسى يمزق فؤادي .

لست أتصنع الشعور بالأسى ، ولا ينبغي لإنسان أن يفعل ذلك .

لكنني أتساءل في لحظة الموت ، عندما ينعى أي إنسان ، كيف ومتى سأموت ؟

تلك لحظة يبصر فيها الإنسان الحقيقة ، وهي أنه سوف يموت ، وفي أية لحظة . فعليه أن يستعد .

يبدو الموت ، وكأنه اليقين الوحيد ، في هذه الحياة .

تأثرت أختي قليلا ، عندما لمتها وذكرتها ، وعادت لتغير ثوبها المناسب ، كما قالت ، كذلك مسحت الكحل من عينيها .

مررنا على بعض الجارات ، وذهبنا جميعا ، لنقوم بواجب العزاء .

- 2 –

عندما دخلنا ، كان الوجوم والصمت ، يخيمان على المكان .

قابلنا الكثير من النساء ، اللائي قدمن للعزاء .

جلست النساء في غرفة كبيرة ، وتناثرت كلمات العزاء المعتادة ، كانت بعض النساء يحتسين القهوة المرة في صمت ، وأخريات يتحدثن بهدوء .

بحثت عيناي عن زوجته ، وجدتها في غرفة أخرى . بدت ملامحها متورمة ، مخددة من أثر الدموع .

تحدثت إليها في كلمات مواسية ، وذكرتها بالصبر عند المصيبة ، وجزاء الصابرين عند الله .

شكرتني بحرارة ، بينما كانت تغص كلماتها بالدموع ، ثم بحثت عن بقية أفراد العائلة ، كانت إحدى بناته ، تلقي بالأوامر للخادم ، لتعد القهوة والشاي ، للحضور من المعزين .

كانت تتحدث بنبرة هادئة ، وعندما أمعنت النظر ، في قسماتها , لم تبدو حزينة ، ولا أثر لدمعة في عينيها . دهشت في أعماقي ، وقلت : ألم تبكي لموت أبيها ؟ !

هل هذه قوة وصلابة ، وصبر على المصيبة ، أم قسوة وجحود ؟

يا إلهي !

هل يمكن أن يموت أبي دون أن أذرف دمعة من أجله ؟!

ثم تفقدت بقية افراد العائلة . في الحقيقة كان الهدوء يسود المكان . لم يكن هناك عويل أو ندب أو تفجع . لا أعلم ، ربما كنت ملتاعة ، وحزينة أكثر من ذويه ....!

رمقتني أختي في صمت ، وسخرية ، ثم قالت : حزنت على المرحوم ، أكثر من بناته ....!!

يا لرقتك يا أختي !!

لم أملك إلا أن أندهش ، ويملأني الشعور بالاحتقار لهذه الدنيا ، ولما فيها من قسوة وجحود ونكران .

- 3 -

عدت لتفقد زوجته ، التي هدها الحزن . ربت على كفها مواسية ، تنهدت بأسى وقالت : رحمه الله ، كان مريضا ، وقاسى من الألم طويلا ، ثم اختاره الله . رحمك الله يا أبا علي ، ثم استعبرت وشرقت بالدموع .

أما إحدى قريباته ، فقالت : الآن قد استراح من المرض والعجز ، وهذه الدنيا بأسرها .

أما ابنته الكبرى ، فقد جلست وهي تنشج في صمت . ثم استرجعت قائلة : الحمد لله ، الحمد لله ، الموت حق على كل مؤمن .

رحمك الله يا أبي ، وارتفع نشيجها ، ثم صمتت قليلا و قالت : رحم الله والدي ، لقد مرض وتألم لسنوات ، ونرجو أن يكون في هذا تطهير له من الذنوب . نرجو له الرحمة والمغفرة ، والثبات عند السؤال ، ثم خنقتها العبرات .

كانت حزينة بحق ، تتفجع على والدها ، الذي رعاها وحنا عليها طويلا .

رق لها قلبي ، وتفجعت معها ، وبكيت لبكائها ، بقيت إلى جوارها ، أهدئها وأحاول التخفيف عنها ومواساتها

كانت هناك نسوة يجلسن في صمت ، احتراما لمشاعر أهل الميت ، وأخريات يثرثرن في في وقاحة ، وفي أمور الدنيا ، أمور لا تمت لمشهد العزاء بصلة .

مما أثار دهشتي وحنقي أولئك النساء ، اللاتي كن يثرثرن ويتضاحكن دون مراعاة لمشاعر الميت .

بدا مشهد العزاء غريبا ومتناقضا في عيني . نساء حزينات ، وأخريات صامتات ، والكثير منهن في غياب عبثي عن المشهد كله .

6 -1- 1427ه

ثيابي ليست لائقة

قصة قصيرة

-1-

في حضرة الموت ، أقف بذهول وعجز ، ويملأني الشعور بالغرابة والدهشة .

ولوهلة تبدو كلمة " الموت " دون معنى ، وتتلاشى وتذوب حروفها ، فلا أكاد أراها ، أو أقرأها وأشعر بعجز عن فهمها .

في حضرة الموت ، نفيق من سكرة الحياة ، وزيفها الذي يسري في عروقنا .

اتلو الآية الكريمة " كل نفس ذائقة الموت " أرددها كثيرا ، تستوقفني طويلا ، وكأنني أتلوها للمرة الأولى .

أتساءل عن الميت ، الذي ربما فاضت روحه قبل ساعات ، كيف ذاق الموت ؟

وهل للموت طعم ؟ وكيف هو طعمه ؟

عندما جاءنا نبأ موت جارنا عبد العزيز ، صدمت وتألمت ، هزني الخبر ، فشعرت بيد قاسية تدق صدري ، ثم بكيت بحرارة ، لكنني كفكفت دموعي ، واسترجعت بفضل الله ، ثم قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون .

رحمك الله ، يا عم عبد العزيز . لا زلت أتذكر هذا الرجل الطيب ، فقد عاش بجوارنا لسنوات ، كان يزور والدي في بعض الأمسيات ، ويحتسي معه القهوة ، وفي كل مرة ، يجلب معه بعض الحلوى ، وقطع من البسكويت من أجلنا .

في كل المناسبات السعيدة ، كان حاضرا ، في الزواج أو الختان ، أو العيد ، وكذلك لم نفتقده في أيام الشدة ، نشعر دائما ، وكأنه ينتمي إلينا .

ارتديت ملابسي على عجل ، كان القلق والخوف يملأ جوانحي . لم أحرص على ثوب بعينه ، فأنا سوف أذهب للعزاء ، وبينما كنت أمر من البهو ، استوقفتني أختي الصغرى ، ثم قالت : انتظريني قليلا من فضلك ، قلت لها : لماذا ؟

ابتسمت قائلة : لأرتدي الثوب المناسب !

هل هذا وقت التزين ، والتأنق يا أختي ؟!

نفخت بغيظ ، وقلبت شفتيها الصغيرتين ،وهي تقول : من قال أنني سوف أتزين ، لن أصبغ شفتي ، أو وجنتي ، فقط بعض الكحل ، وسأنثر القليل من البودرة على وجهي ، لأن بشرتي شاحبة .

لا إله إلا الله !!

قلت ذلك بفراغ صبر ، ثم عقبت في سخرية ، ولماذا الكحل ، ونحن ذاهبتان لنقدم واجب العزاء ؟

أعلم ، ولكنني أحب أن أبدو ، في ثياب لائقة !

أسقط في يدي ، ابتسمت في دهشة ، قلت بحيرة ، مزيجها الحزن ، لماذا أصبحنا هكذا بلا إحساس ، نتصرف بقسوة ، دون لياقة أو تهذيب ؟

هناك ولا شك أمر خاطئ ، عندما نذهب للعزاء ، كما نذهب لزيارة عادية .

تأملتها في دهشة وألم ، ثم قلت : إنه الموت ، ألا تعلمين ما هو الموت ؟

ألا تخشعين في حضرة الموت ؟

ألا تهتز مشاعرك ، لفقدان إنسان ، حتى لو كان غريبا ؟ !

حدجتني بنظرة باردة ، ترشح بالازدراء ، وعدم الفهم ، ثم قالت : وما شأني أنا ؟!

يموت جارنا العجوز ، المريض ، ثم وددت الذهاب لمواساة ذويه ، فلا أجد منك سوى اللوم والتقريع .

لست أفهم ، لماذا كل هذا اللوم ؟

إنه ليس أبي ، أو أخي ، أو حتى قريبي ، فلماذا أصطنع الحزن عليه ؟!

انفرجت شفتاي في دهشة ، وقلت : إن موت أي إنسان يملأ قلبي بالألم والجزع . يجعلني أقف في صمت وذهول . اشعر بالأسى يمزق فؤادي .

لست أتصنع الشعور بالأسى ، ولا ينبغي لإنسان أن يفعل ذلك .

لكنني أتساءل في لحظة الموت ، عندما ينعى أي إنسان ، كيف ومتى سأموت ؟

تلك لحظة يبصر فيها الإنسان الحقيقة ، وهي أنه سوف يموت ، وفي أية لحظة . فعليه أن يستعد .

يبدو الموت ، وكأنه اليقين الوحيد ، في هذه الحياة .

تأثرت أختي قليلا ، عندما لمتها وذكرتها ، وعادت لتغير ثوبها المناسب ، كما قالت ، كذلك مسحت الكحل من عينيها .

مررنا على بعض الجارات ، وذهبنا جميعا ، لنقوم بواجب العزاء .

- 2 –

عندما دخلنا ، كان الوجوم والصمت ، يخيمان على المكان .

قابلنا الكثير من النساء ، اللائي قدمن للعزاء .

جلست النساء في غرفة كبيرة ، وتناثرت كلمات العزاء المعتادة ، كانت بعض النساء يحتسين القهوة المرة في صمت ، وأخريات يتحدثن بهدوء .

بحثت عيناي عن زوجته ، وجدتها في غرفة أخرى . بدت ملامحها متورمة ، مخددة من أثر الدموع .

تحدثت إليها في كلمات مواسية ، وذكرتها بالصبر عند المصيبة ، وجزاء الصابرين عند الله .

شكرتني بحرارة ، بينما كانت تغص كلماتها بالدموع ، ثم بحثت عن بقية أفراد العائلة ، كانت إحدى بناته ، تلقي بالأوامر للخادم ، لتعد القهوة والشاي ، للحضور من المعزين .

كانت تتحدث بنبرة هادئة ، وعندما أمعنت النظر ، في قسماتها , لم تبدو حزينة ، ولا أثر لدمعة في عينيها . دهشت في أعماقي ، وقلت : ألم تبكي لموت أبيها ؟ !

هل هذه قوة وصلابة ، وصبر على المصيبة ، أم قسوة وجحود ؟

يا إلهي !

هل يمكن أن يموت أبي دون أن أذرف دمعة من أجله ؟!

ثم تفقدت بقية افراد العائلة . في الحقيقة كان الهدوء يسود المكان . لم يكن هناك عويل أو ندب أو تفجع . لا أعلم ، ربما كنت ملتاعة ، وحزينة أكثر من ذويه ....!

رمقتني أختي في صمت ، وسخرية ، ثم قالت : حزنت على المرحوم ، أكثر من بناته ....!!

يا لرقتك يا أختي !!

لم أملك إلا أن أندهش ، ويملأني الشعور بالاحتقار لهذه الدنيا ، ولما فيها من قسوة وجحود ونكران .

- 3 -

عدت لتفقد زوجته ، التي هدها الحزن . ربت على كفها مواسية ، تنهدت بأسى وقالت : رحمه الله ، كان مريضا ، وقاسى من الألم طويلا ، ثم اختاره الله . رحمك الله يا أبا علي ، ثم استعبرت وشرقت بالدموع .

أما إحدى قريباته ، فقالت : الآن قد استراح من المرض والعجز ، وهذه الدنيا بأسرها .

أما ابنته الكبرى ، فقد جلست وهي تنشج في صمت . ثم استرجعت قائلة : الحمد لله ، الحمد لله ، الموت حق على كل مؤمن .

رحمك الله يا أبي ، وارتفع نشيجها ، ثم صمتت قليلا و قالت : رحم الله والدي ، لقد مرض وتألم لسنوات ، ونرجو أن يكون في هذا تطهير له من الذنوب . نرجو له الرحمة والمغفرة ، والثبات عند السؤال ، ثم خنقتها العبرات .

كانت حزينة بحق ، تتفجع على والدها ، الذي رعاها وحنا عليها طويلا .

رق لها قلبي ، وتفجعت معها ، وبكيت لبكائها ، بقيت إلى جوارها ، أهدئها وأحاول التخفيف عنها ومواساتها

كانت هناك نسوة يجلسن في صمت ، احتراما لمشاعر أهل الميت ، وأخريات يثرثرن في في وقاحة ، وفي أمور الدنيا ، أمور لا تمت لمشهد العزاء بصلة .

مما أثار دهشتي وحنقي أولئك النساء ، اللاتي كن يثرثرن ويتضاحكن دون مراعاة لمشاعر الميت .

بدا مشهد العزاء غريبا ومتناقضا في عيني . نساء حزينات ، وأخريات صامتات ، والكثير منهن في غياب عبثي عن المشهد كله .

6 -1- 1427ه

ثيابي ليست لائقة

قصة قصيرة

-1-

في حضرة الموت ، أقف بذهول وعجز ، ويملأني الشعور بالغرابة والدهشة .

ولوهلة تبدو كلمة " الموت " دون معنى ، وتتلاشى وتذوب حروفها ، فلا أكاد أراها ، أو أقرأها وأشعر بعجز عن فهمها .

في حضرة الموت ، نفيق من سكرة الحياة ، وزيفها الذي يسري في عروقنا .

اتلو الآية الكريمة " كل نفس ذائقة الموت " أرددها كثيرا ، تستوقفني طويلا ، وكأنني أتلوها للمرة الأولى .

أتساءل عن الميت ، الذي ربما فاضت روحه قبل ساعات ، كيف ذاق الموت ؟

وهل للموت طعم ؟ وكيف هو طعمه ؟

عندما جاءنا نبأ موت جارنا عبد العزيز ، صدمت وتألمت ، هزني الخبر ، فشعرت بيد قاسية تدق صدري ، ثم بكيت بحرارة ، لكنني كفكفت دموعي ، واسترجعت بفضل الله ، ثم قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون .

رحمك الله ، يا عم عبد العزيز . لا زلت أتذكر هذا الرجل الطيب ، فقد عاش بجوارنا لسنوات ، كان يزور والدي في بعض الأمسيات ، ويحتسي معه القهوة ، وفي كل مرة ، يجلب معه بعض الحلوى ، وقطع من البسكويت من أجلنا .

في كل المناسبات السعيدة ، كان حاضرا ، في الزواج أو الختان ، أو العيد ، وكذلك لم نفتقده في أيام الشدة ، نشعر دائما ، وكأنه ينتمي إلينا .

ارتديت ملابسي على عجل ، كان القلق والخوف يملأ جوانحي . لم أحرص على ثوب بعينه ، فأنا سوف أذهب للعزاء ، وبينما كنت أمر من البهو ، استوقفتني أختي الصغرى ، ثم قالت : انتظريني قليلا من فضلك ، قلت لها : لماذا ؟

ابتسمت قائلة : لأرتدي الثوب المناسب !

هل هذا وقت التزين ، والتأنق يا أختي ؟!

نفخت بغيظ ، وقلبت شفتيها الصغيرتين ،وهي تقول : من قال أنني سوف أتزين ، لن أصبغ شفتي ، أو وجنتي ، فقط بعض الكحل ، وسأنثر القليل من البودرة على وجهي ، لأن بشرتي شاحبة .

لا إله إلا الله !!

قلت ذلك بفراغ صبر ، ثم عقبت في سخرية ، ولماذا الكحل ، ونحن ذاهبتان لنقدم واجب العزاء ؟

أعلم ، ولكنني أحب أن أبدو ، في ثياب لائقة !

أسقط في يدي ، ابتسمت في دهشة ، قلت بحيرة ، مزيجها الحزن ، لماذا أصبحنا هكذا بلا إحساس ، نتصرف بقسوة ، دون لياقة أو تهذيب ؟

هناك ولا شك أمر خاطئ ، عندما نذهب للعزاء ، كما نذهب لزيارة عادية .

تأملتها في دهشة وألم ، ثم قلت : إنه الموت ، ألا تعلمين ما هو الموت ؟

ألا تخشعين في حضرة الموت ؟

ألا تهتز مشاعرك ، لفقدان إنسان ، حتى لو كان غريبا ؟ !

حدجتني بنظرة باردة ، ترشح بالازدراء ، وعدم الفهم ، ثم قالت : وما شأني أنا ؟!

يموت جارنا العجوز ، المريض ، ثم وددت الذهاب لمواساة ذويه ، فلا أجد منك سوى اللوم والتقريع .

لست أفهم ، لماذا كل هذا اللوم ؟

إنه ليس أبي ، أو أخي ، أو حتى قريبي ، فلماذا أصطنع الحزن عليه ؟!

انفرجت شفتاي في دهشة ، وقلت : إن موت أي إنسان يملأ قلبي بالألم والجزع . يجعلني أقف في صمت وذهول . اشعر بالأسى يمزق فؤادي .

لست أتصنع الشعور بالأسى ، ولا ينبغي لإنسان أن يفعل ذلك .

لكنني أتساءل في لحظة الموت ، عندما ينعى أي إنسان ، كيف ومتى سأموت ؟

تلك لحظة يبصر فيها الإنسان الحقيقة ، وهي أنه سوف يموت ، وفي أية لحظة . فعليه أن يستعد .

يبدو الموت ، وكأنه اليقين الوحيد ، في هذه الحياة .

تأثرت أختي قليلا ، عندما لمتها وذكرتها ، وعادت لتغير ثوبها المناسب ، كما قالت ، كذلك مسحت الكحل من عينيها .

مررنا على بعض الجارات ، وذهبنا جميعا ، لنقوم بواجب العزاء .

- 2 –

عندما دخلنا ، كان الوجوم والصمت ، يخيمان على المكان .

قابلنا الكثير من النساء ، اللائي قدمن للعزاء .

جلست النساء في غرفة كبيرة ، وتناثرت كلمات العزاء المعتادة ، كانت بعض النساء يحتسين القهوة المرة في صمت ، وأخريات يتحدثن بهدوء .

بحثت عيناي عن زوجته ، وجدتها في غرفة أخرى . بدت ملامحها متورمة ، مخددة من أثر الدموع .

تحدثت إليها في كلمات مواسية ، وذكرتها بالصبر عند المصيبة ، وجزاء الصابرين عند الله .

شكرتني بحرارة ، بينما كانت تغص كلماتها بالدموع ، ثم بحثت عن بقية أفراد العائلة ، كانت إحدى بناته ، تلقي بالأوامر للخادم ، لتعد القهوة والشاي ، للحضور من المعزين .

كانت تتحدث بنبرة هادئة ، وعندما أمعنت النظر ، في قسماتها , لم تبدو حزينة ، ولا أثر لدمعة في عينيها . دهشت في أعماقي ، وقلت : ألم تبكي لموت أبيها ؟ !

هل هذه قوة وصلابة ، وصبر على المصيبة ، أم قسوة وجحود ؟

يا إلهي !

هل يمكن أن يموت أبي دون أن أذرف دمعة من أجله ؟!

ثم تفقدت بقية افراد العائلة . في الحقيقة كان الهدوء يسود المكان . لم يكن هناك عويل أو ندب أو تفجع . لا أعلم ، ربما كنت ملتاعة ، وحزينة أكثر من ذويه ....!

رمقتني أختي في صمت ، وسخرية ، ثم قالت : حزنت على المرحوم ، أكثر من بناته ....!!

يا لرقتك يا أختي !!

لم أملك إلا أن أندهش ، ويملأني الشعور بالاحتقار لهذه الدنيا ، ولما فيها من قسوة وجحود ونكران .

- 3 -

عدت لتفقد زوجته ، التي هدها الحزن . ربت على كفها مواسية ، تنهدت بأسى وقالت : رحمه الله ، كان مريضا ، وقاسى من الألم طويلا ، ثم اختاره الله . رحمك الله يا أبا علي ، ثم استعبرت وشرقت بالدموع .

أما إحدى قريباته ، فقالت : الآن قد استراح من المرض والعجز ، وهذه الدنيا بأسرها .

أما ابنته الكبرى ، فقد جلست وهي تنشج في صمت . ثم استرجعت قائلة : الحمد لله ، الحمد لله ، الموت حق على كل مؤمن .

رحمك الله يا أبي ، وارتفع نشيجها ، ثم صمتت قليلا و قالت : رحم الله والدي ، لقد مرض وتألم لسنوات ، ونرجو أن يكون في هذا تطهير له من الذنوب . نرجو له الرحمة والمغفرة ، والثبات عند السؤال ، ثم خنقتها العبرات .

كانت حزينة بحق ، تتفجع على والدها ، الذي رعاها وحنا عليها طويلا .

رق لها قلبي ، وتفجعت معها ، وبكيت لبكائها ، بقيت إلى جوارها ، أهدئها وأحاول التخفيف عنها ومواساتها

كانت هناك نسوة يجلسن في صمت ، احتراما لمشاعر أهل الميت ، وأخريات يثرثرن في في وقاحة ، وفي أمور الدنيا ، أمور لا تمت لمشهد العزاء بصلة .

مما أثار دهشتي وحنقي أولئك النساء ، اللاتي كن يثرثرن ويتضاحكن دون مراعاة لمشاعر الميت .

بدا مشهد العزاء غريبا ومتناقضا في عيني . نساء حزينات ، وأخريات صامتات ، والكثير منهن في غياب عبثي عن المشهد كله .

6 -1- 1427ه

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007